الخميس 22 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مجلس الشيوخ.. قراءة في المكتسبات والتحديات

مجلس الشيوخ.. قراءة في المكتسبات والتحديات

تغيرات جوهرية تشهدها الخريطة السياسية المصرية، بل والاجتماعية، جراحات إصلاحية حقيقية، تحركها قوة دفع الإرادة السياسية.



 

بادرة تاريخية، للإصلاح السياسي والاجتماعي، فرض عين على الجميع استثمارها، ودعم نجاحها، وفي مقدمتهم من أوكلت لهم المسؤولية، تلك النماذج التي شملها الإصلاح، باتت في معترك الحياة النيابية.

 

ففي الماضي القريب، كانت الأحزاب السياسية، كيانات كارتونية، تختصر نفسها في صحف حزبية، وشعارات حنجورية، تشكو هيمنة الحزب الواحد، ومحاصرتها، لتبرر فشلها في كسب أرضية بالشارع.

 

ولعل معظم تلك الأحزاب، ما زالت على حالها، إلا قليلًا منها، مع فارق شديد الأهمية، يكمن في توافر الإرادة السياسية لرأس الدولة، ومؤسساتها الرسمية، في مد يد العون لتلك الأحزاب، والأخذ بأيديها، لنفض غبار المظلومية، والتحرر من عقدة الاضطهاد والمحاصرة، لتبدأ هي في تغيير واقعها بالعمل.

 

تتجلى تلك الإرادة السياسية، في التعديلات الدستورية والتشريعية، التي جعلت من انتخابات القائمة عمودًا فقريًا للانتخابات النيابية في غرفتي النواب ومجلس الشيوخ، لإتاحة الفرصة للقوى الحزبية والتحالفات الانتخابية لإيجاد موضع قدم حقيقي.

 

الأصل في فلسفة انتخابات القائمة، أن تكون المنافسة قائمة بين برامج سياسية لقوى حزبية، للقضاء على هيمنة الفئوية والقبلية، وغيرها من مثالب تجارب الماضي، بيد أن التجربة ما زالت في طفولتها المبكرة، والأحزاب ما زالت تُعاني وهن القوى، وعدم القدرة على التنافس بقوائم كاملة، نابعة من تحالفات تحكمها أيديولوجيات سياسية.

 

فضلًا على طبيعة تحديات المرحلة داخليًا وخارجيًا، وهو ما دفع أصحاب العقول الناضجة، لإدارة حوار بين الأحزاب الأكثر فاعلية نسبيًا، للتفاوض حول نسب التمثيل في قائمة موحدة، تنطلق من ثوابت وطنية، لبناء تحالف انتخابي جامع، يُتيح أكبر قدر من تمثيل جميع التوجهات في مجلس الشيوخ، بما يُحقق سلامًا نفسيًا حزبيًا، لينطلق الجميع من أرضية وطنية.

 

لم يكن ذلك بالأمر السهل، في ظل رواسب خيالات العظمة لدى البعض، واستحضار البعض الآخر ورقة العمر الحزبي، والتاريخ المنقضي، متجاهلين ما آلت إليه أحجامهم السياسية بالشارع، لكنها المصلحة الوطنية، انتصرت، وحسابات المصلحة الحزبية، تلاقت واتحدت مع المصلحة الوطنية، فالكثيرون يدركون أن خروجهم عن القائمة الوطنية، ومنافستهم منفردين، كاشف لأوزانهم السياسية الحقيقية، فكان الجنوح لمصلحة الوطن، وتفهم طبيعة اللحظة الراهنة ومتطلباتها.

 

وقد فازت القائمة الوطنية بتنوعها، الذي اتسع لتواجد 12 حزبًا سياسيًا تحت قبةمجلس الشيوخ، ليرتفع إلى 15 حزبًا، بالفائزين على مقاعد الفردي، وما تضمنه الثلث المكمل بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

وفي تعيينات الرئيس عبد الفتاح السيسي لمئة عضو، حكمة، وتطبيق لفلسفة المشرع الدستوري، الذي استهدف من إسناد حق تعيين مئة، يمثلون ثلث مجلس الشيوخ، للرئيس.

 

فمن المتعارف عليه، أن من الكفاءات والخبرات النادرة، ما يتطلبه مجلس الشيوخ، تكون غير جاهزة لخوض غمار الانتخابات، وتحمل أعبائها ومناوراتها، أو فئات تحتاج دعمها لتمكينها، من المشاركة، بغية تحقيق أقصى درجات السلام الاجتماعي، بتمثيل كل فئات المجتمع.

 

وبنظرة مدققة للتعيينات، نجدها شملت بين طياتها 20 نائبة من خلفيات متنوعة، بواقع 20% من المعينين، يمثلن المرأة المصرية بتنوعها، من أساتذة جامعات، منتميات لجامعات مصر، بقطاعيها العام والأزهري، وفنانات وإعلاميات، وسيدات أعمال وأمهات شهداء، وطبيبات ونقابيات، وامرأة عاملة بالقطاع الحكومي، مصريات وطنيات مسلمات ومسيحيات، شيوخ، وجيل وسط، وشابات، معيار اختيارهن الكفاءة والتاريخ الوطني.

 

تمكين المرأة، يمتد إلى جميع المجالات، وزيرات ونائبات للمحافظين، تمثيلهن في كل المؤسسات، مجلس الشيوخ، أحدث الأمثلة المعاشة، نجد النائبات من مختلف المراحل العمرية، والفئات المهنية، ولم يقتصر اختيارهن على التعيين نائبات، أو تمثيلهن العادل في القوائم، بل انتخبت النائبة فيبي فوزي وكيلًا لمجلس الشيوخ في سابقة نادرة، تؤكد مكتسبات المرأة المصرية، في عهد دولة 30 يونيو.

 

لم يكن تمكين المرأة المصرية، إلا تفعيلًا لأحد أهم أهداف استراتيجية التنمية الشاملة 2030، فالدولة تعمل وفق خطط إصلاح شامل، ومستهدفات بخطط زمنية، وتعكس تمثيلهن في قوائم انتخابات مجلس النواب، ذلك الهدف.

 

يبقى على السيدات النائبات، كما الأحزاب، التمسك بالفرصة، والاجتهاد، لتحقيق نجاحات تعزز مكتسبات التجربة، وتعظّم من القناعات بقدرة ومهارة المرأة المصرية، ليكنّ نماذج يهتدي بهن أخريات في التنافس، في مختلف مجالات العمل العام.

 

وكما تحققت مكتسبات المرأة، فإن الشباب أيضًا لهم تواجد بارز، ومهم، في القوائم والتعيينات، شباب من الجنسين، يمثلون مع الخبرات من شيوخ الأعضاء، تلاقحًا للأجيال وتواصلًا للعمل، جيل يسلم جيلًا، حماسة وقوة الشباب مع حكمة وخبرة الأبناء والأجداد.

 

لم يقتصر القطاع الطبي، كما كان في الماضي على الأطباء، بل شملت التعيينات أساتذة طب، وصيادلة، ومثّل قطاع التمريض، في الدكتورة كوثر محمود، النقيب العام للتمريض، فيما مثّل الأطباء في الدكتورة نجوى الشافعي، وكيل نقابة الأطباء.

 

جميع الخبرات متواجدة من كل المجالات، ما يجعل من مجلس الشيوخ بيت خبرة حقيقيًا، يُقدم استشارات تُعمق من جدوى القوانين المطروحة على مجلس النواب.

 

وفي الإعلام كان التمثيل متكافئًا شاملًا، مثّلت نقابة "الصحفيين"، في أمينها العام، الزميل محمد شبانة، ونقابة "الإعلاميين"، في القائم بأعمال النقيب الزميل طارق سعدة، فضلًا على نخبة من الزملاء من صفوف الجمعية العمومية من الخبرات الصحفية، ممثلين لمختلف أنواع ملكية وسائل الإعلام، قومية وخاصة وحزبية.

 

وهي رسالة مفادها، أن الأرضية الوطنية هي الأساس، وأن التنوع هدف لإثراء الأداء بمجلس الشيوخ، فلا خلاف مع الإعلام، بقدر ما هناك هدف مرجو، وهو الإصلاح، وتعظيم القدرة الشاملة لمنظومة الإعلام المصرية، في ظل تحديات مصيرية، يلعب في سلاح الإعلام المُعادي دور المدفعية الثقيلة، التي تستهدف الوعي والوحدة الوطنية، والروح المعنوية.

 

بقدر تلك الأهداف المرجوة من نواب "الشيوخ"، تكون المسؤولية عظيمة، تبدأ بإدراكهم لدورهم، وتحدياته، ومستهدفاته، فمصر تنتظر منهم الكثير.

 

وبقدر تنوع المعارك، وجبهات القتال، كانت الخبرات في التعيينات، فهناك خبراء الاستراتيجية والأمن القومي، والخبرات العسكرية، والقانونية والقضائية، والجامعية، والنقابية، وخبرات سبق العمل لها بأجهزة سيادية، تنوع الخبرات يُعظم من قدرات تلك البوتقة الاستشارية على صهر قوانين تفي بمتطلبات التحديات الراهنة.

 

فضلًا على التنوع في تمثيل الأحزاب السياسية، ممثلًا في رؤسائها وقياداتها، "الوفد، وإرادة جيل، والتجمع، وحزب النور، وحزب السادات، وحزب مصر الحديثة، وحزب المؤتمر، وحزب الشعب الجمهوري، وحزب حماة وطن".

 

وكان لأهلنا في سيناء نسبة بتمثيلهم في المعينين، كما لنقابات "الصيادلة، والمعلمين، والمحامين، والاتحاد العام لنقابات مصر".

 

فجاء التمثيل تطبيقًا لفلسفة المشرع، معززًا لمشاركة مصر بتنوعها واتساعها وخبراتها العسكرية والمدنية، وأجيالها ومجتمعها المدني، وقواها السياسية، وهذا التنوع نموذج قدمته القيادة السياسية، لمساعدة المجلس على أداء مهامه، وفي القلب منها دعم الوحدة، والتحول الديمقراطي، وتعزيز التلاحم المجتمعي.

 

يبقى على أعضاء مجلس شيوخ مصر، أن يقدموا للوطن وشعب مصر ما يستحق، وأن يكونوا على قدر الثقة، منتخبين ومعينين، وعلى الأحزاب أن تعظّم من تواجدها بأداء نيابي راقٍ يُرسخ أقدامهم في الشارع المصري؛ لتكون قادرة في المستقبل على تعظيم التنافسية، للانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في مسيرة الإصلاح، والتحول الديمقراطي.