الثلاثاء 20 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الداعية والولد الشقي والراهب ! 2-2

الداعية والولد الشقي والراهب ! 2-2

   الولد الشقي و الراهب !



 

  لا تتلاقى الشفاه، على لفظ اسمه، حتى تنفرج أسارير، و يقال على الفور : "محمود السعدني نادرة وقته". ذكاء حاد على طرافة عزّ نظيرها، هادىء، جامح، غاضب، صاخب، صوت عال، لسان طليق سليط، قلم لاذع، فيه صحّة اللغة و عافيتها، يهزه  غير هيّاب في وجه الكبار، و يترجم للناس العاديين أفراحهم، أحزانهم، مشاكلهم… تلك غرائزه و مَلَكاته.

 

إبن بلد حقيقي متشبع بعادات و تقاليد الحارة المصرية من الرجولة و الشهامة ، و الصلابة و الذكاء و خفة الدم.   أُدير عيني في الصحافة المصرية، فلا أرى، بعد إبراهيم عبدالقادر المازني، مثل محمود السعدني، ترجح كفة نثره    و تشيل كفة ظرفه.

 

و لا أعرف شبيهًا لمحمود السعدني في الغمز و تنميق الألفاظ و دِقّة المعاني، إلى براعة في وضع الأشياء في موضعها الصحيح، في مقامات الكلام و الرأي، ليس لها، في كل ما نقرأ هذه الأيام، أي مثيل.

 

أسلوب طَلِق، فيه حلاوة روح، و خفة دم، فالنكتة في كتابات محمود السعدني تمضي سلسة ضاحكة على نفسها، قبل أن يضحك لها من يقرأها، و هو في ذلك كله، لم ينسج على منوال الكُتاب الذين سبقوه الى الأدب الهزلي الساخر،   و لم يسبقه، بالتالي، أحد الى النهج الذي سار عليه، و لم يأتِ من بعده مثله.

 

عوامل عدة كوّنت شخصية محمود عثمان إبراهيم السعدني، من قرية « القرينين»، (مركز الباجور، محافظة المنوفية)، الى « الجيزة »، مشوار عُمر، وكدّ على الذات، جَلَد على القراءة و الإطّلاع، فتعلم على نفسه، و حفظه الكثير من سور القرآن الكريم و هو طفل صغير في التعليم الإلزامي صنع أسلوبه البليغ ، و حُجته القوية ، و جعله يمتلك المفردات و الكلمات المعبرة ، كما قال فتحي غانم عنه.

 

عشق حواري « الجيزة » و حورياتها، و كان من جُلاس مقاهيها، يرقب الناس، يطبع ملامحهم في ذهنه، يتعلم الفراسة، ثم يعود يصوّر ما  يري و يعاين و يسمع بالأحرف و الكلام و الأسطر.

 

في مذكراته كتب إن الله خَلَقه صحافيا، يشم رائحة الورد بين آلات الطباعة، و في عروقه يجري حبر أحمر،  و أنه سيبقى صحافيا، و يموت صحافيا، و سيبعث يوم القيامة في كشف نقابة الصحافيين! و «الولد الشقي» إعتبر نفسه الإبن البار للشاعر بيوم التونسي، و أنه غَرَف من مَعين كامل الشناوي، و محمد التابعي، و مأمون الشناوي، و زكريا الحجّاوي.

 

مشى وراء « الوفد » و نادى به طويلا. لكن سنة ١٩٦٤ مال  الى النقيض، و إنتهى من غُلاة الناصرية.

 

بدأ سعيه في أرض الله مع خروجه من منزله في الجيزة في الثامنة عشر من عمره يسعي خلف الرسام "طوغان " بقلم حبره، و دفتر فيه بعض الأزجال ، و في " دكان " كان يوماً إسطبلًا للحمير، بدأ السعدني أولي تجاربه الصحافية كمحرر في مجلة " الضباب " لصاحبها عامل الطباعة " كامل خليفة " الذي إستخرج رُخصة صحافية ، و إكتفي بالنصب تحت مظلة الصحافة، و تم القبض عليه بتهمة النصب، نسفت " الضباب " الصورة الذهنية التي رسمها السعدني للصحافة، و إنتقل بعدها الي مجلة " نداء الوطن "، و إصطدم بصاحبها ، فتوجه مع صديقه " طوغان " الي " الكشكول " ، و إستمر فيها ثلاثة أشهر نشر خلالها أزجالاً و مقالات ثم أُغلقت.

 

و تنقل بين العديد من المجلات " الوادي " ، " واحدة و نص " التي ترأس تحريرها كامل الشناوي الذي أصبح محرراً فيها براتب ستة جنيهات، و مجلة " "الميزان " التي أصدرها صديقه زكريا الحجاوي، ثم إنتقل لمجلة " الأسبوع " التي كان يصدرها جلال الحمامصي، ثم مجلة " مسامرات الجيب "، و إلتقي فيها بصديقه الكاتب " محمد عودة " و إنتهت التجربة كالعادة بإفلاس المجلة.

 

و أطاحت الثورة بالملك، و المملكة صارت سنة ١٩٥٢ جمهورية، فحمل محمود السعدني قلمه و إندار يكتب في مجلات عدة في « دار الهلال »، منها « النداء »، مندوبا لها في القيادة العامة، و غطّى ما دار في  مدينة السويس خلال المعارك فيها و حولها و حواليها، إلا أنه فُصِل من المجلة، فعاد يحمل قلمه و يدور متنقلا بين الصحف       و المجلات، منها « الجمهور المصري »، و بعدها « القاهرة »،حيث نشر أولى قصصه، و وجد في  « صوت الشرق »، وضعا أفضل فانتقل يكتب فيها، و صَدَر له ، وقتذاك، كتاب «  السماء السوداء » و عندما صدرت      « التحرير » لتكون لسان حال مجلس قيادة الثورة، إنضم إليها، و كتب و تدرج الى أن أصبح مديرا لتحريرها.  

 

 

السعدني مع الرئيس عبد الناصر  و مع الرئيس صدام حسين  و مع الأديب نجيب محفوظ   و مع أخيه صلاح و إبنه أكرم

 

و كان أن صَدَرت جريدة « الجمهورية »، التي ترأس مجلس إدارتها أنور السادات. كان أول ما قام به كامل الشناوي، بوصفه رئيسا للتحرير، أن طلب انضمام محمود السعدني إلى جهاز التحرير، ولم تمانع القيادة السياسية، و لم يُكّذِب السعدني خبرًا، سن قلمه و نزل به على الورق، يكتب و يجيد و يلفت الأنظار اليه.

 

 في شتاء سنة ١٩٥٧، و لم يكن قد مضى عليه كثير وقت في الجريدة ، أوفده كامل الشناوي مراسلا في العاصمة السورية، لتبدأ رحلة، وصفها الولد الشقي ، انها « رحلة الضنى والعذاب ».

 

دمشق ، زمنذاك، كانت واحة الديموقراطية و الحرية ، و حلبة الآراء المتصارعة في العالم العربي.

 

حكي محمود السعدني عن تجربته في سوريا وقصة إلتحاقه بروز اليوسف في كتابه " الطريق الي زمش"، فقد عمل فترة بسوريا بجريدة يومية منتشرة هي جريدة " النور " التي عمل بها أربعة أشهر وقت توقيع إتفاقية الوحدة بين مصر و سوريا ، و كانت الصحف السورية بعدد شعر الرأس و كل منها يُعبر عن إتجاه ، فهناك حزب البعث القديم بقيادته الثلاثية عفلق ، البيطار ، الحوراني ، الحزب الوطني، و حزب الشعب ، و الي جانب هؤلاء يوجد الناصريون        و اليمينيون و الذين علي الحياد.

 

و في الحكم، كان هناك الجيش السوري بفرَقِه المختلفة من حزب البعث و الناصريين و فرق أخري مجهولة الهوية أحياناً ، و الشيوعيين .

 

إستهوته الحياة في سوريا ، و إمتدت إقامته من نوفمبر 1957 الي فبراير 1958 ، و خرج منها بصديق هو أكرم الحوراني رئيس المجلس النيابي، شهد علي موافقة المجلس النيابي بالإجماع علي قيام الوحدة بين مصر   و سوريا ، و عندها عمّت الفرحة سوريا من أقصاها الي أقصاها و نام الشعب السوري في الشوارع و رقص الجميع الدبكة،      و إنطلقت الصواريخ في السماء و تعطّلت جميع المصالح و المؤسسات لمدة اسبوع ، و عاشت سوريا كلها في عيدها الأكبر.  

 

  تلقي السعدني برقية من جريدة الجمهورية تدعوه للعودة للقاهرة بعد أن طلب منه قادة الشيوعين العراقيين المقيمين في دمشق أن يحمل رسالة لتوصيلها الي الرئيس عبد الناصر، وفي براءة حَمَل الرسالة و عاد بها للقاهرة ،  و كان أول من إلتقي بهم الرئيس أنور السادات رئيس تحرير الجمهورية وقتئذ، و هو المسؤول الوحيد من رجال الثورة الذي يعرفه، كما أنه رئيسه المباشر، أعطاه الرسالة التي جاء بها من دمشق ليوصلها للرئيس عبد الناصر، و جلس السعدني معه ليحكي له عما شاهده في دمشق وعن آخر التطورات هناك، و كما تصّور الشيوعيون العراقيون الذين يقيمون في دمشق أنه من كبار الشيوعيين في العالم العربي، و إلا فلماذا إختاروه دون بقية خلق الله لكي يحمل الرسالة.

 

ذهب السعدني في أول الشهر الي خزينة جريدة الجمهورية لتسلم راتبه، و لكن مسؤول الخزينة قدم له خطاب فصل من الجريدة.

 

جلس السعدني في منزله يفكر في النهاية التي إنتهي اليها بعد عمل مخلص دؤوب لمدة خمس سنوات في جريدة الجمهورية تولي فيه أمر القسم الداخلي لفترة و المحرر المقيم بدمشق فترة،  و الأسباب التي أدت الي فصله بلا مقدمات !؟

 

و بعد شهر من فصله من جريدة الجمهورية،  إتصل به كامل الشناوي و طلب منه الذهاب الي الأستاذ إحسان عبد القدوس في روز اليوسف ، و قابل الأستاذ إحسان الذي عرض عليه العمل كسكرتير تحرير لروز اليوسف  و وافق علي الفور .

 

ينتقل محمود السعدني الي « صباح الخير »، كاتب بلا مكتب، يجلس في « أتيليه» جمال كامل، و في أحايين قليلة في مكتب لويس جريس. و لم يُخصص له مكتب إلا عندما ترّأس تحرير « صباح الخير» سنة ١٩٦٨ بالمشاركة مع  راهب الصحافة لويس جريس.

 

كنت أتسلم من السعدني كل يوم أحد زاويته الاسبوعية " هذا الرجل "، زواية يتابعها كل محبي القراءة في المحروسة  و عالمنا العربي.  زاوية علي عامود عرض 16 " كور" حسب مقاييس و تقنية طباعة " التيبوغرافية " ، و حسب مقاييس اليوم عامود بعرض ٨ سنتيمترات، و لا يتعدى عدد الأسطر عشرين سطرا، حيث النقد اللاذع فيها في حسن اللطف، و براعة النكتة، و عدم سوء القول، لذلك فإن سخريته، و نقده اللاذع، مثل سهم يغرز غرزا، فكانت لتلك الأسطر  طنطنة و دوّي بعيد، و كان في كل ما يكتب ينقل مكنونات الشعب الساخر، أصلا، من همومه، و مشاكله، و سياسات حكّامه، التي أذاقته على مر السنين مرارة العلقم.

 

و لم يكن السعدني هيّابا للقصاص الذي كان يجنيه من صدقه، و صراحته، و شجاعته، و صرير قلمه على الورق. و لأهمية هذه الزاوية، التي تشغل ثلثي الصفحة، فقد كنت أبذل جهدًا  في إبرازها بفاصل من الرسومات لشخصيات كان يتناولها في كتاباته أبدع في رسمها كل من إيهاب و حجازي، بغية فصلها عن الموضوع المقابل في صفحة  و عامود.   

 

مسح محمود السعدني قلمه في فنون الكتابة شتى، من المقالة السياسية، الى الخاطرات، و القصص، و أدب الرحلات، و أشهرها « السعلوكي في بلاد الأفريكاني »، و ختمها بسيرته الذاتية " مذكرات الولد الشقي ".

 

عاش حياته متهكماً من كل شئ محولاً لحظات الحزن الي إبتسامة ، و لحظات العذاب الي نكتة ، و حين دخل المعتقل، حوّل سنوات حبسه إلي مواقف ساخرة. كان ضمن 150 معتقلاً علي أبواب سجن القلعة بعد حملة إعتقال الشيوعين عام 1959، الجميع خائفون يجلسون القرفصاء فيعلق السعدني:

 

" أنا دلوقتي عرفت سر تمثال الكاتب الجالس القرفصاء عند قدماء المصريين، شكله كان مسجون زيّنا ". فقد كان أول المسجونين سخريةً من كل شئ، بداية من تعليمات إدارة مُعتقل القلعة و وصولاً الي النكات التي كان يحكيها طوال الليل حسب رواية نائب رئيس حزب التجمع الصحافي حسين عبد الرازق. 

 

و لأن السعدني أُعتقل خطأً ضمن مجموعة الشيوعيين وهو ليس منهم، ولوجود خلافات بين الأحزاب الشيوعية، كان يتم وضع كل تنظيم في عنبر، فكان هناك " حدتو " و تنظيم " وش " أي الطليعة الشيوعية ، و حين سألوا إلي أي تنظيم تنتمي ؟ ، و كان الرجل بلا تنظيم،  فقال " زمش " و ما يرمز اليه هذا الاختصار،  فقال الحروف الأولي من:  " زي ما أنت شايف " ساخراً ، واخد حرفين و عامل كلمة.  والغريب أن هذا التنظيم الوهمي أصبح له ملف في وزارة الداخلية.

 

سنة ١٩٧١، حَلَت في عيني محمود السعدني رئاسة تحرير « صباح الخير »، و أراد التفرّد بها رغم أنه لم يُكمل تعليمه وتوقف في المرحلة الثانوية، فلجأ لصديقه "شعراوي جمعة" وزير الداخلية زمنذاك ، طالباً العون في تحقيق مبتغاه، معتمدا أن يُعامل بالمثل بناءً علي قرار سابق بتعيين صلاح جاهين لرئاسة تحرير "صباح الخير" وهو لم يُكمل دراسته بكلية الحقوق. توجه السعدني الى شعراوي جمعة ، فسمع الوزير قوله، و بهدوء رد عليه:

 

« شتّان يا محمود بينك و بين لويس جريس، الحائز على دبلوم الدراسات العليا في الصحافة من جامعة  ميتشيجان، إضافة الى إنه لا يُجارى في كتاباته و لقاءاته الصحافية، و يتعامل مع الآخرين بود و محبة، و لم تُرفع بحقه شكوى واحدة، و فوق ذلك كله هو في صف ثورة ٢٣ يوليو، فلا يوجد أي ممسك يُعيب لويس جريس حتى يُقال أو يُنحى جانبا ». وقف الوزير، فوقف السعدني قبالته، ربّت على كتفه و قال بنبرة لائمة:

 

« أتريد، يا محمود، أن يتناول المغرضون بالقول إننا إستبعدنا لويس جريس لأنه مسيحي؟ أتريد هؤلاء الذين يتربصون بنا أن يقولوا أن الدولة إضطهدت لويس جريس لأنه مسيحي؟ ».

 

في اليوم التالي، أصدر شعراوي جمعة قرارا غير مسبوق في الصحافة المصرية، أصبح لويس جريس بمقتضاه رئيس التحرير التنفيذي، ومحمود السعدني، رئيس التحرير المسؤول!

 

 

و كان التعاون بين رئيسي التحرير على أكمل وأحسن وجه، و إستمر سنوات ثلاث، المكتب في مواجهة الآخر، لم يُسمع أنه حصل تحزب حولهما خرج الى الجفاء، أو إنهما أنهيا النهار على خلاف.  

 

و كان أن إحتدم الخلاف بين الناصريين المتنفذين في الحكم و بين الرئيس أنور السادات. و كانت ليلة مراكز القوى،  و أُعتقل من أُعتقل، و بينهم علي صبري، محمود فوزي و… محمود السعدني الذي ذهب بجريرة شعراوي جمعة.

 

فُصل السعدني من «روز اليوسف»، و مُنع من دخول «صباح الخير»، و من ظهور إسمه في أي مطبوعة، حتى في صفحات الوفيات!

 

و بعد سنتين، تم الإفراج عنه، فحمل حقائب السفر، أعطى ظهره لمصر التي أحب، و وجهه للتشرد في  بلاد الناس الآخرين .  

 

طوى ثماني سنوات في الغُربة و التشرد، « بلاد تشيل وبلاد تحُط »، كما داعب نفسه ذات مرة، سافر الى لندن، بعون و مؤازرة صديقه عثمان أحمد عثمان، و من عُسر و ضيق ذات اليد، إستدان من المصريين المهاجرين ما يُسعف لعلاج إبنته هالة.

 

و عندما قرر إمتشاق القلم من جديد، قَصَد الدوحة، و عمل في مجلة « العهد »، إلا أنه لم يتحمل غلظة رئيس تحريرها، طوى أوراقه و حقائبه و لجأ الى أبو ظبي، مدّ له الصحافي مصطفى شردي يد العون، فعمل في « دار الوحدة »، لكنه ولّى الأدبار من الدار و البلاد، و كل الخليج المتصالح إلى بيروت، فانضم الى كُتاب جريدة         « السفير» التي كان يصدرها و يترأس تحريرها طلال سلمان.

 

وعَرَف النبع الذي تشرب منه « السفير »، فقصده، وحلّ في طرابلس الغرب، ردحًا من الزمن، ما طاب له المقام و لا إرتاح لما كان يرى و يعاين، تركها وترك صاحبها معمر القذافي، الى الكويت، ولم يجد في إمارة آل الصباح الموئل الهني الذي كان يفتش عنه، فعاد الرحال يحط به مجددًا في العاصمة البريطانية.

 

عرض عليه مهدي التاجر، سفير دولة الإمارات لدى بلاط سان جيمس، المَدد في عَسرته المالية، و تكفل بنفقات علاج هالة، حتى تعافت، و عادت الى مصر. 

 

دار الزمان دورته، و تقطّعت السنوات، وقُدر لي، في غربتي الأولى، في بيروت، أن ألتقي محمود السعدني، كان يكتب في «السفير»، و أنا مديرا فنيا في مجلة « بيروت المساء» التي كان يرأس تحريرها أمين الأعور، و هو صحافي درزي، و من قبيل المصادفة، أن المطبوعتين تشربان من نبع واحد هو جماهيرية معمر القذافي.

 

قضينا في بيروت بمنزلي بمنطقة قريطم - راس بيروت أمتع الأوقات بصحبة ظريف الظرفاء، و رفيقة دربه الزوجة الفاضلة التي تحملت الكثير أثناء سجنه و في حياته الفوضوية،  المرأة التي كانت تفترش الأرض للنوم أثناء غياب زوجها في سجون مصر مشاركة له في آلامه، و تحمّلت حياته الفوضوية و الهرجلة "و النعكشة " ، ودللّ علي هذا إبنه الكاتب الصحافي أكرم السعدني في أحد لقاءاته الصحافية " أمي رحمها الله كانت شديدة التنظيم تعشق النظافة  و لا تستطيع أن تري أي مكان حاله مقلوب، فكانت دائماً تهندم الأمكنة و تنسقها و تحفظ لبيتنا درجة غير طبيعية من النظافة. و كان السعدني يعترض علي هذه النظافة و ذلك النظام قائلا : إحنا عايشين في متحف "! عايشته     و هو يتضرع لله أن يحفظ و يشفي هالة صغيرته.  

 

و تكرّر لقائي بمحمود السعدني في غربتي الثانية بلندن، عندما أصدر السعدني مجلة 23 يوليو بتمويل غير مُعلَن من حاكم الشارقة الحالي بالإشتراك مع محمود نور الدين ضابط المخابرات السابق، و الكاتب الصحفي فهمي حسين مدير تحرير روز اليوسف السابق و الكاتب الصحافي عصام حنفي و فنان الكاريكتير صلاح الليثي. و كانت أول مجلة عربية تصدر هناك و أشرفت أنا علي صدورها و طباعتها. إلتزمت المجلة بالخط الناصري و حققت نجاحاً كبيراً،  و كان السعدني يتوقع أن تلقي المجلة دعماً من الأنظمة العربية الرسمية إلا أن ذلك لم يحدث، و إنهارت المجلة و توقفت عن الصدور، و عاد السعدني وحيداً يجتر أحزانه في لندن إلي أن أُغتيل السادات عام 1981. و في القصر الجمهوري بمصر الجديدة إستقبله الرئيس مبارك،  ليطوي بذلك صفحة طويلة من الصراع مع النظام في مصر. و تفرغ لكتابة مذكراته.  

 

 

 

في سنة ٢٠٠٦، سقط القلم لأول مرة من يد محمود السعدني، غَلَبه المرض، و ظل يضحكك تلك الضحكة الحبيبة بين عينه و فمه.

 

في ٤ مايو  سنة ٢٠١٠، أسلم محمود السعدني الروح، كان في الحادية و الثمانين.

 

ما جاراه أحدا، كتاباته آية في براعة النكتة و حلاوتها، وحضور الذهن، يُمسكك، فيأسرك، النقد والغمز والنكتة الحلوة البارعة التي تُخز ولا تُدمي في نفسك، هيهات أن تستطيع التفّلت منه بسهولة.

 

فما التقت شفاه على ترداد اللطائف، إلا وكان محمود السعدني كاتبها.

 

أما صديقي لويس جريس عشرة العمر الذي إحتار فيه الكثيرون ، البعض أطلق عليه لقب " قديس الصحافة المصرية"،  " حارس خزائن ذكريات روز اليوسف "، و معظمهم  ظلموه باختزال تاريخ هذا الرجل بقيمته و دوره في إدارة مؤسسة روز اليوسف كمدير عام في فترة لاحقة، بأنه " زوج سناء "، و حتي بعد وفاة الفنانة سناء جميل كانت جميع اللقاءات والحوارات الصحافية والتليفزيونية معه تدور حول الفنانة الراحلة. 

 

إستمرت علاقتي بلويس جريس حتي بعد السنوات التي قضيتها في المؤسسة العريقة بالقاهرة أو مراسلا لها من بيروت، و مديراً لمكتبها في في لندن إلي أن فارقنا منذ عامين عن تسعين عاماً؛ و لا أنسي دوره في الوقوف بجانبي في كل المراحل التي عملت فيها في روز اليوسف و شقيقتها صباح الخير، و ترشيحه لي لرئاسة تحرير مجلة "ستالايت" أول مطبوعة عربية عْرّفت بالأقمار الصناعية و صناعة الترفيه.

 

تعامل معي كأخ و صديق، أفشيت له بما يجول في نفسي من خواطر و أفكار و تساؤلات و أنا في أول الطريق. ساندني و قدّم المشورة و النصيحة.

 

باح لي بمكنون نفسه و المستور عن حياته، حاول أن يكون صحفياً و لكنه لم يحقق ما كان يتمناه - رغم أنه أجري العديد من الحوارت التي تضعه في مصاف الصحافيين الكبار، و أشهرها حواراته مع فيدل كاسترو و تشي جيفارا ،  و الأسقف مكاريوس رئيس جمهورية قبرص ، والرئيس اليوناني أندرياس باباندريو ومع موزينديس عندما كان رئيس المسرح القومي اليوناني. 

 

حاول لويس أن يكون أديباً و لم يستمر- ترجم عدداً من الروايات منها " حب ومال " ل إيريس كيتكاراتوال، و رواية أرثر ميللر  "الثمن"، "الوزير والحب" والعديد من القصص القصيرة، وهو لم يكتب قصصا أو روايات ولكنه عوّض هذا بافساح الطريق والمجال أمام تلاميذه و زملائه لكي يبدعوا و ينشر لهم أعمالهم بحب و أريحية.

 

إشتكي لي ممن تنكروا له، الذين أعطاهم فرصة النشر منهم صالح مرسي، صبري موسي، عبد الله الطوخي و كريمة كمال و إقبال بركة تلامذته الذين لم يعترفوا به، حتي مفيد فوزي و رؤوف توفيق الذين عملا معه 11 عاماً قبل أن يتوليا رئاسة تحرير الصبوحة، فكلهم من وجهة نظره تلامذته ، لم يغدُر به أحدا ، و لكنهم لم يعترفوا بأستاذيته.

 

منذ نشأته عاني من كونه " مسيحي " ، عندما كان طفلاً طلب منه مُدَرِسه في المدرسة الابتدائية الخروج من الفصل في حصة الدين لأنه مسيحي رغم أنه كان يحب أن يبقي لأنه يشعر بمصريته، و المسلم و المسيحي يُكمل كل منهما الآخر.

 

.. و في عمله بالصحافة، رَشَّحَه عبد الرحمن الشرقاوي قبل أن يترك رئاسة مجلس روز اليوسف أن يُسلم الرئاسة له، وقوبل الطلب بالرفض مرات عديدة. و قد فَسّر لويس جريس رفض النظام لهذا الترشيح لوجود موسي صبري كرئيس مجلس إدارة  ورئيسا لتحرير الأخبار، و وجود لويس في مثل هذا المنصب سيكون من شأنه أن يتولي مسيحيان في مصر رئاسة مؤسسات صحفية، علي حد قوله، وكان يمكن للنظام أن يتغني بهذا، و لكنهم كانوا يستكفون بوزيرين مسيحيين؛ رغم إلحاح الشرقاوي. و بعد موسي صبري عُين سعيد سنبل مكانه في الأخبار ، و ظل سنبل المسيحي الأوحد كرئيس لمجلس إدارة مؤسسة صحفية.

 

لويس لوقا جريس من صعيد مصر، مركز أبوتيج - أسيوط  لأب يعمل بالتجارة ، شهد صراع والده " الخواجة " لوقا جريس كما كان يدعوه زبائنه،  الذين قسّموا التجار الي " حاج " للتاجر المسلم، و" خواجة " للتاجر المسيحي، شهد صراع والده من أجل البقاء بعد أن مرّ بظروف تركته في ظروف مادية صعبة قبل أن يسترد عافيته التجارية و يصبح واحداً من كبار التجار. كان حلم لويس جريس دراسة الطب لكن مجموعه ألحقه بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية.

 

إـتجه للصحافة بالصدفة عندما طلب منه أستاذه في " الكيمياء " إجراء حوار صحافي لنشرة بجريدة الكلية لأستاذ زائر  قادم من أمريكا متخصص في علم الحشرات، و عندما نُشر الحوار و رأي اسمه منشوراً طار فرحاً و أرسل الجريدة إلي أسرته ، و سأل أستاذه ماذا يفعل إذا رغب في دراسة الصحافة، و كان وقتها في السنة الثانية من دراسة العلوم، و إقتربت إمتحانات نهاية العام، فأخبره أستاذ الكيمياء أنه لا يوجد مدرسة للصحافة إلا في الجامعة الأمريكية، و كانت قيمة المصروفات  75 جنيهاً مصرياً و هو مبلغ كبير في حينها. ترك كلية العلوم  في العام التالي، و إلتحق بها دون أن يخبر عائلته إلا بعد تخرجه من الجامعة الأمريكية عام 1955 ثم  حصل علي دبلوم الدراسات العليا من جامعة ميتشجان بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1958؛ و بدأ رحلة البحث عن عمل،  فالتحق بقسم الترجمة بجريدة الأهرام ثم إنتقل لدار الهلال براتب 25 جنيهاً ، بعد ذلك تعرف علي الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين الذي كان يرأس تحرير مجلة صباح الخير، و كانت النقلة التي غيرّت حياته المهنية بتقديم موضوعات مترجمة عن " قنبلة هيروشيما".  

 

 

 

لم تكن السيدة فاطمة اليوسف تمنح المحررين المبتدئين أكثر من 15 جنيهاً، و لكن لويس تسلم عقده براتب قيمته 20 جنيهاً.

 

تعلّم لويس كيفية إعداد السؤال الصحافي من أحمد بهاء الدين و كتابة ماقلّ ودلّ ، و علي وعي و إدراك بما يقوله الشارع، و ماذا يهّم القارئ . تأثر بالجملة الرشيقة و إختيار الكلمة من إحسان عبد القدوس، و من عبد الرحمن الشرقاوي تعلّم اتخاذ المواقف الإيجابية في جميع القضايا، و تعلّم من فتحي غانم كتابة التحقيق في شكل قصصي قريب من الشكل الأدبي. 

 

سَنَحت له الفرصة ليسجل إسمه مع كبار الأسماء في عالم صاحبة الجلالة، بعد أن طرأت ظروف دعت أحمد بهاء الدين للسفر، فترك أمر المجلة بين يدي لويس، و هو الأمر الذي إعترض عليه عبد القدوس الذي رأي فيه شاباً لا يستطيع تحمل المسؤولية، غير أن بهاء أكّد ثقته في الصحافي الشاب الذي صار مديراً للتحرير ثم رئيساً للتحرير بعد أن ترك الشاعر صلاح جاهين منصبه. و في نهاية رحلته بروز اليوسف تولي منصب المدير العام للمؤسسسة للشؤون المالية و الإدارية. 

 

علي المستوي السياسي، كان لويس جريس حريصاً طول الوقت ألا يتعرض للسجن أو الإعتقال لأنه يخشي هذه التجربة، و لهذا كان ملتزماً التزاماً شديدا ألا يُغضب السلطة، و علي حد تعبيره " كان لا يسير جنب الحيطة بل كان يسير داخلها ". 

 

و في عصر السادات، سافر إلي أمريكا إعتقاداً أن السادات يعرف الناصريين من خلال الانضمام الي التنظيم الطليعي الذي كان عضوا فيه، و بالتالي لابد أن يتخلص منهم، شرح ذلك لزوجته و هرب بالفعل و عاد عام 1972 بعد أن إطمئن بقيام السادات بهدم السجن الحربي.

 

إلتصق إسمه باسم محبوبته الفنانة سناء جميل عن قصة حب و حياة زوجية تجاوزت الأربعين عاماً، لم يفترقا خلالها إلا بعد موتها في 2002. و إرتبط إسمه بذهن رجل الشارع قبل المثقف، و إختلط الامر علي البعض في التفريق بينه و بين المفكر الكبير لويس عوض.

 

 

 

سناء جميل إبنة مدينة ملوي بمحافظة المنيا، قاطعتها عائلتها لإصرارها علي العمل بالتمثيل، و هو ماكان يُعَد أمراً غير أخلاقي . علاقتهما سجلّت حالة نادرة في الوفاء بعد الإتفاق علي أن يبقيا دون إنجاب لأن سناء جميل رأت نفسها في الحياة الأسرية حيث الزوج والأولاد تعيد سيرة عدد من الفنانات اللائي أنهين مسيرتهن بعد التخبط بين الفن والأبناء، لذلك عقدا إتفاقاً دام حتي النهاية علي عدم الإنجاب، كان كلا منهما محور حياة الآخر و المتكأ الذي يستند عليه. أحبها وأحبته، ، شكلا حالة نادرة من الوفاء، كانا نموذجا لقصص الحب الرومانسية ، و الإرتباط الذي يتفانى كل طرف فيه في كيان الآخر. كان سناء تحلف دائما قائلة: «وحياة لويس».

 

وهو حافظ، حتى بعد وفاتها عنه سنة ٢٠٠٢، على الاحتفال كل سنة بذكرى مولدها.

 

كتب آخر رسائله اليها حيث قال يناجيها:

 

«رحلتِ و تركتني وحيدًا، و كنا إتفقنا على ألا نفترق... لكن لا رد لقضاء الله، فلتكن مشيئته، و نحن نقبلها برضاء تام… أعيش على أمل أن ألقاك يا وحيدتي». 

 

و في ٢٦ مارس ٢٠١٨ التقاها كما تمنّى. 

 

كان في التسعين من سنيه.

 

في المنزل  رقم ٢٢ شارع متحف المنيل، وضع « الجهاز القومي للتنسيق الحضاري » إسم لويس جريس و سناء جميل تحت كلمة  «عاشا هنا».