الأحد 27 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
إلى أصحاب العقول فقط هذا المقال

إلى أصحاب العقول فقط هذا المقال

عانينا كثيرًا، من غياب دور الدولة، وإهمال مصالح المواطن البسيط، وشكونا كثيرًا من نهب قلة من الشعب لثروات البلاد والعباد.



 

نتذكر جميعًا، سنوات خلط المال بالسياسة، واحتكار قلة من رجال المال، لأراضي الدولة، التي خصصت لهم بسعر جنيه للمتر، بزعم أنهم سيعملون على تعمير الصحراء وزراعتها، بما يتبعه من خلق فرص عمل للشباب، لنفاجأ بها تتحول إلى منتجعات سكنية، لا مكان فيها إلا لعلية القوم وأثريائه.

 

نتذكر في وقت ليس بعيدًا، كيف كانت الفيروسات تنهش أكباد البسطاء، فتمد بطونهم أمامهم بضعة سنتيمترات، ليغوصوا في مرارات الوجع والألم، انتظار الدور في طوابير العلاج، فيسابق المريض وذووه الزمن، بحثًا عن "واسطة"، تقرّب له دوره على حساب مريض آخر، خشية أن يُدرك ملك الموت مريضهم قبل أن يُدركه دوره في العلاج.

 

نتذكر العشوائيات الخطرة، وقمة مآسيها في انهيار صخرة الدويقة 2008، أزهقت أسفل حطامها عشرات الأرواح البريئة.

 

نتذكر أزمات الوقود، وطوابير العيش وشهدائها، والوقوف ساعات طويلة أمام محطات الوقود، حتى الفلاح البسيط كان يبحث عن السولار المطلوب لتشغيل آلته الزراعية أو ماكينة الري، فينتظر أيامًا للحصول على بضعة لترات لإنهاء مصالحه.

 

كل ذلك في علم السياسة، مرجعه إلى ضعف دور الدولة، وتخليها عن وظائفها الأساسية، التي أدت إلى ثورتين متتاليتين، أملًا من الغالبية العظمى للشعب في إصلاحات سياسية حقيقية.

 

والإصلاحات السياسية في علم السياسية، تشمل جملة من المراحل والآليات، التي لا تقتصر على محور بعينه، بل إصلاحات شاملة تبدأ بالإرادة والعزم، مرورًا بالسياسية، والدستورية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، في مسارات متوازية للوصول لإصلاح حقيقي شامل، ينعكس بصورة مباشرة على انتقال المواطن لحياة أفضل.

 

أولى مراحل الإصلاح المنشود، تكمن في توافر الرغبة والإرادة السياسية، فهي القوة الدافعة لبلوغ جميع المراحل الأخرى المأمولة، وتحويلها لواقع معاش.

 

في أوطاننا العربية وقارتنا الإفريقية، ظلت الشعوب في سنوات ما بعد الاستقلال وحتى ٢٠١٠، تُحسن الظن في قياداتها، وتتلمس لها الأعذار، فيما ظلت الحكومات تتلاشى المواجهات اللازمة لتحقيق إصلاحات حقيقية، خشية على متطلبات "الشعبية"، والأصوات الانتخابية، فتراجع الإصلاح، وتحوّلت الدول لعشوائيات عمرانية، وسياسية، وفكرية.

 

شاهدنا عشوائيات البناء، بلا تخطيط، فتقلصت مظاهر الحضارة، وشاهدنا عشوائيات السياسة في أحزاب كارتونية، وشاهدنا عشوائيات الفكر، في تنظيمات دينية ومذهبية، أنجبت عقليات وخلايا  إرهابية، وعشوائيات فكرية أخرى أنجبت الدجل والخرافة وثقافة الفهلوة.

 

وعشوائيات إعلامية، في شكل صحف "بير السلم"، تنتهج الإثارة، وأخرى فضائية، تبيع المساحات لمن يدفع، وتُقدم منتحلي الصفات على أنهم خبراء في الصحة والسياسة والجمال، وإخراج الجن السفلي والعلوي من أجساد البشر!

 

صرنا بيئة العشوائية، فلا الحكومات كسبت رضاء شعوبها، بتخاذلها في إجراء الجراحات الاقتصادية اللازمة، فحصدت أصواتهم، ولا الشعوب ارتضت سياسة "عيشنا النهارده وموتنا بكرة"، لأن الغد جاء وجاء بعد الغد، ليكتشف المواطن أن سياسة المسكنات تراكمت معها الأمراض، وتعاظمت تلال المشكلات، وانتهى الأمر إلى موجة اضطرابات، أطاحت بالأنظمة في ٢٠١١.

 

السبب الجوهري في كل تلك الأزمات، غياب أهم وظائف الدولة لسنوات طويلة، وهي الوظيفة الاستخراجية والتوزيعية.

 

ماذا نعني بالاستخراجية والتوزيعية؟! 

الاستخراجية، يقصد بها قدرة الدولة على إدارة وتعظيم واستثمار أمثل، لكل مواردها الاقتصادية والبشرية، بينما التوزيعية تعني، التوزيع العادل لعوائد الثروة، عبر رفع كفاءة الخدمات المقدمة لكل المواطنين، لتحقيق حياة أفضل.

اليوم تتوافر الإرادة السياسية، التي افتقدناها سنوات طوال، والجرأة في مواجهة التحديات والأزمات الموروثة، لتعظيم قدرة الدولة الاستخراجية والتوزيعية.

إرادة حقيقية للقضاء على العشوائية، بأبعادها المختلفة، وفرض القانون، على المتجاوزين، لصالح عموم الشعب ومستقبل الأجيال القادمة.

 

قانون التصالح في مخالفات البناء، على سبيل المثال، من نماذج توافر الإرادة السياسية، لمواجهة المشكلات بحلول جذرية، لحماية حقوق الشعب وخدمة البسطاء، بقرارات اليوم التي راعت في تطبيقه الفلسفة من تشريعه.

فالرجل البسيط، الذي اضطر لضيق ذات اليد شراء عقار مخالف، كونه منخفض السعر، يستطيع اليوم بالمصالحات تقنين أوضاعه، وخلق قيمة مضافة للسعر ينتج عن المصالحة.

 

كما أن القانون يلزم الحيتان، الذين استولوا على أراضي الدولة، بسداد مستحقات الشعب، رئيس الوزراء اليوم، على هامش المؤتمر الصحفي، أفاد بأن عددًا من كبار المخالفين، الذين شيدوا أبراجًا، تم تحويلهم للنيابة العسكرية، ومنهم من دفع مصالحات 200 مليون جنيه، وبعض كبار المخالفين دفعوا مليار جنيه للتصالح.

 

في الوقت ذاته، جاء القرار الذي وجه به الرئيس عبدالفتاح السيسي، بشأن مراعاة البعد الاجتماعي للبسطاء، بتخفيض قيمة التصالح بالمحافظات، وقصرها في الريف على الحد الأدنى ٥٠ جنيهًا فقط، مؤكدًا أن الهدف ليس جباية المال، كما روّجت أبواق معادية، بل الصالح العام، وحماية حق البسطاء في توفيق أوضاعهم.

 

إن الهدف هو تقديم حلول جذرية لأزمة العشوائية، وما يترتب عليها من ضعف خدمات البنية التحتية، وما تلتهمه من أراضٍ زراعية، تهدد مستقبل الأمن الغذائي للشعب وأبنائه وأحفاده في المستقبل القريب.

 

فالأرقام التي أعلنتها الحكومة مرعبة، عندما نعلم أن مصر خلال ٤٠ سنة فقط، فقدت ٤٠٠ ألف فدان من أجود أراضيها الزراعية، تزداد الخسارة مع تزايد السكان، في الفترة من ٢٠١١ حتى الآن، فقدت مصر ٩٠ ألف فدان.

"الريفي"، يعلم قيمة تلك الأرض، التي لا تعوض، فكلفة تعويض الفدان في الأرض الصحراوية تصل ٢٠٠ ألف جنيه، ومن المستحيل أن تكون ١٠٪؜ من جودة الأرض الطينية في الدلتا.

 

فضلًا عن معوقات تقديم الخدمات اللازمة في البناء العشوائي، لكي تقدم الدولة خدماتها المستحقة لكل مواطنيها في الـ ٤٧٧٧ قرية والـ ٣٢ ألف تابع من عزب ونجوع، يستلزم الأمر إجراءات:

الأول: هو التصدي بحزم لأي مخالفة جديدة، حتى لا تتوالد عشوائيات إضافية، وتهرول الدولة خلف ابنية متناثرة في الأرض الزراعية.

الثاني: هو توفيق أوضاع الأبنية المخالفة قبل صدور قانون التصالح، حتى تمنح الشرعية لما بات واقعًا، ومن ثم تمنحه حقوقه من الخدمات والبنية الأساسية.

الثالث: استعادة حق المواطن الملتزم، من ناهبي أراضي الدولة، وملاك الأبراج المخالفة الذين جنوا المليارات، فهناك من حوّل أراضي زراعية على النيل سعر القيراط بها ٥٠ ألف جنيه، إلى أبراج ١٢ طابقًا في كل طابق ٤ وحدات سكنية سعر الواحدة ٧٠٠ ألف جنيه.

وهناك من استولى على أراضي أملاك دولة، هؤلاء حصّلوا المليارات عبر سلاسل أبراج، دون أن يدفعوا حق الدولة، وحق المواطن البسيط، استفادوا من البنية التحتية وحمّلوها أعباء إضافية، واستهلكوا خدمات دون ثمن، بينما المواطن البسيط يدفع  الضرائب قبل أن يستلم راتبه.

 

إذن حصول الدولة على حقها من بارونات المعتدين على طرح النيل، ومالكي الأبراج، ثم ضخ تلك الأموال في تحسين الخدمة الصحية بالمستشفيات العامة، وتعبيد الطرق، وإحلال العشوائيات بمساكن آدمية، هو قمة العدالة الاجتماعية وحماية حقوق البسطاء والفقراء، ليس كما روّجت أبواق معادية للنكاية السياسية بالنظام.

 

الدولة تسترد قدرتها في أداء وظيفتها الاستخراجية، فقد أثمر ترسيم الحدود مع قبرص، عن اكتشافات بترولية، وأسهم تطوير قناة السويس عن زيادة مواردها، وتطور الدولة، بقيادة الرئيس السيسي التعليم، ومبادرات الصحة لتعظيم قدرة العنصر البشري، تُحاسب ناهبي المال العام، تسترد المنهوبات لتوزع عوائدها على عموم المواطنين في صورة ارتقاء بالخدمات العامة.

 

تسترد قوة وظيفتها التوزيعية، فإصلاح منظومة الدعم يحقق العدالة، فالوقود الذي كانت تحصل عليه سيارات فارهة، لرجال الأعمال، مدعم، وسيارات السفراء، وعربات النقل الثقيل لمالكي المصانع، كان يستنزف مليارات من الموازنة، بات توفيرها، يُسهم في ضخها في مشروعات تخدم المواطن الفقير، والطبقة المتوسطة، بالقضاء على فيروس "سي"، ودعم مشروع التأمين الصحي الشامل، وبناء الإسكان الاجتماعي، وإصلاح التعليم، وغيرها من المشروعات المحققة لعدالة توزيع موارد الدولة، ودعم العدالة الاجتماعية. 

 

لذلك قلت، منذ البداية، هذا المقال، لأولي الألباب الذين يعملون عقولهم بتجرد، لوجه الله والوطن، بلا مصلحة شخصية أو أهواء سياسية.

 

عاشت مصر دولة قوية 

[email protected]