الأربعاء 2 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

أ.د. عمرو عبد السلام شعت يكتب: تغيير حان وقته لمنظومة إدارة وتشغيل مترو الأنفاق

دخلت مصر عهد مترو الأنفاق في عام 1987 مع افتتاح المرحلة الأولى من الخط الأول لمترو أنفاق القاهرة الكبرى (رمسيس- حلوان) بطول 29 كم. توالى بعد ذلك تشغيل المزيد من خطوط المترو بافتتاح المرحلة الثانية من الخط الأول (رمسيس- المرج) بطول 14 كم في عام 1989، ثم الخط الثاني (شبرا- المنيب) بطول 19 كم الذي انتهت مراحله المختلفة في عام 2000، تلاه بعد ذلك افتتاح ثلاثة مراحل من الخط الثالث (العتبة- عدلي منصور) بطول 24 كم على مراحل (2012- 2020) ليصل إجمالي أطوال خطوط المترو العاملة حتى الآن إلى حوالي 86 كم موزعة على الثلاثة خطوط.



 

جدير بالذكر أنه جارٍ العمل الآن في المرحلة الثالثة للخط الثالث (العتبة- روض الفرج- الكيت كات) بطول 17.7 كم وخط القطار الكهربائي (عدلي منصور- العاصمة الإدارية) بطول 75 كم، وخطين للمونوريل في كل من شرق القاهرة (مدينة نصر- القاهرة الجديدة- العاصمة الإدارية) بطول 54 كم وخط آخر في الغرب (الجيزة- 6 أكتوبر) بطول 42 كم والذي من المتوقع أن يصل إجمالي أطوال خطوط المترو والقطارات الكهربائية بعد انتهاء هذه المشروعات إلى ما يقرب من 260 كم.

 

هذا فيما يتعلق بإنشاء خطوط المترو وهو الدور الذي تقوم به الهيئة القومية للأنفاق. أما ما يتعلق بتشغيل المترو وصيانته فقد قامت وزارة النقل في عام 1987، وتزامنا مع افتتاح أولى مراحل الخط الأول للمترو، بإنشاء كيان جديد من داخل الهيئة القومية لسكك حديد مصر (المتخصصة في القطارات ذات المحركات التي تعمل بالديزل)، على أن تكون مهمة هذا الكيان تشغيل وصيانة خطوط مترو الأنفاق التي تعمل بالجر الكهربائي.

 

بدأ الكيان الجديد تحت مسمى "جهاز تشغيل وصيانة المترو"، وتم تشكيله من أفضل الكفاءات الهندسية والفنية الموجودة حينذاك بهيئة سكك حديد مصر، لكن ظل جهاز التشغيل تحت الإشراف الإداري لهيئة السكة الحديد حتى استقل في عام 2009 بتحويله إلى شركة منفصلة تحت مسمى "الشركة المصرية لإدارة وتشغيل المترو". على الرغم من أن الشركة الجديدة مملوكة بالكامل لهيئة السكة الحديد لكنها تتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري.

 

بعد مرور 33 عامًا على قيام جهاز التشغيل سابقا ثم الشركة المصرية حاليا بإدارة الخطوط الثلاثة لمترو أنفاق القاهرة الكبرى، كان لزامًا إعادة النظر في منظومة إدارة شبكة المتر بعد كل تلك التوسعات التي شهدتها. لذلك اتخذت وزارة النقل خطوة تعد بلا شك تغييرًا جوهريًا في استراتيجية الفكر الإداري لقطاع النقل بالسكة الحديد في مصر وقامت بتوقيع عقد مع شركة الفرنسية(RATP) ذات خبرة عريضة في تشغيل القطارات لإدارة وتشغيل وصيانة الخط الثالث لمترو الأنفاق لمدة 15 عامًا.

 

يمثل هذا العقد بداية نتمنى لها النجاح والتوسع لتغيير السياسات المتبعة في السابق لإدارة منظومة النقل في مصر وهي سياسات تخلت عنها معظم الدول المتقدمة في مجال النقل، سياسات قائمة على هيمنة الدولة على مرافق النقل بداية من التخطيط والإنشاء إلى التشغيل والصيانة.

 

اتجهت الكثير من الدول إلى إفساح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في تشغيل وصيانة الكثير من وسائل النقل واكتفاء الدولة بتخطيط سياسات النقل وإنشاء الخطوط الجديدة التي تناسب خطط التنمية في الدولة ثم مراقبة التشغيل ومستويات الجودة.

 

تتمتع السياسة الجديدة لتشغيل المترو بكثير من المميزات يمكن تلخيصها فيما يلي:

 

1- التعاقد مع شركة عالمية بحجم الشركة الفرنسية، التي تقوم بتشغيل وسائل نقل مختلفة في 13 دولة في أربع قارات، مثل فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وسويسرا والولايات المتحدة والصين والسعودية والمغرب وجنوب إفريقيا وغيرها، ليس فقط دليلا على كفاءة وعراقة الشركة ولكنه دليل دامغ أننا في مصر لا نعيد اختراع العجلة من جديد، لكننا على بداية الطريق الصحيح في اتباع سياسات ثبتت فعاليتها في كثير من دول العالم، سياسات تعتمد على التنافس بين الشركات لتقديم أفضل الخدمات بطرق أكثر استدامة.

 

2- مع التوسع في أطوال شبكة الخطوط الكهربائية أصبح تنويع وتوسيع مجال تقديم خدمات تشغيل القطارات أمام أكثر من جهة ضرورة ملحة لعدم تكرار الأخطاء التي حدثت في الماضي، حين ظلت هيئة سكك حديد مصر المشغل الأوحد لشبكة خطوط واسعة لقطارات الديزل في مصر، على مدار أكثر من 150 عامًا، فكان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى وصول خدمات السكة الحديد في مصر إلى مستويات غير مرضية للراكب.

 

3- زيادة كفاءة التشغيل،بخلق بيئة تنافسية بين المشغلين المختلفين لإرضاء الراكب من أجل زيادة حصة كل شركة في تواجدها على شبكة النقل. يساهم هذا التنافس في تحسين اقتصاديات التشغيل وسعي الشركات لرفع معدلات الجودة ومحاولة تقليل تكاليف الإدارة والتشغيل، ما يساهم في تخفيف العبء المالي الذي تتحمله الدولة في دعم سعر التذكرة.

 

4- وجود شركة تشغيل بخبرات عالمية جنبا إلى جنب مع الشركة المصرية سيتيح استفادة كبيرة للشركة المصرية على صعيد الخبرات الفنية والإدارية. بالإضافة إلى أن العقد يشير إلى قيام الشركة الفرنسية بتأسيس معهد لتدريب العمالة.

 

5- تمثل هذه السياسة الجديدة أهمية اقتصادية غير مباشرة باجتذاب وتشغيل العمالة المصرية في شركات عالمية تعمل في السوق المصرية لصقل مهاراتهم والاعتماد عليهم مستقبلا في تكوين كيانات مصرية قادرة على المنافسة داخل مصر أو خارجها.

 

6- تتيح فكرة وجود مشغل غير حكومي على الشبكة مناخا مناسبا لإرساء قواعد الحوكمة مثل الاتفاق على أسس واضحة وخطوط فاصلة في عمليات تسليم وتسلم الأصول المختلفة للمرفق من محطات وقطارات وورش صيانة وغرف تحكم، سواء كان ذلك في بداية التعاقد من هيئة الأنفاق (مالك الأصول) إلى المشغل (الشركة) أو في نهاية التعاقد من المشغل إلى الهيئة، مما يساهم في استدامة المرفق محل التعاقد.

 

لا يسعنا في النهاية إلا أن نقف لنراقب هذه التجربة الجديدة بآمال كبيرة ونقدم لها المساعدة الضرورية، لضمان نجاحها والتوسع في تطبيقها على قطاعات أخرى مثل قطاع المسافات الطويلة بهيئة السكة الحديد خاصة بعد شراء أسطول جديد من القطارات كما نتوقع أن تحقق الفكرة نجاحا كبيرا حال تطبيقها على قطاع نقل البضائع.

أستاذ الهندسة الإنشائية

جامعة عين شمس

نائب وزير النقل السابق