السبت 23 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
بعضى يمزق بعضى

بعضى يمزق بعضى

نهاية هذا الشهر تحل ذكرى الشاعر والصحفى الكبير كامل الشناوى، عاش كامل الشناوى على هذه الأرض 53 عاما، ولد 1908 ورحل 1965، لم يُصدر فى حياته سوى ديوان واحد (لا تكذبى)، بينما بعد الرحيل قرأنا عشرات من المقالات تغض الطرف عن كل شىء ولا يعنيها سوى (لا تكذبى)، بل إن الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس أحالها إلى رواية أطلق عليها (وعاشت بين أصابعه).



 

كان كامل الشناوى يشعر أنه سيغادر الحياة مبكرا، ولهذا كتب وصية لأحد أقرب تلاميذه إلى قلبه وهو الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب يقول له (يا أحمد أنت تصغرنى بعشرين عاما وسوف تعيش بعدى وأوصيك بأن تكتب قصة حياتى) ولم ينفذ وصية كامل الشناوى رغم أنه عاش بعده 50 عاما، وكثيرا ما كنت أسأله يا عمى: (إيه أخبار الكتاب)، يقول لى :(قريبا ستقرأ)، ولم أقرأ شيئا حتى رحل أستاذنا أحمد رجب قبل 6 سنوات.

 

ساخر كبير أيضا واحد من أشهر وأخلص تلاميذه، محمود السعدنى، كتب عن كامل الشناوى فصلا فى كتابه الممتع (الظرفاء) وأصر أن يكتب المقدمة كامل الشناوى، ورحل كامل الشناوى مع الأسف قبل أن يقرأ الكتاب.

 

ذكر السعدنى العديد من الحقائق التي عاشها مع الشاعر الكبير، ولكن بعد الرحيل وجدنا الكل يأخذ كلمة من هنا وأخرى من هناك، ويدعون أشياء لم تحدث، بعضهم استغل كتاب السعدنى وأضاف حكايات أخرى لا علاقة لها بالواقع، وأغلبهم اختصر حكاية كامل الشناوى فى قصة واحدة وقصيدة واحدة (لا تكذبف) مجرد خيال فى خيال فى خيال.

 

كامل الشناوى عرفته فقط بعيون الطفل، كنت أحفظ أشعاره، وأنا لا أدرك أغلب المعانى، كان أبى يقرأها أولًا، وأنا أرددها بعده مثنى وثلاث ورباع. 

 

 وكان عمى بعد أن يستمع إلىَّ يقول: (طارق ما عندوش لا الابتدائية ولا الإعدادية عنده الاستعدادية) ثم يمنحنى مكافأة قدرها خمسة جنيهات، تستطيع أن تضع أمام الرقم ثلاثة أصفار لتدرك كم كانت تساوى، وكم كنت أنا أيضا أساوى.

 

كان عمى فى حياته يرفض أن يصدر كتابا،لأنه أدرك حجم المسؤولية التي يعنيها أن يخترق بالكتاب حاجز الزمن، كثيرا ما قرأت عنه حكايات رواها توفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس وأم كلثوم ويوسف إدريس ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم وبليغ حمدى وكمال الطويل وكمال الملاخ وفتحى غانم وسناء جميل ومصطفى أمين وعلى أمين وأنيس منصور ومفيد فوزى ومنير عامر وغيرهم من الكبار، بدأت أستعيد القصاصات الصحفية، بعض الكتب أصدرها عمى الشاعر والصحفى الكبير مأمون الشناوى تضم أجزاء ما كتبه شقيقه الأكبر، ووجدت أمامى كنزًا لا ينفد من الإبداع الساخن بقدر ما هو ساحر، لا توجد قضايا محسومة عند كامل الشناوى الميلاد والرحيل، الحياة والموت، العذاب والشقاء، كل هذه المعانى تتصارع بداخله وينطبق عليها تلك الجملة الشعرية المتوهجة فى قصيدته (حبيبها)، التي كتبها لكى تقرأه ونكتشف أنها تقرأنا أيضا (بعضى يمزق بعضى).

 

 أعترف لكم كم أنا مُقصر، ليس فقط لأنه عمى، ولكن قبل كل ذلك لكونه قامة وقيمة إبداعية كبيرة واستثنائية فى الصحافة والشعر، مسؤوليتى الأدبية تفرض تقديم دراسة موسعة عن إبداعه، تذكرت برنامجا إذاعيا يستضيف فى كل حلقة، فنانًا وصحفيًا يتبادلان المواقع، سألته نجاة بأى صفة تريد أن تدخل عالم الخلود الشاعر أم الصحفى؟ أجابها: (الشاعر..وهناك أمارس الصحافة)، كان كامل الشناوى بداخله صحفى يقظ لم يمنعه ولعه بالأوزان والقوافى عن ممارسة مهنة قاسية تخترق الأوزان والقوافى.

 

مع اقتراب ذكرى كامل الشناوى الخامسة والخمسين، استعدت كثيرا من كتاباته النثرية والشعرية ووجدت نفسى بعدها أحلق فى السماء وأمسك بأصابعى قوس قزح، بينما (بعضى يمزق بعضى)!!