الأحد 19 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
المايسترو صلاح حافظ

المايسترو صلاح حافظ

صرخ: أعدّوا للثورة



فحَبَسه زعيمها و خبّأته ممثلة عن عيون العسكر!

أصدر صلاح حافظ العدد الأول من « صباح الخير » في الزنزانة، و تعلم الفرنسية على ضوء شمعة.

إن رأيت جماعة ملتفّة حول رجل، شائق السمر، و قد نَمّ حديثه الحلو عن ذكاء حاد، و ثقافة عالية، و سرعة خاطر، و ظُرف وافر… قُل و لا تتردد، هذا صلاح حافظ. هو في الصدارة من صحافيي العصر، له وزن، و أصالة في الإبداع و الخلق، و كان في رهافة حسه، و حدة شعوره، و رقة ذوقه، و ثقافته الزاخرة، أبا للنهضة الحديثة للصحافة في مصر، تخرج به جماعة حملوا القلم     و برزوا، أنبههم ذكرا عادل حمودة. ظلمته الحياة، فتحمل ضيقها، ساكنا، صبورا، و ظلّ عالي الرأس، متمردا، غير هيّاب، حر المبدأ، و الفكر و…القلم.

فتح صلاح حافظ عينيه للنور سنة ١٩٢٥، في وقت كان المصريون يفتحون عيونهم للعدد الأول من مجلة     « روز اليوسف ».

كَبِر الصبي، تربى و ترعرع في كنف عائلة على يُسر، في قرية « العقلية » بمحافظة الفيوم، والده كان رجلا مسعودا، و صاحب همة عالية، يتمتع بقدر من العلم و المعرفة، ثاقب الفكر، واسع المدارك، فنشأ صلاح في حجر والده، و عنه أخذ أوليّات العلوم، و فنون الأدب، فكان جليدًا من صغره، على القراءة، و المطالعة،والبحث، فقد كانت الكُتُب تشفي صبابة نفسه.

فَقه أفانين اللغة العربية، و ضَبَط أوابدها، و شواردها، فامتلك ناصيتها، و شَغَف، بعد ذلك، بالكتابة، و توّلع بها، ممّنيا النفس بأن يقتات خبزه من حبر قلمه، صحافيا و أديبًا.

وقد حباه الله بذاكرة حفّاظة، و عقلًا مستنيرًا، فنبه مبكرًا، فازداد إهتمام والده به، و في باله أن يدفع إبنه، متى أنهى دراسته الثانوية، الى دراسة الطب.

كَتَم صلاح ما كان ينويه و يتمناه، لم يعصِ والده، دخل كلية الطب، جلس على مقعد بجوار يوسف إدريس، لتبدأ بينهما صداقة ، إمتدت على مدار العمر، كما زامله مصطفى محمود.

يوم جاء صلاح حافظ الي المحروسة للدراسة، كان البلد محبطًا، يكسر الهمم: إحتلال مقيت، صراع بين القصر و السراي، يكشف المستور بكل خبيئة، و الناس ناس و ناس : ناس يأكلون من عرق غيرهم، لا كدّ فيه و لا عمل، تأتيهم الراحة على السِعة، و ناس يطحنهم الكدّ ، و لا يأتيهم سعيهم بالكفاف، و الفقراء أيادِ ممدودة في الشوارع… فوجد صلاح حافظ في نظام الحكم عوار، و مآسيه كانت بلا حدود.

كلما صافحت عيناه عناوين الصحف، كان يزداد تكدرا و حنقا، يغلي فيه و يفور، وازع التمرد، لا يخفي في داخله آلام ناس بلده، الذين صاروا، مثل سكان الصين القدامى، يظنون أن كل الرعيّة خُلقت من أجل أن تجرّ عربة الإمبراطور!

كانت كتابات  أناتول فرانس Anatole France الداعية للإشتراكية، لوضع حد للتفاوت الطبقي و إحقاق العدل و المساواة، و نصرة المغلوبين، المسحوقين، الذين يعيشون تيّاهين في بلدهم بين حدّ الجوع و الفقر…طريّة في ذهن صلاح حافظ، و وجد نفرا من أترابه في الجامعة، على هوى  كارل ماركس و جورج  فيلهلم فردريش هيجل. قرأ حتى الثمالة، و تشبّع من فكر الرجلين، فكأنه بهما قد وجد شعاعا في طيّات العتمة، و أصبحت الشيوعية، كحركة نضال، لنصرة الغالبة، البارقة، الحارقة، المفارقة في حياة صلاح، فإعتنق الفكر الماركسي، إنضوى في جماعة « حدتو » الشيوعية، و إتخذ من كلمة  « دبوس » إسما حركيا.

و وخز « دبوس »، في كلماته، يؤلم، يوجع، و لكنه أبدا لا يدمي.

في جريدة « المسائية » التي كان يرأس تحريرها كامل الشناوي، كتب صلاح حافظ قصصًا قصيرة، ثم مشى قلمه على صفحات جريدة « النداء »، التي كان ينشرها ياسين سراج الدين، و عندما أصدر مجلة « القصة » طلب من صلاح أن يترأس تحريرها ، و يُشرف عليها إشرافًا كاملا.

و كانت له مقالات سياسية كشفت ما يمور تحت قلمه، من بهاء، و سماء، و نقمة، و غضب، و ثورة ،و حياة، فبلغ في فن كتابة المقالة السياسية  القدح المعّلى.

و كانت لكلماته عنين السوط، لاذعة بحق الملك فاروق و الحاشية، و نظام حكمه رُمَّة. و كان صلاح  قد أخطا، ناقما، رافضا، و لكنه لم ينحرف في كل ما كتب و نُشر عن الجدل المنطقي، و الشواهد المدافعة، الى الشتم و السباب و الكلام المبتذل.

و في تلك المقالات، كان صوتًا صارخًا، أن أعِّدوا للثورة، قبل حتى أن يفكر « الضباط الاحرار » بها، و حدث أن إعترف جمال عبد الناصر، قبل أن يعزل محمد نجيب و يتنسم الحكم مكانه، بأن مقالات صلاح  حافظ كانت الحافز، و المساعد، على تقبل الناس لفكرة الثورة و الإطاحة بالملكية، و عندما هدرت الدبابات في شوارع المحروسة، كانت الناس مهيأة لتقبلها ، و تفهمها، و مناصرتها.

و على الرغم من هذا الاعتراف، و الإقرار، سَجَن جمال عبد الناصر « القلم الثائر »!

و عندما قصده عدد من الصحافيين و الكتّاب، طالبين منه عتق صلاح حافظ من الأسر ، مذكرين « الريّس » بكتابات صلاح الداعية للثورة قبل ثورة ٢٣  يوليو ١٩٥٢ ، أجابهم عبد الناصر:

« الله، مالكو إنتو، صلاح ده ابني… و أنا بربيه »!

كان بعد في كلية الطب، في سنوات الدراسة الأخيرة، عندما بدأ في عيادة الدكتور إبراهيم ناجي، المران على تطبيق ما درسه نظريًا.

إبتهج الى أغوار قلبه لما رآها، كانت هدى زكي ( إبنة زكي إبراهيم، الممثل السينمائي الذي قدم للمسرح، عدا التمثيل على خشباته، مسرحيات إقتبسها و أخرى كتبها، إحداها « شيخ البلد » سنة١٩٥٢) تعمل سكرتيرة في عيادة الدكتور ناجي، و تتّحضر لدخول الفن صنو والدها.

دار بينهما كلام مغزول على نول الوله و الهيام، أحبها و أحبته، تواعدا على الزواج، وجدها تجاريه بتفكيره السياسي، متقبلة لإعتناق أفكاره اليسارية، فتزوجا.

 

و حدث أن فتح لها الحظ أبوابه، فوقفت أمام الكاميرا في إستوديوهات السينما و إستوديوهات التليفزيون و على خشبة المسرح، و أصبحت ملء السمع و البصر. و إكتملت سعادتهما بالإنجاب، فكان بِكرِهما شريف.

كانت هدى حبلى بالمولود الثاني، عندما بدأ جمال عبد الناصر يشنّ حملة على اليسار، و حركاته، و أحزابه،   و إزور  نظره نحو حركة « حدتو »، فنظر اليها نظرة تحسب و خشية، و أمر باعتقال الناشطين فيها، و على لائحة المطلوبين كان صلاح حافظ و زوجته الممثلة هدى زكي.

لجأت هدى الى تحية كاريوكا التي كانت ، وقتذاك، على ذِمّة المقدّم الطبيب حسن حسين، ففتحت لها باب بيتها، و أوتها و زوجها و إبنها، فأصبحت العائلة الصغيرة في مأمن من عيون العسكر المترصدة، و بحماية المقدّم الطبيب. و أزف زمن الوضع، فتركت هدى منزل تحية كاريوكا الى إحدى المستشفيات، لتضع مولودها، بينما لجأ صلاح الى أحد معارفه، فأخفاه عن العيون.

وحده كان يوسف إدريس، يعرف مكث صلاح، فكان همزة الوصل بينه و بين هدى، فأوصاه، بعدما عرف، أن المولود الجديد أنثى، أن تسميها تحية تيمنًا بتحية كاريوكا، حفظا للجميل و عرفانًا، فكان له ما أراد. و أصبحت الإبنة تحية ممثلة، لكن لم يطل مشوارها الفني، فاعتزلت ، و إبتعدت عن الأضواء.

لم يستطع صلاح أن يتوارى أكثر من ذلك، فما تعوّد الإختباء في العتمة، و ما ألَفَ الصمت و السكون و الإستكانة، فلطالما أُثير حوله الضجيج، و أُرهِف السمع لآرائه الجريئة.

وكان أن أُلقي القبض عليه سنة ١٩٥٤، و سيق مخفورا الى السجن، و وقف بعدها أمام قوس المحكمة، ينتظر الحكم. 

في جلسة النطق بالحكم، إنتصب صلاح في قفص الاتهام، رفع صوته عاليا، جهورا و نبرة، هي خليط من  الحنق و السخرية، قال  للقاضي، ليسمع جمال عبد الناصر، قبل غيره:

« طلّع القرار الجاهز … طلّع قرار السجن من جيبك ».

و القرار الجاهز قضِى بحبسه ثماني سنوات.

في زنزانة عتمة في معتقل « الواحات »، أقفلوا الباب عليه، قضوا على حريته، لكنهم لم يقضوا على عنفوانه، و كِبره، و إعتداده بنفسه، و لم يتمكنوا من إطفاء جذوة الإبداع و الخلق المشتعلة في داخله. 

حول حائط الزنزانة الى مجلة حائط، يكتب عليها  خطرات باله. و عندما سَرَبت له هدى ورقًا و أقلاما ملونة، صمّم مجلة « صباح الخير »، التي كانت الست فاطمة اليوسف قد حكته عنها، و طلبت منه أن يضع تصورًا لها على الورق .

في سكون الزنزانة، راح صلاح يضع على الورق، ما إمتلك من قدرات إبداعية، و خرجت من تحت سن قلمه مجلة شبابية، تضرب عرض الحائط القوالب الصحافية المعروفة.

و صدر عدد « صباح الخير »، الأول من الزنزانة، و بعدما قرأها السجناء معه، سربها الى خارج السجن، فنامت في درج الست فاطمة، نيف من سنتين، الى أن رأت النور بإشراف أحمد بهاء الدين.

و إذا كان نهار السجن يطول، و ليله موحش أليم، فنهارات صلاح حافظ كانت ساعات للكتابة، و التأليف،و الإبداع ، بالحرف و الكلمة: فكتب رواية « المتمردون »، و أتبعها برواية « القطار »، و للمسرح، الذي يعشق، كتب مسرحية « الخير »، و أختها « الحل الأخير »، ثم أدار صرير قلمه على فن القصة القصيرة، فترك مجموعتين: « أيام القلق »، و « الولد الذي جعلنا لا ندفع ».

و كل عشية، بعدما تُطفأ الأنوار في السجن، كان صلاح يشعل شمعة في ركنه، و يسهر الليل بطوله، في دراسة اللغة الفرنسية، التي كان يعرف، قبل السجن، بعض أصولها، في كتب سربتها له هدى، بوساطة أحد الخفراء.

فأتقن لغة فولتير، أجادها، نطقًا  و كتابة، و عكف على ترجمة بعض أعمال مونتسكيو ، و أناتول فرانس… و تقطعت السنوات، سنة ميتة وأخرى مولودة، و مضى العمر يمشي على وجه السجين، يترك آثار الهمّ و الضنك.   و يُعتق من الأسر، و من الزواج أيضا، فهدى التي وقفت الى جانبه في محنته، أدركها التعب، فطلبت الطلاق،و كان لها ما أرادت، و بقيت قريبة منه، صديقة و رفيقة، و ظل هو يحفظ لها الود و العرفان.

بعد الطلاق من هدى، أقام فترة من الزمن في منزل الأخوين كامل و مأمون الشناوي، فكانت له علاقة مع معالي إبنة مأمون، تكللت بالزواج، إلا أن الوفق بين الحبيبين لم يدُم طويلا، فتراضيا على الفراق.

في « أخبار اليوم »، إلتقى المرأة الثالثة في حياته، التي كانت حبه الأخير، و على صدرها أرخى رأسه و أسلم الروح.

كانت هالة الحفناوي، صحافية مبرزة، لها إجادات، إنصرفت الى كتابة الرواية، و برهنت فيما أعطته، عن حس مُرهف، و أسلوب ناصع البيان مشرق العبارة، و بعض رواياتها حُوّلت الى شرائط سينمائية، أهمها: 

« الرجل يحب مرتين »، « سبع وجوه للمرأة »، « لن اخلع ثوبي »، « دستور يا سيادي »، « روعة الحب »،  « أطول رسالة عشق »، «هزيمتي أنا ».

 

لم ينقطع حبل الود بيني و بين صلاح حافظ، حتى خلال سنوات غربتي الاولى في بيروت، فقد كان صلاح مولع بالعاصمة اللبنانية، يزورني، و يمضي مع زوجته هالة، العاشقة هي الأخرى لبيروت و لياليها،  و أسواقها، من « سوق الطويلة »، الى« شارع الحمراء »، المشكوكة بمحلات الألبسة المشهورة، التي كانت تفتن هالة و تبهرها.

كان صلاح نهما لإقتناء آخر إصدارات دور النشر في بيروت، التي كان يبلغ تعدادها ٧٠٠ دار نشر. فبيروت، في ذياك الزمن، كانت تتصدر النشر في العالم العربي، و كانت تسمى « بيروت مطبعة العرب »، و في السبعينات من القرن العشرين، قال عنها الدكتور لويس عوض:

 « مصر تكتب، و بيروت تطبع، و العراق يقرأ ».

ولع صلاح بمقاهي الأرصفة في « شارع الحمراء »لا حد له، « هورس شو» كان أفضلها عنده، ثم « إتوال »، و يبقى  مطعم « فيصل » في « شارع بلس » على مقربة  من الجامعة الأمريكية، وكر اليسار و العروبيين، الموئل الرحب.

 و مع دوشة الغياب، كان يحلو لصلاح أن نمشي على كورنيش الروشة، و يبدأ يجدل الحديث، و يدور لسانه على قضايا الثقافة و السياسة، و لا نرتاح إلا في « دولتشي فيتا »، المطل على صخرة الروشة الأثرية.

و تواعدنا على اللقاء، متى عاد الى بيروت، فحنينه لها لا يبعده عنها كثيرا.

 

لم يمض الشهر على سفر صلاح الى القاهرة، حتى إشتعلت « حرب الآخرين »، كما سماها غسّان تويني، في لبنان، و ما لبث ان إشتد أوار القتال و معه القصف الصاروخي العشوائي على بيروت، فأصابت شقتي قذيفة طائشة، تائهة، في الليل المدلهم، فقررت الرحيل، و العودة الى القاهرة.

كانت الدرب الى مطار بيروت محفوفة بالمخاطر، فان لم يصبك القناصون بمقتل، أصابتك القذائف، أو خطفتك عناصر حاجز طيار، يجمع الناس و يُصفيهم على حسب الهوية!

أشار عليّ الأصحاب ان ألجأ الى البحر، و أستسلم لواحدة من مراكب الشحن، التي كانت تبحر من ميناء صور الى ميناء الإسكندرية، (لي عودة الى تلك الرحلة - المغامرة، عند الحديث عن غربتي الأولى الى لبنان).

و عدنا الى القاهرة المحروسة، و الى مكتبي في « روز اليوسف»، فبرزت في وجهنا، زوجتي و أنا، مشكلة مدرسة الأولاد، فخلافا لبيروت التي تعج بمدارس اللغات، لا يوجد في القاهرة سوى مدرستين: « مانور هاوس »، في منطقة الزمالك، تتولاها ماري سلامة، مربية فاضلة، خبيرة، و مُجرِبة، كانت تشترط قبل إنتساب التلاميذ الى مدرستها، أن تتعرف إلي الوالدين ، ثم من يحوطهما من معارف و أنسباء و أصدقاء ، إضافة الي خطابات ترشيح من شخصيات إعتبارية  - كضامن أو كفيل – و هو بند واضح في إستمارة الالتحاق ، فأرفقت بطلب الالتحاق خطاب تزكية من سفير أثيوبيا في مصر ، السفير ملس عندوم و كان صديقا لها و أحد تلاميذ والد زوجتي رحمهما الله ، و قوبل الطلب بالإعتذار لعدم وجود أماكن ، و لم تبقَ امامي إلا " فيكتوريا كوليج " في منطقة المعادي. 

في حيرتي ألقيت بمشكلتي لدمث الخلق ، الخلوق ، المتفائل دائماً رغم كل ما مرّ به في حياته من صعوبات ، إبتسم صلاح حافظ و طمأنني بأن لديه ملف علي مكتبه بوثائق تدين وزير التربية و التعليم في وزارة السادات الثانية مصطفي كمال حلمي بدأ في نشرها عن تدهور التعليم في مصر، فقد تدهور التعليم في عصر السادات، و قلّت الكفاءة في التعليم ، و نتيجة القصور في بناء المدارس ظهرت المدارس علي فترتين أو ثلاث فترات و تفشت ظاهرة الدروس الخصوصية. كانت مشاكل التعليم أحد هموم صلاح حافظ و القضايا التي تشغله و تؤرقه ، و يحملها علي عاتقه .

في دقائق إتصل صلاح حافظ بمعالي الوزير الذي أجاب عليه فوراً،  و هو أمر نادر الحدوث أن يُجيب الوزير علي رئيس التحرير في التو و الساعة . طلب الوزير من صلاح أن أذهب اليه فوراً و توجهت الي مكتبه و هو علي بعد خطوات من روز اليوسف لأجد في إنتظاري خطاب توصية موّجه للسيدة نعمات فؤاد مديرة الكلية ، فحملته اليها، لتفاجئني بسؤال:

            - أنت روحت للوزير؟              ° أيوة يا فندم !             - بس أنا ماعنديش أماكن!              °  طيب أحجز للعام القادم ؟!              - و السنة دي ؟             °  هارسلهم لندن عند إخواتي المقيمين هناك حتي يتوفر مكان لهم العام القادم باذن الله.            - خليهم هناك علي طول.. 

و حسم مشكلتي قرار عبد الرحمن الشرقاوي بتعييني مديرا  لمكتب روز اليوسف بالعاصمة البريطانية . 

تقلّب صلاح على الشقاء و التعب، مكتوب عليه أن تكون له وقفات ملتصقة بالناس، و أن يحمل النضال السياسي على شق الفكر و القلم. مناضل ما تمت له الهناءة إلا بالأحلى، و الأكثر هناءة  لمواطنيه.

وضع السجن على عمر صلاح حافظ سنوات، و خرج من  عتمته الى نور الحرية، منهك القوى، مهدودا. تَعِب جسده و وَهَن، و لم تهُن عزيمته و لم تفتر، ظل وثّابا، غير هيّاب، يمتشق قلمه في وجه الزمن المناكد، لا يهي و لا يني عن الجهاد في سبيل الحق… 

نزل الى  شوارع الناس الطيبين، المألومين، المأزومين، عايشهم، تحسس مشاكلهم، وضع أصبعه على جراحهم  و معاناتهم، ، في المصانع، في الغيطان، في الحواري المحرومة من كرامة العيش، حمل أصوات الغلابة، حوّلَها الى  كلمات، و هو ما أخرج الى الناس حرفا، إلا أودعه نقطة من دم قلبه.

ظنّ كثيرون إنه سيُكيل مقامات الهجاء لجمال عبد الناصر الذي أودعه السجن، و حَرَمه من الحرية ثماني سنوات، طويلة، قاسية، مضنية، إلا أن صلاح حافظ لا يطوي صدره على مُقتِ، و لا على حقد، و ما عَرَف البغض و الكراهية.

في عموده الإسبوعي « إنتصار الحياة »، الذي كان لؤلؤة في تاج « روز اليوسف »، إن في المضمون المتميز، أم في أسلوبه الذي فيه صِحة اللغة، و عافية العبارة، و رشاقة السياقة، مع غِنى وافر في الملاحظة الدقيقة، يدل على كاتب متبصر، تحنّك، بعدما تمرغ في الحياة ظهرا لبطن، و عَرَكته السياسة فعاركها عقودًا، فعرف حقائق الأمور  و ما يُقال و ما لا يُقال.

في « إنتصار الحياة »، دافع عن « سجّانه » جمال عبد الناصر ، فكتب سنة ١٩٧٥ ضد الحملة الشرسة على الحقبة الناصرية :

« أطلقوا ألسنتهم فيه علي إعتبار أنه كان سبب الهزيمة ، بينما السادات سبب النصر ، و بعد أن كانوا يهاجمونه ضمناً في حملتهم علي مراكز القوي أصبحوا يهاجمونه شخصاً ، و عيناً ، و تاريخاً ، و إنجازات ،و أصبح في قفص الاتهام كل شئ قاله أو فعله ، و تدّفقت كُتُب و مقالات تعفي الإستعمار و إسرائيل من مسؤولية تخريب مصر ، و تُلقيها علي عاتق الإصلاح الزراعي ، و السد العالي ، و محاربة الإستعمار ،و التطور الصناعي ، و التحول الإشتراكي إلي آخر هذه الجرائم الفادحة" .

و قد إعتبر صلاح حافظ  أن وراء الحملة الشرسة تلك، يقف الإسلاميون الذين يتسترون وراء السياسة لضرب إرث جمال عبد الناصر، و تقويض دعائم النظام الذي أرساه « الضباط الاحرار » سنة ١٩٥٢، و ليس أدّل على ذلك، من دعوة أقطاب جماعة الإخوان المسلمين من منفاهم، و التصالح معهم. و كان التمهيد للهجمة الإخوانية واضح للعيان، و لمن له عينان مبصرتان ، و قرأ العبارة المشهورة " أعداء النظام ثلاث: الشيوعيون ، الناصريون و الأقباط " التي أطلقها محافظ أسيوط السابق محمد عثمان اسماعيل الذي شرع في تأسيس " الجماعة الاسلامية " بالجامعات المصرية لمواجهة الطلاب اليساريين. و وفرّت اللعبة الخطرة بيئة سلبية إحتضنت الفتنة و زكّت نيرانها، داهمت المصريين إلي أن تمددت ، و أفضت تداعياتها الي إغتيال السادات نفسه في حادث المنصة الدموي.

 

بعد أسابيع قليلة من تعيينه رئيسا لتحرير « روز اليوسف » بالمشاركة مع صديق عمره فتحي غانم، و تحت إشراف عبد الرحمن الشرقاوي، إرتفع توزيع المجلة الى مئة ألف نسخة أسبوعيًا.

و كانت لمعارك صلاح الصحافية مع التيارات السياسية، و خصوصا مع موسى صبري، صديقه اللدود، و محمد حسنين هيكل، طنطنة و دوّي، تناقلها كل من يتحرك في فمه لسان.

ففي مقال عنوّنه صلاح : « سادات هيكل و سادات موسى »، شقّ مشي القلم في المقارنة بين « خريف الغضب » لمحمد حسنين هيكل، و « السادات بين الأسطورة و الحقيقة »، و كان في ما كتب  يُقلب كلامه فوق البراهين و الحجج.

و بينما أصاب موسى صبري من لواذع نقده الشيء الكثير، أخذ على محمد حسنين هيكل، إلتصاقه، و قُربه الشديد بجمال عبد الناصر، ثم خصومته الشديدة لأنور السادات، و قد أعمته تلك الخصومة، فأوغل في التجّني و تمادى في الحقد الأسود ، فوصف صلاح كتاب « خريف الغضب » بأنه في الحقيقة « خريف الغلّ ».

           

 

 

    و لطالما ردّد صلاح حافظ أمامي خلال أحاديثنا الطويلة، عبارة سعد زغلول التي ذهبت مثلا: « مفيش فايدة ». كان صلاح يعتبر إننا ما دُمنا نُحب التماهي مع الزعيم… أي زعيم، و ما دُمنا نهتف، و نصفق، و نعشق، و نغني، و نمدح البطل الواحد، و الزعيم الواحد… لن تقوم لنا قائمة، و… « مفيش فايدة ».

كما كان يُردّد، و يقول، و يكتب.

لم يَسلم صلاح نفسه من هجوم اليمين و لا هجوم اليسار ، فاليمين هاجمه بضراوة لأنه في عيونهم شيوعي خطير و يساري مغامر و ماركسي منذ مولده .. و هاجمه اليسار بشراسة أيضاً لأنه في نظرهم يساري حكومي و ماركسي مرتد ، و يساريته من قبيل الديكور و الوجاهة السياسية .

و كان رد صلاح علي هذا الهجوم " يكفي أن تؤدي مهمتك بإخلاص و حماس ، و أن تُعّبِر عما في ضميرك دون زيف لكي يكون لك دور في صياغة المستقبل ، سواء كنت زعيمًا أو رئيس تحرير أو أديبًا أو مجرد ريشة تصحح أخطاء الآخرين . "

ما كاد الدكتور عبد المنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية و الاقتصادية، ينهي خطابه في مجلس الشعب، الذي أعلن فيه عن إجراءات تقشفية، لتخفيض العجز في الموازنة العامة، بغية تدبير أموال إضافية، ترضي صندوق النقد و البنك الدوليين، حتى زأر الشعب. 

 

خرج الناس الى الشوارع يومي ١٨و١٩ يناير سنة ١٩٧٧، حدث فيهما و منهما ما حدث، و كان ما كان.

و بينما طلب أنور السادات من رؤساء تحرير الصحف، الذين كان عيّنهم بقرار جمهوري، أن يصفوا  التظاهرات التي وقعت فيها أعمال شغب، أنها « إنتفاضة الحرامية »، رفض صلاح حافظ و فتحي غانم هذا التوصيف للنقمة الشعبية المُحِقة، و دَعَم عبد الرحمن الشرقاوي، رئيس مجلس إدارة « روز اليوسف »، رفضهما و قدم إستقالته، فتم  إقالة حافظ و غانم من رئاسة التحرير!

في مقال : « صلاح حافظ…سيّد المقال »، الذي نَشَرته لها جريدة « الأهرام »، أخبرتنا سناء البيسي ما حدث  و دار في اجتماع أنور السادات مع الصحافيين و رؤساء التحرير، ممن سمع عمن حضر ذلك الاجتماع التاريخي: « وجه السادات الى صلاح حافظ سؤالا حول أحداث 18/ 19 يناير قائلاً .. ما رأيك يا صلاح هيا إنتفاضة شعبية و لا إنتفاضة حرامية؟ فأجاب صلاح و هو يحتفظ بابتسامته .. أن هناك عوامل موضوعية أدّت الي الإنتفاضة ، و أن دخول العابثين في صفوفها لا يعني أنها إنتفاضة حرامية.

فرد عليه السادات : ( يعني يا صلاح " الدوجما " اللي في دماغك زي ما هي ، طب أنا كنت هختارك رئيس تحرير لروز اليوسف، خلّيك بقي المرة دي)، و عبد العزيز خميس هيكون رئيس التحرير .

 

و قد عيّن السادات عبد العزيز خميس رئيساً لمجلس الادارة و رئيساً لتحرير روز اليوسف بعد أن خَلَف مرسي الشافعي الوافد من دار الهلال . عبد العزيز خميس عُين أولا مديراً لتحرير روز اليوسف و صباح الخير ، ثم ورث إدارة المؤسسة بعد وفاة مرسي الشافعي بعد أقل من عامين علي تعيينه. لم يكن لخميس علاقة بالإعلام أو الإدارة أو أي شئ غير أنه هاوي كتابة شعر ، و كان رفيق السادات في قضية مقتل أمين عثمان. و قد عبّر محمود السعدني عن قرار تعيينه أثناء غربته خارج مصر بقوله :

" هذا العهد الخسيس .. الذي عُين فيه خميس " 

و لدي قصة مع الأستاذ عبد العزيز خميس سامحه الله و غفر له ، ففي عام 1980 تلقيت خطاباً بالبريد العادي موجهاً لمدير مكتب روز اليوسف - 320 شارع ريجينت ستريت - لندن ، و مؤرخ بتاريخ إسبوعين سابقين لتاريخ الإستلام يطلب فيه غلق مكتب روز اليوسف في لندن فوراً ، و عودتي للقاهرة خلال خمسة أيام من تاريخ الخطاب و إلا أعتبرت نفسي مفصولاً ، دون مراعاة للإجراءات و الوقت الذي يستغرقه إنهاء عقد إيجار المكتب ، و ابلاغ الجهات البريطانية الرسمية ، و شركات الإعلان ، و كل ماله علاقة بهذا القرار المفاجئ ، و الهدم لجهد بُذل في التعريف بروز اليوسف في المحافل الإعلامية ، و تصحيح الصورة التي لحقت بها كمؤسسة إعتبرت أنها شيوعية ، و دون مراعاة الظروف الأسرية للمسؤول عن إدارة المكتب في لندن. 

كانت فترة توّلي الشافعي و خميس للدار العريقة مرحلة باهتة ، لم يضيفا شيئاً، و هبطا بتوزيع مطبوعات الدار للحضيض ، حتي أنقذها تلاميذ و أبناء صلاح حافظ و جيل الشباب . لم يسقط القلم من يد صلاح حافظ، و لا خبا إبداعه، ظلّ متألقا،  فأسهم في تأسيس العديد من الصحف و المجلات بدأها بمجلة الشرقية، المجلة النسائية الأنيقة التي كانت تصدرها سميرة خاشقجي طليقة المليونير المصري محمد الفايد، الذي كان يملك محلات هارودز الشهيرة في لندن، و المجلة يمولها شقيقها الملياردير عدنان خاشقجي. كانت سميرة روائية توقع قصصها تحت لقب (سميرة بنت الجزيرة العربية). كما أسهم صلاح في تأسيس جريدة " العالم اليوم " التي صدرت عن مؤسسة " الصحفيون المتحدون "، و دَعَم بشدة مجلة " نصف الدنيا".   

 

 

في مارس " آذار " عام 1992 ، ترجّل الفارس و سقط القلم من يد صلاح و هو يكتب مقاله الاسبوعي بجريدة أخبار اليوم بعد أن أصيب بورم سرطاني، فأجريت له جراحة عاجلة في مصر، سافر بعدها الي مركز أبحاث في السويد يجري تجارب لعلاج جديد، تحمل مخاطر التجربة لهذا العلاج فكتب إقراراً باستعداده أن يجربه، فقد يكون سبباً لشفاء الكثيرين من المرض بعده .

و هناك قرر الرحيل بعد أن إستكمل رسالته و أدي كل ماعليه تجاه أهله و وطنه ، تاركاً ميراث كبير في الصحافة و السياسة و الأدب و مدرسة صحافية يُقتدي بها .