السبت 23 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
"الهستيريا"

تفاصيل أغرب انتخابات في تاريخ أمريكا

"الهستيريا"

يكتب من واشنطن: 



تُكتب هذه السطور فيما يَطلب عددٌ من الولاياتِ الأمريكيةِ إعطاءَها فسحة من الوقت حرصًا على دقة الفرز.. نَكتُبُ بينما يمضى السيناريو الذي توقعته «روزاليوسف»، وسَيْطر على غلافها العدد الماضى إلى طريقه مُسرعًا، وبالفعل.. (أمريكا على المحك، والانتخابات فى يد المحكمة العليا).. لعل هذا هو السيناريو الأقرب، وسوف نشرحُ أبعادَه فى السطور القادمة.. ولكن انتخابات 2020 لم تكن مجردَ نتائج مرفوضة من قَبل إعلانها من قِبَل الجمهوريين والديمقراطيين، ولكن كانت مرآةً لما وصلت إليه المنظومة السياسية الأمريكية، وما وصل إليه الإعلام الأمريكى، والحال الذي أصبحت عليه استطلاعات الرأى، وكيف تحولت مَوَاطنُ الثقةِ الأكاديميةِ إلى علاماتٍ تجارية لها ثمن يدفعه من استطاع، وفى خِضم كل ذلك حضرت تناقضات المجتمع الأمريكى كاملة على طاولة الانتخابات، الوجه الذي تداريهِ أمريكا سيطرَ عليها، النموذج الذي تنتقده فى الآخرين أصبح منهجهًا.

 

إن المشهد فى شوارع الخوف المزدحمة بالمشردين يجعل حديث أمريكا عن حقوق الإنسان محل شك، وتباينات أحداث التصويت وما جرى فى ليلة الفرز يقول إن زمن إعطاء أمريكا للغير دروسًا فى الديمقراطية قد انتهى.

 

 الانتخابات التي كانت كرنفالًا وفى بعض الأحيان تندرج كموسم سياحى.. باتت كابوسًا، دعنا نحكى ونتحدث.. هناك ما يستحق أن يُروى.

 

أذكر أنه فى العام 2008 وكنت وقتها رئيسًا للقسم الدبلوماسى بجريدة «روزاليوسف»، تلقيت دعوة من السفارة الأمريكية بالقاهرة لكى أحضر احتفالية ليلة التصويت فى الانتخابات الرئاسية، كان التنافس وقتها بين مرشح ديمقراطى وهو باراك أوباما، ومرشح جمهورى هو جون ماكين، وفاز بها أوباما.. أذكر تفاصيل الكرنفال، وإعطاء النموذج للحالة الديمقراطية الأمريكية، وكيف كان كل فريق يصفق مع إعلان فوز مرشحه بالولاية.. مرت الأيام سريعًا، حضرت انتخابات 2012، ثم 2016، كانت الأجواء الكرنفالية مشابهة لما نظمته السفارة الأمريكية بالقاهرة.. ولكن فى 2020 كان الأمرُ مختلفًا.

 

وصلنا إلى العاصمة الأمريكية، وبدا وجهُها شاحبًا، تترقب معركة ولا تنتظر انتخابات.. ولدواعٍ أمنية، واستجابة لنصيحة من المقربين، نقلت إقامتى من مُحيط البيت الأبيض إلى منطقة جورج تاون، تحسُّبًا لأعمال عنف منتظرة.

 

ولِمَ لا، وتقارير شراء الأسلحة تتزايد، وواجهات المحال الخاوية من الزبائن بفعل كورونا تُغلق، وتُعَلَّق ستائر خشبية لحمايتها، والبنوكُ تُطمِس معالمَها خشية سطوٍ يحدُث، أو سرقةٍ مُنَظّمة.

 

واشنطن العاصمة، والتي لا يُعَوَّل عليها فى المجمع الانتخابى، حيثُ تُشَكِّل ثلاثة أصواتٍ فقط، إلا أنها المعملُ والمختبرُ وغرفة عمليات كبرى لما يدور فى الانتخابات الأمريكية.

 

على نواصيها ارتمى البشر جَوْعَى، مَرْضى، بلا رحمة.. وكأن العاصمةَ بُنِيَت على المُشَرَّدين وهم أركانها، فى شكل غريبٍ غيرَ مُعتادٍ، ولا يتَّسِقُ مع دولةٍ عُظمى، تُواجِه جائحةً مثل كورونا، ولا تُلْقِى للناس بالًا، ولَا تحسِبُ للنّفسِ الإنسانية حِسابًا.

 

يقولون إنّ هؤلاء المشردين بعضهم تحلو له عيشته، ومنهم من يصرفُ إعانةَ بطالته على المخدرات، ولكن فى المحصلة.. هناك وجهٌ اجتماعىٌّ قبيحٌ كان حاضرًا لأمريكا التي تَنْتَخِب.

 

وفى المقابلُ كان الإعلامُ الأمريكىّ يَمضى بعينٍ واحدةٍ، وصوتٍ واحد.. لا تحدثنى عن مهنية أو موضوعية، صفحاتُ الجرائد منشوراتٌ سياسية، القنواتُ أبواقٌ حزبيةٌ صريحة، أما المواقع الإلكترونية فهى ساحة لتمرير ما لا يجوز تمريره ورقيًا وتليفزيونيًا، وبالتالى لم يكن مصدرًا لمعلومة ولكن كان أداةً فى حرب لاتزال ممتدة.

 

وبين هذا وذاك.. ظهرت المنظومة السياسية على واقع حالها، تستدعى انقسام الشارع المستقطب، وتعززه لمصالحها الانتخابية، منظومةٌ سياسيّةٌ توقفت عن الابتكار، وبدت تُطَوّع الدستور لتحقيق أغراضها وأهدافها.

 

كل هذه التفاعلات كانت تقود إلى «ليلة البيبى دول».. جملة السيناريست الكبير الأستاذ عبدالحى أديب فى آخر أعماله، الذي جسّد حضور أمريكا فى الشرق الأوسط بعد احتلال العراق، وأجده مُناسبًا لليلة الانتخابات الأمريكية. فى بلدٍ يشهد أزماتٍ صحية، واقتصادية، واجتماعية، غير مسبوقة، اعتصرتهم تلك الليلة الطويلة، والتي تفتح الباب أمام أيامٍ وليالٍ طوالٍ من النزاع بعد الانتظار، وبعد أجواءٍ انتخابيةٍ مسمومة.

 

وكما توقّعنا بعد تمكنه من حسم نتيجة ولاية فلوريدا المتأرجحة خرج الرئيس دونالد ترامب الأربعاء ليُعلن مبكرًا أنه «فاز» فى الانتخابات، فى مواجهة منافسه الديمقراطى جو بايدن رغم استمرار فرز الأصوات فى عدد من الولايات الأساسية.

 

ليعيش العالم بعد هذا الإعلان حالة استثنائية ما بين التردد والجزم والتشكيك أيضًا، ولا تستغرب أن العالم كله يتابع هذه الانتخابات، لأن أمريكا مهمة ودورها حيوى فى كل مفاصل السياسة الدولية.

 

اللعب على أعصاب الشارع الأمريكى المنقسم فعليًا لم يتوقف، فبعد إعلان ترامب الفوز المبكر خرجت حملة بايدن هى الأخرى لتعلن أنها الأقرب للبيت الأبيض، لتصل رسالة إلى العالم أن أمريكا تغيرت، وأن أزمة دستورية فى الطريق بين المرشحين اللذين باتا يُعَبّران عن شعبين يعيشان على نفس الأرض، التي ما زالت موحدة رغم انقسام كل ما فوقها.

 

ترامب قال نصًا فى البيت الأبيض: «بصراحة، لقد فزنا فى الانتخابات»، ثم تحدث عن «التزوير» ثم أعلن أنه يعتزم اللجوء إلى المحكمة العليا، ووصف اللحظة بأنها لحظة مهمة فى تاريخ أمريكا، وتباهى بعدد من الولايات التي حقق فيها نتائج، وقال إنه فاز فيها من أهمها، فلوريدا، وتكساس، وأوهايو، وأكد أنه سيفوز فى ولاية بنسلفانيا، وأنه مُتقدم فيها بفارق كبير حتى الآن.

 

وأضاف ترامب: «فُزنا بهذه الولايات، ومن الواضح أن هناك عملية احتيال على الشعب الأمريكى، سنفوز بهذه الانتخابات، وقد فزنا بها بالفعل، هذه لحظة مهمة فى تاريخ أمتنا وسنلجأ للمحكمة العليا لوقف احتساب الأصوات المتأخرة».

 

وفى المقابل شنت حملة بايدن هجومًا على ذلك، وقالت إنه إذا ذهب ترامب إلى المحكمة لمنع «فرز الأصوات بشكل سليم» فستكون الفرق القانونية للديمقراطيين جاهزة للتصدى لهذا المسعى.

 

حرب تويتر لم تكن غائبة فى «ليلة البيبى دول»، وبينما أعصاب الأمريكان تدخل أفران الاحتراق، عاد إلى الأذهان مطلب دونالد ترامب بتعديل المادة 230 من الدستور الأمريكى، والتي تتيح لشركات التكنولوجيا والاتصال الاجتماعى التحكم فى المحتوى، بنشر ما تريد، وحجب ما تريد، وقد استُخدِم هذا السلاح ضد ترامب.

 

خرج ترامب بتغريدة تقول: إنه يتوقع فوزه بفترة ثانية تستمر 4 سنوات، واتهم الديمقراطيين بمحاولة «سرقة» الانتخابات منه.

 

لترد شركة تويتر بأن تغريدة الرئيس دونالد ترامب التي زعم فيها أن هناك محاولة «لسرقة الانتخابات» قد تكون مُضللة.

 

وتعلن الشركة: «وضعنا تحذيرًا على تغريدة منشورة على حساب دونالد ترامب؛ لأنها تنطوى على تضليل بشأن الانتخابات».

 

بايدن لم يصمت هو الآخر وأعلن أنه «على الطريق الصحيح للفوز» فى الانتخابات فى مواجهة دونالد ترامب.

 

آمال الديمقراطيين فى معسكر بايدن فى تحقيق انتصارات تاريخية فى كارولينا الشمالية، أو جورجيا، أو تكساس قد تبددت، هذه كانت من أهم مؤشرات ليلة الانتخابات، وكذلك انتصار بايدن فى أريزونا كان من أهم المفاجآت.

 

بينما احتفظ الرئيس الجمهورى بفلوريدا التي سبق أن فاز فيها عام 2016، كما فاز فى أوهايو التي فاز فيها منذ العام 1964 كل المرشحين الذين وصلوا إلى الرئاسة.

 

ولا تزال نتيجة الانتخابات غير محسومة، فى حين تستعد حملتا الرئيس ترامب، ومنافسه الديمقراطى جو بايدن، للمضى قدمًا فى معركة قضائية بشأن عمليات الفرز.

 

 ويمكن أن تظل نتائج الانتخابات فى ولاية بنسلفانيا غير معلنة لأيام، بينما طلبت حملة ترامب رسميًا إعادة الفرز كاملًا فى ولاية ويسكونسن، ولا يزالُ عددُ بطاقات الاقتراع المرسلة بالبريد غير محسوب، مع انتظار عدة مقاطعات لفرزها.

 

وكان ترامب مُتقدمًا على بايدن فجر الأربعاء بفارق كبير، لكن مسؤولين ديمقراطيين كانوا واثقين من أن ذلك سيتغير.

 

رودى جوليانى، المحامى الشخصى لترامب دخل على خط التشكيك، وذلك بتغريدة على تويتر، مشيرًا إلى أن ترامب كان يتقدم على بايدن بنحو 700 ألف صوت.

 

وقال جوليانى: «إنها كذبة أن النتائج متقاربة ولا يمكن إعلانها بعد».

 

ومع تأخر فرز بنسلفانيا أصبح أمرًا واقعًا، كما تنبأت سكرتيرة الولاية كاثى بوكفار، فبينما بدأت معظم الولايات فى فرز الأصوات المبكرة مسبقًا، لا تباشر بنسلفانيا عملية الفرز حتى يوم الانتخابات نفسه.

 

وتسمح الولاية حاليًا بفرز بطاقات الاقتراع التي تم إرسالها بالبريد والمختومة بحلول يوم الانتخابات، حتى يوم الجمعة، ولكن سيتم فصل بطاقات الاقتراع المستلمة بعد يوم الثلاثاء، حتى تحدد المحكمة العليا كيفية التعامل معها.

 

وبعد فوز كل من ترامب وبايدن بولايات مهمة، لا يقتصر حسم السباق إلى البيت الأبيض بينهما على نتائج ولاية بنسلفانيا فحسب، بل يشمل أيضًا ولايات أخرى بينها ميتشجن وويسكونسن.

 

وشكلت حملة ترامب فريقًا قانونيًا تحت اسم «محامون من أجل ترامب»، وهو تحالف «لحماية نزاهة» الانتخابات.

 

فى حين تعتمد حملة بايدن على برنامج ضخم «لحماية الانتخابات»، يعمل فيه المدعى العام السابق إريك هولدر، ومئات من المحامين الآخرين، استعدادًا لمعركة قانونية فى حال التنازع بشأن الانتخابات.

 

ويمكن أن يؤدى ذلك إلى سيناريوهات قانونية وسياسية يمكن أن تتحدد فيها الرئاسة عبر مزيج من المحاكم والكونجرس.

 

مثال ذلك تظهر بيانات التصويت المبكر أن الديمقراطيين يصوتون عبر البريد بأعداد أكبر بكثير من الجمهوريين.

 

وفى ولايات مثل بنسلفانيا، وويسكونسن التي لا تفرز بطاقات الاقتراع بالبريد حتى يوم الانتخابات، يقول خبراء إن النتائج الأولية قد تميل لصالح ترامب، بينما من المتوقع أن تكون بطاقات الاقتراع البريدية التي يتم فرزها بوتيرة أبطأ فى صالح بايدن.

 

وعبّر الديمقراطيون عن قلقهم من أن يعلن ترامب فوزه، وهو ما فعله يوم الأربعاء، قبل أن يتم الانتهاء من فرز هذه الأصوات.

 

ويمكن أن يؤدى تقارب النتائج إلى التقاضى بشأن إجراءات التصويت وفرز الأصوات فى الولايات الحاسمة.

 

ويمكن أن تصل القضايا المرفوعة فى ولايات بشكل منفرد إلى المحكمة العليا فى نهاية المطاف، كما حدث فى انتخابات فلوريدا فى عام 2000، عندما فاز الجمهورى جورج دبليو بوش على الديمقراطى آل جور بفارق 537 صوتًا فحسب فى فلوريدا بعد أن أوقفت المحكمة العليا عملية إعادة الفرز.

 

وعيّن ترامب القاضية إيمى كونى باريت فى المحكمة العليا قبل أيام من الانتخابات. الأمر الذي من شأنه أن يحقق أغلبية محافظة بواقع 6 إلى 3، يمكن أن تكون فى صالح الرئيس إذا نظرت المحاكم نزاعات بشأن الانتخابات.

 

وقال ترامب، الأربعاء: «نود استخدام القانون بطريقة سليمة. لذا سنذهب إلى المحكمة العليا». وتنص قوانين الانتخابات فى الولايات الأمريكية على فرز كل الأصوات، وعادة ما تقضى ولايات كثيرة أيامًا لاستكمال فرز الأصوات.

 

أما التناقض الأخير الذي باتت أمريكا تواجهه باستمرار مع كل انتخابات رئاسية، فهو النظام الانتخابى نفسه، والقائم على فكرة المجمع الانتخابى، والذي أحيانًا ما يُفرزُ رئيسًا لم يحصل على الأصوات الشعبية الفعلية، فى حين يخسر أحيانًا صاحب أغلبية الأصوات طالما لم يحقق الأغلبية داخل المجمع الانتخابى البالغ عددها 538 صوتًا.

 

وفى عام 2016، خسر ترامب التصويت الشعبى أمام الديمقراطية هيلارى كلينتون لكنه حصل على 304 أصوات فى المجمع الانتخابى مقابل 227 لها.

 

وعادة ما يكسب المرشح الذي يفوز بالتصويت الشعبى فى كل ولاية أصوات تلك الولاية فى المجمع الانتخابى.

 

 ومن المنتظر أن يجتمع أعضاء المجمع الانتخابى فى 14 ديسمبر للإدلاء بأصواتهم، ويلتقى مجلسى الشيوخ والنواب يوم السادس من يناير لفرز الأصوات وإعلان الفائز.

 

وعادة ما يصدق حكام الولايات على النتائج فى ولاياتهم ويطلعون الكونجرس على المعلومات.

 

لكن بعض الأكاديميين حددوا سيناريو يقدم فيه الحاكم والمجلس التشريعى فى ولاية تشهد منافسة متقاربة بشدة نتيجتين مختلفتين. ويوجد فى ولايات حاسمة مثل بنسلفانيا، وويسكونسن، وكارولينا الشمالية، حكام ديمقراطيون، ومجالس تشريعية يسيطر عليها الجمهوريون.

 

ووفقًا لخبراء قانونيين، فمن غير الواضح فى هذا السيناريو ما إذا كان يتعيّن على الكونجرس قبول النتائج التي يعرضها الحاكم، أو عدم إحصاء الأصوات الانتخابية للولاية على الإطلاق.