الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الأدرينالين السياسي 

الأدرينالين السياسي 

لن أوافقك الرأي عزيزي القارئ، إن قررت تجنب المشهد الانتخابي الحالي، لأن ما تم في الكواليس ينبئ بأن الأداء السياسي سيقدم عرضًا هو الأول من نوعه، قد يغير في أذهاننا ما خلفته العصور الغابرة، بعد أن ترك الماضي الأحزاب على صورتين، الأولى هي الأحزاب الكبيرة المتوحشة التي تمزج السياسة بالمصالح وتبتلعهما معًا، الثانية هي الأحزاب الصغيرة المغلوبة على أمرها، التي تصارع الأمواج العاتية كي تجد لنفسها مكانًا وسط الكبار، أو قد تأخذ موقف المقاطع كنوع من تغليف ضآلة تأثيرها ببعض من الكبرياء.



 

قبل شهور من الآن لم يتخيل عتاولة أحد الأحزاب "الثقيلة"، أنهم سيجلسون إلى طاولة مفاوضات تجمع أحزابًا أخرى، ويقبلون التنازل عن عدد من مقاعد مجلس الشيوخ لصالح التوزيع العادل الذي تفرضه التعددية الحزبية، صحيح أن تلك المفاوضات أخذت من الوقت ما يلزم ويفيض، وصحيح أنها لم تتم بالسلاسة المأمولة، لكن هذا يعد بادرة جيدة ويظهر أن الأحزاب الصغيرة نسبيًا أصبح لها مخالب وأنياب تصارع بها من أجل البقاء، وسعت بكل قوة لتقسيم المقاعد مجلس الشيوخ بنظام القائمة، للحيلولة دون هضم أغلبيتها في معدة واحدة، ليس هذا فحسب بل أيضًا الأسماء التي دفعت بها الأحزاب تعطي انطباعًا بأن المفاوضات كانت متأججة يفوح منها رائحة الأدرينالين، فبعض الأحزاب حرقت أوراقها الرابحة ودفعت بأثقل قيادات لديها في انتخابات الشيوخ، والبعض الآخر قدم حصان طروادة ودفع بالقيادات الأخطر، والتي تدير الحزب كالأصابع الخفية، تحرك كل شيء ولا تظهر في الصورة الواضحة، أصبحت الآن في الصفوف الأمامية، وكشفت عن وجهها لتدير بنفسها المشهد عن قرب، وهذا يعكس حالة الترقب والتحفز التي تعيشها الأحزاب.

 

وإذا اقتربنا من تحليل الوضع أكثر سنجد أن القشرة الأرضية، التي يقف عليها التشكيل الحالي للبرلمان تتعرض لخلخلة شديدة، بعد أن أفقدت التكتلات الحالية مصداقية الرجل السياسي، وحاولت فرض شرعية على لعبة الكراسي الموسيقية والتأرجح بين الانتماءات السياسية، بهدف الارتماء في حضن الأغلبية الدافئ، وفي الحقيقة أن تبديل الانتماء السياسي هو سمعة سيئة تظل ملاصقة لصاحبها، والغالب أن كل حزب له كباره ولا يقبلون على الإطلاق بمساومات الإحلال والتبديل، ولن يتنازلوا عن مقاعدهم للقادم من خارج الحزب وسيتعاملون معه على أنه عضوية مضافة للقيمة العددية للكيان، أو إن كان من القطط السمان ويمتلك ثروة مستعد لإنفاقها في سبيل الحصول على بعض الامتيازات والفوز بالحصانة النيابية فسيعتبرونه "شوال فلوس" ملقى على قارعة الطريق، لا أهل له ولا صاحب، في النهاية هي مسألة أشبه بانتحار سياسي، والتهوين منها ناتج عن حالة نضوب مرت بها الحياة السياسية السنوات الماضية، ومع الشكل الحالي من المحاصصة وتوزيع القائمة الانتخابية على ١١ حزبًا، وتضييق القانون على ظاهرة تبديل الانتماء السياسي ستنكمش هذه الظاهرة وتعود الممارسة السياسية إلى صوابها.

 

ولا يمكن التغافل عن فكرة وجود قائمة انتخابية وحيدة بلا منافس، وهذا أمر تتحمله برمته الأحزاب التي تخاذلت واستكانت، لو كانت القائمة الانتخابية قائمتين أو ثلاثًا يتنافسون في مناخ انتخابي نزيه، لفتح هذا أبواب أوسع لدخول المزيد من الأحزاب للمعترك الانتخابي وظهور تكتلات حزبية تعبر عن شريحة أخرى من السياسيين وتثري المشهد الانتخابي، وتخلق منافسة حقيقية، لكن حالة الاسترخاء والخمول التي ركنت إليها الأحزاب جعلتها لا تنتبه للفرصة المتاحة ونأمل أن تصحو باقي الأحزاب من غفوة الماضي، وتعد نفسها بشكل أكبر لانتخابات مجلس النواب.