الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
آليات ومتطلبات قطاعي الصناعة والتشييد بمصر في مواجهة جائحة كوفيد – 19

آليات ومتطلبات قطاعي الصناعة والتشييد بمصر في مواجهة جائحة كوفيد – 19

يمر العالم منذ ديسمبر 2019 بأزمة غير مسبوقة لم يواجه مثيلا لها منذ أزمة الكساد الكبير في أوائل القرن العشرين، تلك الأزمة الناتجة عن تفشي فيروس كورونا المستجد والتي تعرف بجائحة كوفيد – 19. يتمثل جوهر الأزمة في كونها تؤثر على صحة الإنسان بشكل مباشر وهو ما ينعكس بالتالي على كل قطاعات النشاط الاقتصادي. تضرر الاقتصاد العالمي بشكل كبير وظهر ذلك في إنخفاض حجم الإستثمارات ومعدلات التجارة الدولية مما أثر بالسلب على سوق العمل، وما تبعه من توقعات بتزايد مستويات الدين العام. ما يزيد من صعوبة أزمة كوفيد – 19 هو أن بها قدرا كبيرا من عدم الوضوح بمعنى أننا لا نعرف متى تنتهي وإن كان سيظهر لها موجات ثانية أوثالثة قبل التوصل لعقار طبي لهذا الفيروس وماذا سيكون حجم التداعيات الاقتصادية للجائحة حينئذ، في ظل حالة الركود الاقتصادي العالمي وتوقف بعض القطاعات بشكل كامل عن العمل مثل  قطاعات السياحة والنقل الجوي لفترة قاربت الأربعة شهور وتوقف بعض القطاعات بشكل جزئي مثل التجارة الداخلية والتعليم. 



 

في محاولة لفهم الأبعاد الفعلية للصورة على أرض الواقع تم إجراء دراسة على مجموعة من المهندسين العاملين في السوق المصري في مختلف المجالات الهندسية. تهدف الدراسة إلى التعرف على أهم التحديات والفرص التي واجهت قطاعي الصناعة والتشييد على وجه الخصوص منذ بداية الجائحة في جمهورية مصر العربية.

 

تم إجراء إستقصاء رأي يتكون من أحد عشر سؤالا موزعة على ثلاثة أجزاء. الجزء الأول يحتوي على ستة أسئلة لتحديد هوية المهندس، ودرجته الوظيفية، وعدد الموظفين بالمؤسسة، وعدد سنوات تواجد المؤسسة بالسوق المصرية. الجزء الثاني يحتوي على ثلاثة أسئلة مغلقة تعتمد على نظام إختيار الأجابة من بين متعدد مع إعطاء الحرية للمشترك إما لإختيار أكثر من إجابة أو بإضافة إجابة غير موجودة بالإختيارات المعطاة. يختص الجزء الثاني من الإستقصاء بالأسئلة المتعلقة بالآثار السلبية والإيجابية للجائحة على أداء المؤسسة وإذا ما توقفت المؤسسة عن أداء وظيفتها أو الطريقة التي إتبعتها للحفاظ على سريان أعمالها منذ بداية الجائحة في مصر. الجزء الثالث يحتوي على سؤالين بنظام الإجابات الحرة لمعرفة رأي المشارك في الدور الذي ينتظر أن تلعبه الحكومة لمواجهة الجائحة وكذلك الدور المتوقع أن تقوم به الجامعات والمؤسسات البحثية في ذات الصدد. تم إستقبال عدد 100 إستقصاءا صحيحا من مهندسين وخبراء ينتمون إلى 80 مؤسسة مختلفة.

 

تم تقسيم المشاركين في الإستقصاء إلى ثمانية مجالات هندسية كما هو مبين بالشكل رقم 1. كانت أكثر المجالات الهندسية تجاوبا مع الإستقصاء هي مجالات التشييد والبناء (33 مشارك) ومكاتب الإستشارات الهندسية (23 مشارك) ومجالات الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات (15 مشارك) والمجالات المرتبط عملها بالسكك الحديدية مثل الإشارات، صيانة وتصنيع الوحدات المتحركة، أنفاق المترو، ومحطات التحكم المركزي (13 مشارك) ثم تلتها مجالات الصناعات البترولية، الإستثمار العقاري، التعليم الهندسي وأخيرا المصانع الإنتاجية. كانت أكبر نسبتي مشاركة في الإستقصاء من المؤسسات الضخمة والتي يعمل بها أكثر من 500 موظف بنسبة 41% يليها الكيانات الصغيرة (1 – 20 موظف) بنسبة 26%. أما على صعيد عدد سنوات تواجد المؤسسات في السوق المصري يتضح أن أكبر نسبتي مشاركة كانت من المؤسسات العريقة (> 30 سنة) بنسبة 40% يليها المؤسسات الناشئة (1 – 10 سنوات) بنسبة 24%.

 

 

 

يوضح الشكل رقم 2 الآثار السلبية التي واجهت المؤسسات في قطاعي الصناعة والتشييد منذ بداية الأزمة. فنجد أن 53% من عينة الدراسة إتفقت على أن أبرز المشكلات التي واجهت مؤسساتهم تمثلت في إنخفاض طلب العملاء على منتجات هذين القطاعين. وإتفقت 38% من العينة أن المشاكل اللوجيستية المتعلقة بانتقال المواد الخام بين المواقع، تصاريح المرور، إضطراب مواعيد ورديات العمال وصعوبة وصول الموظفين في مواعيد العمل كان لها تأثير كبير على أداء مؤسساتهم. كما مثلت مشكلة الوفاء بمرتبات الموظفين تحد كبير لدى 32% من العينة. على النقيض أشارت 6% فقط من العينة إلى أن مؤسساتهم لم تواجه مشكلات خلال الأزمة (وكان توزيع هذه النسبة كالآتي: 2% لكلا من قطاع التشييد والبناء، وقطاع الإستشارات الهندسية، 1% لكلا من قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وقطاع التعليم الهندسي).

 

 

رصدت الدراسة بعض الجوانب الإيجابية التي إستفادت منها المؤسسات في قطاعي الصناعة والتشييد خلال الأزمة وكان على رأسها زيادة الإهتمام بسلامة الموظفين والعمال الصحية، وزيادة الإنفاق على مخصصات السلامة والصحة المهنية (بنسبة 56% من العينة). 37% رصدوا توفيرا في نفقات التشغيل نتيجة الإعتماد على سياسات جديدة مثل العمل من المنزل. 14% سجلوا زيادة في معدلات إنتاج مؤسساتهم نتيجة العمل أثناء توقيتات حظر التجوال. على الرغم من أن 7% أشاروا إلى زيادة الطلب على منتجاتهم (5% منهم في قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات) فإن 19% أوضحوا أن مؤسساتهم لم تشهد أي تطورات إيجابية خلال الأزمة. 

 

أظهرت جائحة كوفيد – 19 (بنسبة 68% من العينة) أنه لا بديل أمام المؤسسات عن تغيير نمط العمل وسرعة تفعيل التقنيات والوسائط الرقمية في أداء الكثير من الوظائف المطلوبة. تشير أيضا نتائج الدراسة إلى أن حوالي ثلث المؤسسات المشتركة في الإستقصاء تبنوا منهجيات عمل مختلفة و طرقوا أسواقا جديدة، كما أعادوا النظر في الهياكل الإدارية لرفع كفائتها. وكانت بالتأكيد قرارات كتخفيض مرتبات الموظفين (نسبة 24% من العينة) أو إغلاق المؤسسة (نسبة 5% من العينة) هي أسوأ القرارات التي إضطرت المؤسسات لاتخاذها نتيجة الجائحة.

 

في معرض الإجابة عن السؤال العاشر بالإستقصاء بنظام الإجابات المفتوحة عن الدور الذي يتوقعه المشاركون من الدولة لمواجهة الأزمة، أوضحت الدراسة أن 34,2% طالبوا بضرورة تقديم صور مختلفة من الحوافز الضريبية والدعم التمويلي مثل قروض بدون فائدة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلغاء ديون صغار المستثمرين، تخفيض الضرائب والجمارك والتأمينات أو إعادة جدولتها. كما أكد 13,7% من العينة على ضرورة إمتداد العقود القائمة لمدة ستة شهور مع إلغاء غرامات التأخير. وطالب 8,2%  بالرقابة على أسعار الخامات وتخفيض أسعار الغاز والكهرباء للمنشآت الصناعية. أشار 21,9% إلى ضرورة الإهتمام بتطوير المنظومة الصحية وزيادة الوعي المجتمعي تجاه الصحة والبيئة وضرورة وضع ضوابط وإشتراطات صحية للتعاملات بالأسواق ووسائل النقل والمواصلات. كما طالب 12,3% برفع كفاءة شبكات الإنترنت وزيادة سرعتها مع تقليل أسعار الخدمة. ومثلت مطالبات بتسهيل الإجراءات الإستثمارية من تراخيص وتصاريح، وسرعة سداد مستحقات المقاولين والموردين نسب 8,2% ، 6,8% على الترتيب، من العينة المشاركة في الإستقصاء. 

 

 

يمكن تلخيص رؤية المشاركين في الإستقصاء، للدور العلمي والتثقيفي الذي يجب أن تتصدى له الجامعات ومراكز الأبحاث في ضرورة الإهتما بالبحث العلمي في مجالات: الأبحاث الطبية والدوائية (25,6%)، مشروعات تطوير تكنولوجيا التعلم عن بعد والتحول الرقمي للحكومة (24,4%)، تكنولوجيا المعلومات والذكاء الإصطناعي (20,5%)، المقررات ذات البعد التوعوي والمشاركة المجتمعية لطلبة الجامعات (14,1%)، دراسات اقتصادية للتعامل مع الأزمة (12,8%)، الهندسة الطبية (7,7%)، علوم إدارة الأزمات (5,1%)، دراسات اجتماعية لتأثير الأزمة (5,1%). 

 

يمكن تلخيص أهم التوصيات التي خرجت بها هذه الدراسة فيما يلي: 

 

الحاجة الملحة لتقديم دعم تمويلي متنوع من الدولة لقطاعي الصناعة والتشييد مع تخفيض للضرائب والتأمينات والجمارك حتي يستعيد القطاعان عافيتهما.

 

ضخ الدولة للمزيد من الإستثمارات في المشروعات الكبرى كثيفة العمالة.

 

ضرورة تطوير المنظومة الصحية وزيادة الوعي المجتمعي لقضايا الصحة والبيئة. 

 

تحسين ورفع كفاءة قطاع تكنولوجيا المعلومات، وسرعة تفعيل الحكومة الإلكترونية.

 

الإهتمام بالبحث العلمي في المجالات الطبية والهندسية والذكاء .