الخميس 4 مارس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

في مؤتمر الإسلام والتجديد بالخرطوم

وزير الأوقاف: علاقة مصر والسودان راسخة بالتاريخ والجغرافيا والدين واللغة والمصير المشترك

د محمد مختار جمعة وزير الأوقاف
د محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

في كلمته التي ألقاها د محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، في الجلسة الافتتاحية العلمية بالمؤتمر الدولي الذي عقد بالخرطوم اليوم تحت عنوان "الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر"، بحضور  لفيف من الوزراء والسفراء وأساتذة الجامعات والعلماء والتنفيذيين وقيادات المجلس السيادي بالسودان الشقيق ونحو  خمسمائة عالم وباحث ومفكر وأكاديمي وإعلامي.. أكد أن علاقة مصر والسودان ترسخها عوامل التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والمصير المشترك.



 

واوضح أن  الوطن والحفاظ عليه أحد أهم الكليات الست التي يجب الحفاظ عليها والتي أحاطها الشرع الشريف بعناية بالغة وعمل على صيانتها، وهي: الدين، والوطن، والنفس، والعرض، والمال، والعقل، والنسل.

 

أضاف: أجمع الفقهاء قديما وحديثا على أنه إذا دخل العدو بلدا من بلاد المسلمين وجب على أهل هذه البلدة أن يهبوا جميعا للدفاع عن وطنهم  ولو فنوا جميعا في سبيل ذلك ، ومن قتل منهم في سبيل ذلك فهو شهيد ، ولَم يقل أحد على الإطلاق : إنهم إذا غلبهم العدو  وخشوا على أنفسهم من الهلاك فروا من الهلاك ونجوا بأنفسهم لينشروا الدين في مكان آخر ، فالدين لا ينشأ في الهواء الطلق ، إذ لابد له من وطن يحمله ويحميه ، فالمشردون  لا يقيمون دينا ولا دولة ، ولن يحترم الناس ديننا ما لم نتفوق في أمور دنيانا ، فإن تفوقنا في أمور دنيانا احترم الناس ديننا ودنيانا ، فدورنا هو عمارة الدنيا بالدِّين وليس تخريبها ولا تدميرها باسم الدين ، فالأديان كلها رحمة ، وحيث تكون المصلحة المعتبرة للبلاد والعباد فثمة شرع الله الحنيف. 

 

وشدد أن مصالح الأوطان من صميم مقاصد الأديان , فكل ما يؤدي إلى قوة الدولة والحفاظ عليها وعلى تماسك بنائها ورقيها وتقدمها هو من صميم مقاصد الأديان ومراميها وغاياتها , وكل ما يؤدي إلى النيل من الوطن أو زعزعة أمنه أو استقراره لا علاقة له بالأديان ولا علاقة للأديان به , وكل الأديان منه براء.

 

اضاف انه فيما يتصل بقضية  التجديد بين الأصل والعصر  فأؤكد أن هذا الموضوع شديد الاتزان والتوازن بين الحفاظ على الثوابت وفهم طبيعة المتغيرات , فإنزال الثابت منزلة المتغير هدم للثوابت , وإنزال المتغير منزلة الثابت طريق الجمود والتشدد والتطرف , مع تأكيدنا أننا لن نستطيع أن نقضي على التشدد والتطرف ونقتلعه من جذوره إلا إذا واجهنا الانحراف والتسيب بنفس القوة والحزم , فما أمر الله (عز وجل) بأمر في الإسلام إلا حاول الشيطان أن يأتيك من إحدى جهتين لا يبالي أيهما أصاب الإفراط أو التفريط , غاية ما في الأمر أننا في حاجة ملحة إلى إعمال العقل في فهم صحيح النص , وعدم الوقوف عند آليات الحفظ والتلقين بالتحول إلى آليات الفهم والتحليل.

 

وقال وزير الاوقاف :لقد فتح الإسلام باب الاجتهاد واسعا حتى في عهد سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي حياته , يتجلى ذلك عندما بعث سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) إلى اليمن وقال له بم تحكم ؟ قال بكتاب الله , قال فإن لم تجد، فقال بسنة رسول الله، فقال فإن لم تجد، قال أجتهد رأيي ولا آلو، فقال الرسول (عليه الصلاة والسلام) : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه ويرضاه. هذا على عهد سيدنا رسول الله وفي حياته ولم ينكر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على سيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) بل أقره عليه , وقال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله , وهو ما صار عليه الصحابة الكرام.

 

ولفت إلى انه اذا  أردنا أن نأخذ أنموذجا شديد الوضوح في فهم المقاصد , فلنقف مع ما كان من سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في فهم طبيعة سهم المؤلفة قلوبهم , وهم سهم ثابت بنص القرآن الكريم حيث يقول الحق سبحانه : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" , وهذا النص طبقه على أرض الواقع سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بصرف هذا السهم للمؤلفة قلوبهم , فلما جاء عصر سيدنا أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) واستشار سيدنا عمر بن الخطاب قال سيدنا عمر والله لا نعطيهم، كنا نعطيهم ونحن قلة مستضعفون وقد أتم الله علينا بفضله , فلم يعد بنا حاجة إلى تألف هؤلاء, ولا يستطيع أحد أن يقول إن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قد عطل النص , وإنما أعمله حيث وجد أهله , ورأى صرفه إلى غيرهم حيث أصبحوا هم في حكم غير الموجودين , كما يصرف لهم تحرير الرقاب في المصارف الأخرى ما لم يوجد من يستحقه منهم.

 

اضاف ان الأنموذج الثاني : هو ما يتصل بتصرفات النبي (صلى الله عليه وسلم) في إدارة الدولة, فنبينا (صلى الله عليه وسلم) لم يكن نبيًّا ورسولاً فحسب ، إنما كان (صلى الله عليه وسلم) نبيًّا ورسولاً وحاكمًا وقائدًا عسكريًّا ، فما تصرف فيه باعتباره نبيًّا ورسولاً فيما يتصل بشؤون العقائد والعبادات والقيم والأخلاق وصح نسبته إليه (صلى الله عليه وسلم) أُخذ على النحو الذي بينه (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه ، ولا يختلف أمر البيان فيه باختلاف الزمان أو المكان كونه من الأمور الثابتة سواء اتصل بأمر الفرائض كصوم رمضان ، والصلاة ، والزكاة ، والحج ، أم اتصل بأمر السنن الثابتة عنه (صلى الله عليه وسلم) كصوم عرفة أو صوم عاشوراء.

 

ولفت الى ان  ما تصرف فيه النبي (صلى الله عليه وسلم)  بصفته نبيًّا وحاكمًا أو بصفته نبيًّا وقائدًا عسكريًّا ، أو بصفته نبيًّا وقاضيًا ، فهو تصرف باعتبارين : باعتباره (صلى الله عليه وسلم) نبيًّا واعتباره (صلى الله عليه وسلم) حاكمًا أو قائدًا أو قاضيًا . .. واكد وزير الاوقاف في ختام كلمته أن الإسلام لم يضع قالبًا جامدًا صامتًا محددًا لنظام الحكم لا يمكن الخروج عنـه ، وإنمـا وضع أسسًـا ومعـايير متى تحققت كان الحكم رشيدًا يُقـرّه الإسلام ، ومتى اختلّت أصـاب الحكم من الخلل والاضطراب بمقـدار اختلالها.

 

واستطرد لعل العنوان الأهم الأبرز لنظام أي حكم رشيد هو مدى تحقيقه لمصالح البلاد والعباد ، وعلى أقل تقدير مدى عمله لذلك وسعيه إليه ، فأي حكم يسعى إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد - في ضوء معاني العدل والمساواة والحـرية المنضبطـة ، بعيدًا عن الفـوضى والمحسوبيـة وتقديـم الولاء على الكفاءة - فهو حكم رشيد معتبر.