الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تفجير بيروت.. الإمبراطور يترنح

تفجير بيروت.. الإمبراطور يترنح

كُتب على تلك البَلدة الحزن والدم والدموع. كُتب على تلك الأمّة الألم. ضربت بيروت الحزينة. دفعت لبنان الثمَن. وسيدفعه غيرها. ثمَن غضب الإمبراطور. الجميع مُرتبك. كل يوم يمر يحتدم الصراع الكوكبى. صراع إمبراطورى لا يعرف الرحمة. يدهس فى طريقه كل متواطئ وكل معترض وكل غافل وكل متكاسل وكل فقير للفكر.



 

 العُشب يُسحَق تحت أقدام الأفيال المتصارعة. العالم ينقسم شطرين والإمبراطوريات الغاضبة لا ترحم. الكوكب ما بين إمبراطور متسيد غاضب. وإمبراطور قادم هادئ ومتزن. كل يوم صفقات وتحالفات جديدة. شاخ الإمبراطور الأمريكى. لذا فالصراع شرس ومُميت. انفجرت بيروت. ضُربت (بقنبلة ما) كما قال الرئيس الأمريكى ترامب فى أول تصريح له بعد الانفجار. قالها وكأنها ذلة لسان ليخرج البنتاجون ويُكذبها. بيروت ضُربت بالقنبلة التكتيكية «بى - 61 - 11» التي يستخدمها الجيش الأمريكى منذ عام 1997م، وهى قنبلة نظيفة ومثالية للاستخدام ضد المخابئ العسكرية المتواجدة تحت الأرض. القنبلة النووية التكتيكية توفر قوة انفجارية هائلة فى مساحة محدودة، ويمكن استخدامها فى المعارك المباشرة، وقوتها الانفجارية واحد كيلو طن (تكافئ ألف طن من مادة تى إن تى). قوة القنبلة تكمن فى قدرتها على اختراق الأرض قبل الانفجار ويمكنها تدمير أى تحصينات تحت الأرض مَهما كانت قوة تلك التحصينات. الانفجار كان كأى انفجار نووى.

 

عمود من الدخان الكثيف ثم انفجار هائل على هيئة «عيش الغراب». ضربت الولايات المتحدة مَخزنًا لمواد نووية تحت حراسة حزب الله، ولن يُعلن صراحة عن ما حدث. تأجيل إعلان المتهمين فى قضية اغتيال رفيق الحريرى إلى 18أغسطس بدلًا من إعلانها الجمعة 7أغسطس يعنى أن الرسالة الأمريكية المشفرة وصلت لبكين وتم فك شفرتها. الرسالة عنوانها خروج الصين من البحر المتوسط وتفكيك حزب الله- ذراع إيران الموالية للصين-. تأجيل إعلان المتهمين فى قضية الحريرى يعنى أنه لن نعرف حقيقة تفجير مرفأ بيروت الآن على الأقل. سيتم الدفع بملايين القصص والحكايات والشائعات والصور والفيديوهات لوسائل الإعلام المختلفة وللسوشيال ميديا لتتوه الحقيقة لوقت ما. ضربُ بيروت تم بعد أيام من تسريب بنود معاهدة «إيران - الصين». فى الماضى القريب كانت إيران الملالى هى اليد اليسرى للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط بينما لاتزال إسرائيل هى اليد اليُمنَى.

 

أخذت إيران الضوءَ الأخضر للانتشار فى الشرق الأوسط. وعندما بدأت الأموال الصينية تتدفق على القادة فى إيران وعلى الحرس الثورى؛ أعطت الولايات المتحدة الضوءَ الأخضر للبديل ليتحرك ويحتل مساحات إيران. كان الأتراك هم البديل المثالى. وهو اختيار إمبراطورى ذكى. فوائد الأتراك للولايات المتحدة فى حربها مع الصين متعددة. دخل الأتراك العراق وسوريا ولبنان وليبيا ومضيق باب المندب والشمال الإفريقى ومعظم إفريقيا. فى إفريقيا سيتم تخصيص قسْم من ميزانية الـ60 مليار دولار الضخمة التي أعلن عنها الرئيس الصينى شى جين بينغ لتقوية استثمارات بلاده فى القارة السمراء. أزاحت تركيا كل تواجُد إيرانى فى الإقليم. والهدف الأكبر هو الوصول إلى كل بقعة أرض وقعت تحت أقدام الصينيين. سيظهر أردوغان فى بيروت بأشكال متعددة ليزيح التواجُد «الإيرانى- الصينى».

 

وكان قد زحف الأتراك من قبل إلى ليبيا بأمر واضح من الولايات المتحدة. اتجه أردوغان إلى الغرب الليبيى على الحدود الشرقية الجزائرية. فكل الاستثمارات الصينية الضخمة تقع شرق الجزائر. اخترقت الصين فى الأعوام الأخيرة السوق الجزائرية عبر مجالات البناء والأشغال العامة وفى طريقها إلى الانتهاء من مشروع الطريق السريع شرق غرب الذي يمتد لمسافة 1216 كيلومترًا. كما أنها تولت بناء جامع الجزائر الكبير ليصبح ثالث أكبر مسجد فى العالم. إضافة إلى توسعة مطار الجزائر. والأهم هو مشروع ميناء الحمدانية على البحر المتوسط.الذي سيتم ربطه بثلاث مناطق صناعية كبرى وخط جديد للسكك الحديدية. قدرت ميزانية المشروع بنحو 3.3 مليار دولار أمريكى. فدخل أرودغان غرب ليبيا زاحفًا ناحية وسط وشرق ليبيا لاستفزاز مصر والضغط عليها. تأزّم الأمر وانفجر الموقف العالمى ووصل لحافّة الهاوية عندما أعلنت إيران اتفاقية التعاون بينها وبين الصين لمدة 25 عامًا. حسم الإيرانيون أمرَهم وأعلنوا تسليم بلادهم كاملة للصينيين؛ حيث وافق المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى على الاتفاقية التي تتضمن توقيع إيران عقودًا مع الصين لتنفيذ مشروع خطوط سكك حديدية فى مختلف مناطق إيران، بالإضافة إلى خط أنابيب غاز يربط إيران بتركيا ثم كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان، وهو مشروع جيوسياسى صينى بعنوان «حزام واحد - طريق واحد One Belt، One Road».. إيران ستمنح صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات والنقل وحتى الصناعات العسكرية للصين. وتنوى الصين الاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة حاليًا فى إيران لبناء المصانع التي سيتم تمويلها وتصميمها والإشراف عليها من قبل شركات التصنيع الصينية الكبيرة ذات المواصفات والعمليات المماثلة فى الصين.

 

العناصر السّرّيّة للصفقة الموقّعة العام الماضى هو أن الصين ستستثمر 280 مليار دولار أمريكى فى تطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات فى إيران؛ حيث ستدفع الصين هذا المبلغ مقدمًا فى فترة السنوات الخمس الأولى من صفقة الـ 25 عامًا الجديدة. كما سيكون هناك استثمار آخر بقيمة 120 مليار دولار أمريكى بدفع مقدم أيضًا فى فترة السنوات الخمس الأولى لتطوير البنية التحتية للنقل والصناعة فى إيران، وسيتم التمديد فى كل فترة لاحقة إذا وافق الطرفان. كما ستقوم الحكومة الصينية بسيطرة شبه كاملة على جزيرتى «كيش وقشم» الإيرانيتين ويسمح للصينين بالصيد فى الجزيرتين من دون شروط محددة. كما ستقوم الحكومة الصينية أيضًا بتطوير ساحل وميناء «جاسك» المطل على مضيق هرمز والقيام باستثمارات صناعية طويلة الأجل بالميناء. كما ستقوم الصين بتقديم جدار حماية إلكترونى كامل للحكومة الإيرانية مع تطوير برامج مكافحة الفيروسات الإلكترونية حتى داخل المنشآت النووية والعسكرية.

 

وكان لا بُد من رد إمبراطورى قوى يرسل برسالته لكل من تسول له نفسُه الاقترابَ من نفوذ ومصالح الإمبراطور الأمريكى. فتم الرد فى تفجير مرفأ بيروت، وهو تفجير لا يقدر أحد على تحمُّل تبعاته الأخلاقية غير الولايات المتحدة الأمريكية. الرد الأمريكى فى لبنان على اتفاقية «إيران - الصين» كان قد سبقه تهديد واضح وصريح بل وقاسٍ تمثل فى سلوك وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو تجاه إسرائيل.

 

طالب «بومبيو» إسرائيل بالحد من علاقاتها مع بكين، ووعد المسؤولون فى تل أبيب بدراسة الأمر؛ حيث وجّه وزير الخارجية الأمريكى تهديدًا ضمنيّا بتقليص التعاون الاستخباراتى فى حال ظلت الاستثمارات الصينية على حالها. فقد عبّرت الولايات المتحدة عن قلقها من إدارة الصين لمشروعات ضخمة فى إسرائيل فى ميناء حيفا؛ حيث قالت البحرية الأمريكية إنها قد توقف عملياتها فى الميناء فى حال استمرت الصين فى الإشراف عليه، وذلك بعد أن أثار مسؤولون سابقون فى الولايات المتحدة الأمر وقالوا إن الإدارة الصينية للميناء قد تعرض عمليات البحرية الأمريكية للخطر. يستضيف ميناء حيفا بشكل دوري تدريبات مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة. كما ترسو فيه بانتظام قطع بحرية أمريكية من بينها حاملة الطائرات جورج بوش. كان عام 2015م أبرمت فيه وزارة النقل فى إسرائيل ومجموعة شانغهاى الدولية للموانئ التي تمتلك الحكومة الصينية حصة الأسد فيها اتفاقًا لإدارة ميناء حيفا. وتبلغ مدة الاتفاق 25 عامًا وخصصت الشركة الصينية مبلغ مليارَى دولار من أجل المشروع الذي تسعى من خلاله لتطوير الميناء. العين الحمراء الأمريكية التي أظهرها «بومبيو» للإدارة الإسرائيلية كان ضحيتها السفير الصينى فى تل أبيب  (دو وى)؛ حيث وُجد ميتًا فى شقته بضاحية هرتسيلا شمال تل أبيب.

 

وتأتى وفاة السفير الصينى بعد أيام معدودة على زيارة وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو إلى إسرائيل. العقاب الأمريكى لإسرائيل لن يتوقف على وفاة السفير الصينى بل يمكن أن يمتد لإنهاء حياة بنيامين نتانياهو السياسية. العالم يتشكل من جديد. يتشكل لقرن مقبل. للصين نصيب كبير فى قيادته وقد أعدت العدة لذلك. وتلك قصة أخرى.