الأربعاء 2 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
قناة السويس.. 151 عامـًا سياسة وسيادة

قناة السويس.. 151 عامـًا سياسة وسيادة

في وادٍ غير ذي زرع، عند شاطئ البحر الأبيض المتوسط، المحاذي لبرزخ السويس، في الخامس والعشرين من إبريل عام 1859، وقف الفرنسي فرديناند ديليسبس، خطيبـًا، وسط العشرات من مساعديه، وموظفي شركته الوليدة، ومئتين من العمال المصريين، موزعـًا رسائله السياسية، على كل ذي صلة بمشروعه في احتفال بدء الحفر. 



 

قال: «باسم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، وطبقًا لقرار مجلس أدارتها نضرب أول معول في الأرض، التي ستفتح أبواب الشرق لتجارة الغرب وحضارته..».

 

ثم أمسك ديليسبس معولًا، وضرب به الأرض، فلحق به أعضاء اللجنة الفنية والمهندسون وسائر موظفي شركته.

 

نظر إلى العمال المصريين قائلًا: "سيضرب كل منكم بمعوله الأرض، كما فعلنا نحن الآن، وعليكم أن تذكروا أنكم لن تحفروا الأرض فقط، ولكنكم ستجلبون بعملكم الرخاء لعائلاتكم ولبلادكم الجميلة.. يحيا أفندينا محمد سعيد باشا".. قالها بالفرنسية قبل أن يتولى مترجمه نقلها إليهم بالعربية.

 

في السادس والعشرين من يوليو 1956، وقف الزعيم جمال عبدالناصر، معلنًا بصوته الجهوري للعالم قرار الأمة المصرية تأميم قناتها واستعادة حقها، قائلًا: «تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية، وينقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات».

 

وفي الخامس من يونيو 1975، وقف بطل الحرب والسلام الرئيس أنور السادات، موجهـًا حديثه للعالم بعد 8 سنوات من غلق القناة قائلًا: "أعلن باسم الله أمام العالم أجمع، أن قناة السويس تم تطهيرها بشكل كامل من العدوان الإسرائيلي، وأصبح طبيعيـًا أن يكمل هذا الشريان المصري الحيوي، مسيرة العبور في سبيل سعادة الأسرة الإنسانية ورخائها، وأن يواصل رسالته العالمية بالربط بين أطراف العالم كلها، وتعميق التبادل والتفاعل بين الأمم والشعوب".

 

في 5 أغسطس 2014 أعطى بطل التنمية الرئيس عبدالفتاح السيسي، إشارة البدء في حفر قناة السويس الجديدة قائلًا: «بسم الله الرحمن الرحيم، وباسم شعب مصر العظيم ووفاءً بالعهد والوعد، واستكمالًا لمسيرة الأجداد العظماء، ومتوكلًا على الله سبحانه وتعالى، نأذن نحن عبدالفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية، ببدء حفر قناة السويس الجديدة، لتكون شريانـًا إضافيـًا للخير لمصر وشعبها العظيم وللعالم أجمع..».. وبعد 12 شهرًا فقط كان خطاب الافتتاح.

 

إنها دراما السياسة والإرادة، دراما التاريخ، ثمرة نضال شعب، وجينات حضارة، استثمار عبقرية الإنسان لعبقرية المكان، فلم يكن ديليسبس أول من سعى لربط البحرين الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، فكان "لينان" بك، كبير مهندسي الحكومة المصرية، تقدم إلى محمد علي باشا، بدراسة لتنفيذ المشروع عام 1833م.

 

بيد أن الحقائق التاريخية، تؤكد أن المصريين القدماء، أول من شقوا قنوات صناعية على سطح الكرة الأرضية، بغرض الملاحة، فقد سجلت جدران مقبرة «ويني»، أحد رجال الدولة في عهد فرعون مصر سنوسيرت 1840 قبل الميلاد، شق قناة مائية تربط بين نهر النيل والبحر الأحمر.

 

فالقنوات الملاحية في مصر، ضاربة بجذورها في عمق التاريخ مسافة 3800 عام، شهدتها حقب تاريخية متوالية، من الفرعونية إلى البطلمية إلى الفتح الإسلامي، حتى العصر الحديث، وصولًا إلى العام 2014. التاريخ شاهد عدل، على معارك السياسة والسيادة، تلك المعارك التي كان في كل جولاتها النصر للإرادة المصرية.

 

بينما كانت فرنسا الداعمة لـ"ديليسبس"، تسعى لبسط نفوذها، فالامتيازات التي منحها الوالي سعيد تعطيهم حق استغلال القناة 99 عامـًا، وتلزم الحكومة المصرية بشق ترعة مياه عذبة من النيل إلى بحيرة التمساح، يحق لشركة القناة زراعة الأرض الخصبة على ضفتيها، وبيع مياهها للمصريين.

 

رأت بريطانيا، في ذلك مطمعـًا استعماريـًا فرنسيـًا، يبدأ بنقل عمال الحفر، ثم توطينهم في تلك المساحات الشاسعة بالقناة والأراضي الزراعية الممنوحة لهم بلا مقابل.

 

بينما كان الفلاح المصري البسيط، الذي حفر القناة بأظافره ودمائه على يقين، رغم معاناته، لمدة عشر سنوات، أن قناته على أرضه، مآلها إلى أبنائهم وأحفادهم، فضحى بأكثر من مئة ألف شهيد، من تعداد سكاني تجاوز 4 ملايين بقليل.

 

استخدمت بريطانيا نفوذها، واستدعى ديليسبس دهاءه، طاف أوروبا للاكتتاب على الشركة، متحدثًا باسم الوالي سعيد، وكيلًا عنه، طرح نوفمبر 1858 على الأوروبيين 400 ألف سهم، لتأسيس الشركة العالمية لقناة السويس للملاحة البحرية، بواقع 500 فرنك للسهم، تبقى منها 177 ألفًا و649 سهمـًا، فابتاعها الوالي سعيد أنقاذًا لصديقه، وبحثًا عن خلود اسمه في صفحات التاريخ.

 

بينما المصريون بمتوسط 20 ألفًا شهريـًا، يـُساقون من حقولهم جبرًا، إلى صحراء السويس، يقطعون ألاف الكيلو مترات، سيرًا على الأقدام، تـُنقل إليهم شربة الماء بالجمال، يحفرون ملايين الأمتار المكعبة بفؤوسهم وسواعدهم، يقتاتون قطعـًا من الخبز الجاف.

 

ومن طرائف السياسة، ومعارك السيادة، أن الإمبراطوريتين العظميين اللتين، تصارعتا ما بين داعم ورافض لشق القناة، في زمن الحفر، تحالفتا مع إسرائيل في عدوان ثلاثي سافر، عندما سخـّر الله لمصر رجالًا، عزيمتهم فولاذية فأعلنوا تأميمها 1956، لبسط السيادة الوطنية على قناة حفرها الأجداد بدمائهم في أرض مصرية.

 

كان العدوان، للحيلولة دون امتلاك مصر لقرارها، والحفاظ على مقدراتها، وتنمية ثرواتها، عدوانـًا على الإرادة، والعزيمة، فقرار التأميم جاء بعد أيام من رفض المؤسسات المالية الدولية تمويل مشروع بناء السد العالي، بما له من أهداف تنموية.

 

ذلك التاريخ الممتد، من عصر الأجداد القدماء، حتى يومنا هذا، ينبغي على الباحثين والأكاديميين، والمفكرين توثيقه وتحليله، وربطه بالواقع المعاش.. تاريخ السياسة والسيادة، معارك الإرادة، لبناء حصون الوعي، استلهام من الماضي خبراته، مواجهة الحاضر بتحدياته، لبناء عقول واعية، مستنيرة مؤهلة لبناء المستقبل بتوقعاته.

 

فها هي مصر تشهد بطلًا جديدًا، نبت في أرضها الطيبة، يعلن في أحلك الظروف السياسية، عزمه شق قناة جديدة، وتطوير وتعميق القديمة، وفي عام واحد وبأموال وسواعد وعقول مصرية خالصة.

 

شتان بين مشهدين، يفصل بينهما 155 عامـًا، قرار لأجنبي استهدف جني الثروات، وسخر مئات الآلاف للحفر، ومشهد 2014 قائد وطني قرر التحدي، واثقًا في قدرة شعبه على صنع المعجزات، وصلابة في مواجهة المحن والأزمات، باعثًا برسالة للعالم أن مصر قادرة.

 

قديمـًا فشل ديليسبس في جمع 200 مليون فرنك من دول أوروبا في 25 يومـًا، اكتتاب، نوفمبر 1858، بما أوتي من مهارة وحنكة، وما أنفقه من سنوات الدعاية لمشروعه، بينما شعب مصر صنع معجزة، في اكتتاب سبتمبر 2014 فجمع في ثمانية أيام فقط، 61 مليار جنيه، المبلغ المطلوب لشق القناة الجديدة.

 

وفي حين عمل الآلاف بالسخرة، تحت إمرة الفرنسيين، في زمن الحفر الأول، خلّدت سجلات الشرف، أسماء العقول المصرية التي أدارت وخططت، وأشرفت ونفذت مشروعًا عملاقًا في 12 شهرًا فقط.

 

لم يكن تطوير قناة السويس وشق المجرى الملاحي الجديد - رغم ضخامته - إلا خطوة على طريق التنمية الشاملة لمصر، آلاف المشروعات القومية، دفعة معنوية، ومواجهة لقنابل الحروب النفسية، التي استهدفت الشعب، وإرادته، جواز مرور لمستقبل واعد وهدية مصر للإنسانية. 

 

الزعيم قرر.. والدولة وعدت.. والشعب وثق.. والعالم شهد. 

 

الخلطة السحرية، للمعجزات المصرية، على مدار تاريخها، تكمن في ميلاد قائد في لحظة زمنية فارقة، قادر على حشد قوى الدولة الوطنية، وحسم واعٍ ومدروس لقرارات مصيرية، وشعب يثق في قيادته، ويـُدعم دولته، فيبهر العالم وتظهر أمجاد حضارته.

 

قوى الشر، تعلم ذلك فلا تدخر مكرًا ولا خديعة، لتفكيك مزيج تلك الخلطة، للنيل من بنيان الدولة، بتزييف الوعي، وإحداث شروخ في جدار الثقة بين الشعب وقيادته، ومؤسسات دولته، فاحذروهم، ووحدوا القوى، وانزعوا فتيل قنابل التضليل.

 

الوعي معركتنا، وفي اعتقادي، نحتاج قراءة عميقة لتاريخنا، ننقيه من شوائبه، ننظر لأحداثه وشخوصه، نظرة موضوعية، نـُدرك التحديات وبحجمها تكون الإنجازات. انتبهوا للحفاظ على إرادتكم، وبناء وطنكم، كما فعل أجدادكم.