الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

لأول مرة.. الإدارية العليا: الأخطاء المهنية الجسيمة في مهنة الطب توجب العزل

قضت المحكمة الإدارية العليا برئاسة المستشار عادل بريك، نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين سيد سلطان والدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي ونبيل عطا الله وأسامة حسنين نواب رئيس مجلس الدولة؛ بمجازاة كل من د. “ع.م.ث” رئيس قسم الجراحة والأورام وجراحة المناظير بمستشفى المطرية التعليمي ود. ”ھ.ب.ب” أخصائي تحليل الأنسجة والأورام بذات المستشفى، بعقوبة العزل من الوظيفة مع الاحتفاظ بالمعاش، لإجرائهما جراحة خاطئة بمستشفى المطرية التعليمي للسيدة “ن.ع.ع ترتب عليها استئصال ثديها، في غير الأحوال الموجبة لذلك، حال خلوها من الورم السرطاني، ما أصابها بعاهة مستديمة، وفقا لما أكده تقرير الطبيب الشرعي في القضية رقم 6967 لسنة 2017 جنح المطرية.



 

وأيدت المحكمة، قرار مجلس تأديب الأعضاء العلميين بالهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية الصادر عام 2019 بعزلهما.

 

وأكدت المحكمة أن كل عضو في الفريق الطبي مسؤول عن عمله وحده، أثناء العملية الجراحية، وفقًا للقواعد والأصول الطبية لمهنته، وأن الخطأ الطبي الجسيم للطبيبين حرم السيدة من التمتع بجزء من جسدها باستئصال ثديها دون وجه حق، بعد أن دبرت لهما مبلغ 11 ألف جنيه من قوت أسرتها لإجراء العملية، وتبين أنه مجرد التهاب خُراج وليس ورمًا سرطانيًا، ويتعين عزلهما من مهنة الطب، وبهذا الحكم تكون المحكمة قد وضعت حدًا للأخطاء المهنية الجسيمة في مهنة الطب داخل غرف العلميات بوجوب العزل بعد الرجوع إلى الطب الشرعي للوقوف على مدى جسامة الخطأ الطبي.

 

قالت المحكمة إن الدستور أكد حق المواطن في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل، وأعلى من شأن الإنسان وحرمة جسده فلم يسوغ المساس بها وجَرم كل صور الاعتداء عليه أو تشويهه أو التمثيل به، ولم يجز إجراء أي تجربة طبية، أو علمية، عليه بغير رضاه الحر الموثق، ووفقا للأسس المستقرة في مجال العلوم الطبية وفقًا لما ينظمه القانون.

 

وأضافت المحكمة إن المسؤولية التأديبية للأطباء تدق إبان مباشرتهم لعملهم الطبي، خصوصًا أثناء العمليات الجراحية التي يشاركهم في إجرائها فريق من المعاونين من تخصصات طبية مختلفة، سواء كانوا أطباء أو ممرضين أو فنيين أو عمالا، كل منهم له دور محدد يباشره وفقًا للأصول الطبية والفنية والنظام الإداري العلاجي المتبع وكذلك العرف الجاري في هذا الخصوص، كما يتولى الطبيب الجراح رئاسة الفريق الطبي الذي يعاونه في إجراء العملية الجراحية من الناحية الإشرافية بما يمكنه من إجرائها وفقًا للأصول والقواعد المهنية والفنية التي يقتضيها علم الطب، وبالتالي يكون كل عضو في هذا الفريق مسؤولًا عما يباشره من عمل يختص به وحده أثناء العملية الجراحية وفقًا للقواعد والأصول الطبية لمهنته، ويضاف إلى ذلك أن التزام كل منهم بعمله بما يتفق مع المبادئ الحاكمة للوظيفة العامة من ضرورة أن يؤدي الموظف العمل المنوط به بنفسه بدقة وأمانة.

 

وأشارت المحكمة إلى أن التشريعات الوضعية عهدت إلى الأطباء بمباشرة أقدس المهن، إذ يلجأ إليهم المرضى من آحاد الناس حاملين إليهم آلامهم التي يشتكون منها طالبين منهم العلاج، فيسلمون إليهم أرواحهم لتكون أمانة بين أيدهم، ثقة فيهم، بما يوجب عليهم اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة للمحافظة على المرضى، لذلك حرصت التشريعات الوضعية والأحكام القضائية على إحاطة مباشرة مهنة الطب بالكثير من القواعد والإجراءات والأصول العلمية والطبية والقانونية التي تقتضيها مباشرة هذه المهنة للحفاظ على حياة المرضى بين يدي الأطباء، كما تكفل للأطباء الاستقرار والسكنية في مباشرتهم لعملهم، منها أن يؤدوا أعمالهم بأنفسهم بدقة وأمانة، كما أنه ليس من شك في أن الطبيب ليس ملتزمًا بنتيجة وإنما منوط به بذل عناية الرجل الحريص الذي يتعين عليه أن يتخذ كافة الاحتياطات اللازمة للمريض أثناء الجراحة طبقًا للأسس العلمية المتعارف عليها والفنية والطبية المسلم بها، والتي يقتضيها علم الطب في مثل العملية الجراحية التي يتم إجراؤها وإجراء كافة الفحوصات اللازمة قبل إجراء العملية.

 

وذكرت المحكمة أن الثابت من الأوراق، أنه نسب إلى الطاعنين قيامهما بإجراء جراحة خاطئة بمستشفى المطرية التعليمي للسيدة (ن.ع.ع) ترتب عليها استئصال ثديها في غير الأحوال الموجبة لذلك، وحال خلوها من الورم السرطاني، ما تخلف لدى المريضة من جراء هذا الخطأ الطبي الجسيم عاهة مستديمة متمثلة في استئصال الثدي الأيسر، وبسؤال السيدة المذكورة أقرت في التحقيقات أنها ذهبت إلى مستشفى المطرية إثر معاناتها من التهابات في الثدي الأيسر، وعرضت حالتها على الطاعن في الطعن الأول فطلب منها إجراء بعض التحاليل ثم أخبرها بضرورة إزالة خُراج بذات المستشفى وأن تكلفة العملية 11.000 جنيه، وأخبرها بضرورة وجود الطاعن في الطعن الثاني كطبيب تحاليل، وتم تحديد إجراء يوم العملية بعد تلك الزيارة بيومين، وأضافت أنها وهي على فراش المرض قبل العملية علمت من زوجها أن الطاعن في الطعن الأول تواصل مع زوجها ليخبره بوجود ورم سرطاني يجب استئصاله فأخبره الزوج أن هذا غير ما اتفق عليه قبل إجراء العملية بعدم حصول استئصال للثدي، ثم تركه ليكمل العملية، ثم جاءت نتائج تحليل العينة التي تم استئصالها بمعمل الطاعن في الطعن الثاني بما يفيد خلو العينة من المرض السرطاني، وعليه قامت بعمل محضر بقسم شرطة المطرية ضدهما.

 

وأوضحت المحكمة أن تقرير الطب الشرعي في القضية رقم 6967 لسنة 2017 جنح المطرية عن الواقعة الماثلة ثابت فيه أن السيدة (ن.ع.ع) تعاني من التهاب بالثدي الأيسر باتساع بسيط بقنوات الثديين وتضخم بالغدد الليمفاوية تحت الإبط ثم تكوَن خُراج مزمن بالثدي الأيسر، وأن ما تعاني منه السيدة المذكورة ليس ورما سرطانيًا، ولكن قد يظهر عليها بعض الصفات الإكلينيكية التي تحدث لبسا بينها وبين صفات سرطان الثدي مثل تكون كتل نسيجية بالثدي أو خروج إفرازات من حلمة الثدي أو انكماش حلمة الثدي للداخل، وهو ما يحتاج إلى توافر معلومات من ثلاثة فحوصات سريري وإشعاعي وباثولوجي للتفرقة بين الحالتين، حيث يصعب التفرقة بينهما عن طريق الفحص السيتولوجي للخلايا فقط، إذ كان يجب علاج الحدث المؤثر أولًا وهو الالتهاب ثم إعادة أخذ العينة مرة أخرى للوصول إلى قرار جازم بشأن وجود خلايا سرطانية من عدمه، ومن ثم يؤخذ على الطاعن في الطعن الأول كطبيب جراحة اتخاذه قرارا خاطئا بالتدخل الجراحي، متمثلا في استئصال الثدي الأيسر، خاصة أنه فحص عينة الشاكية المجني عليها كانت قد أُخذت منها وهي تعاني من التهابات صديدية بالثدي الأيسر على هيئة خُراج، ما يلتبس معه التشخيص النهائي للحالة، وهو يعد منه خطأ فنيا جسيما.

 

كما يؤخذ على الطاعن في الطعن الثاني أنه كطبيب مُجري الفحص المجهري كان يتعين عليه إما الانتظار حتى يتسنى علاج المريضة من تلك الالتهابات الصديدية بالثدي الأيسر وتمام شفائها مع أخذ عينة أخرى لفحصها مجهريًا لتفادي الالتباس في التشخيص وإما اللجوء إلى طريقة طبية أخرى لسحب تلك العينة من الطرق الطبية المتعارف عليها إما عن طريق السحب الإبري المركزي أو عن طريق السحب الإبري الموجه بالتصوير الإشعاعي، الأمر الذي يعد منه خطأ فنيا جسيما، ومن ثم فإن الخطأ المهني الجسيم يتحقق بشأن الطاعنين في الطعنين الماثلين الذي تخلف عنه لدى المريضة عاهة مستديمة متمثلة في استئصال الثدي الأيسر.

 

واختتمت المحكمة أن المخالفات المنسوبة للطاعنين ثابتة في حقهما ثبوتًا يقينيًا على النحو المرفق بالتحقيقات، وما أكده تقرير الطبيب الشرعي في القضية رقم 6967 لسنة 2017 جنح المطرية، ويتعين أخذهما بالشدة الواجبة  لكونهما من كبار الأطباء، بما ينبغي على الطاعنين اتخاذ كافة الإجراءات والاحتياطيات اللازمة، وفقا للأصول العلمية والفنية لمهنة الطب، حفاظا على صحة المريضة والحيلولة دون حرمان السيدة المذكورة من التمتع بجزء من جسدها واستئصال ثديها في غير الحالات الموجبة له، وهو ما ينال من واجبهما بأداء العمل المنوط بهما بدقة وأمانة، ويضر بحسن سير المرفق الذي ينتميان إليه ضررا بالغًا، ما يفقدهما الثقة والاعتبار اللازمين لتولي الوظائف العامة والاستمرار فيها، الأمر الذي يشكل في حقهما ذنبًا إداريًا جسيما يستوجب مجازاتهما عنه تأديبيا بما يردعهما عن تنكبهما جادة الصواب، ويكون مجازاتهما بعقوبة العزل من الوظيفة مع الاحتفاظ بالمعاش، على النحو الذي ذهب إليه مجلس التأديب في القرار المطعون فيه حقًا وصدقًا.