الخميس 1 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الدولة الوطنية... لماذا؟

الدولة الوطنية... لماذا؟

ببساطة، لأنها النموذج الأوفر حظاً في إطار تبني تطلعات الشعوب في حياة كريمة حرة، مثلما هي الأقدر علي الانسجام مع قيم ومبادئ العلاقات الدولية المعاصرة المرتكزة علي قواعد القانون الدولي، ومبادئ المنظمة الأم، الأمم المتحدة.



وبنظرة موضوعية فاحصة للمنطقة، نجد أن صراعاً عاتياً يعاني منه مفهوم "الدولة الوطنية"، صراع هو بالأساس بين الشعوب مالكة مستقبلها علي سبيل الحصر، وأطماع غير مشروعة في خيراتها. ربما تأتي هذه الأطماع من الداخل من خلال نخبة غير مؤهلة لتلبية شروط المستقبل المُشرق الذي تنتظره شعوبها. وربما تأتي تلك الأطماع من الخارج في صورة قوى إقليمية أو دولية تبحث عن مصالحها علي حساب الحقوق المشروعة للشعوب.

ففي لبنان، ذلك البلد العربي الشقيق الجميل صاحب الحضور الطاغي في المُخيلة العربية علي اختلاف منابعها الوطنية، نجد أن الأدبيات السياسية لطالما أفردت صفحات مُشرقة لمنسوب ممارسته الديمقراطية. إلا أن بناء ديمقراطيته علي أسس طائفية طعن مفهوم الديمقراطية في مقتل، ونجح في الإطاحة بلبنان إلي الخلف عشرات السنين؛ إذ ما زالت لبنان لم تسترد عافيتها التي مزقتها الحرب الأهلية الشهيرة التي تحتفظ إلي الآن برمادها ساخناً بل ملتهباً.

في هذا المناخ، المضاد لجوهر قيم التعددية السياسية، طبيعي أن تنمو بيئة الفساد السياسي، وتتربع علي العرش قيم المال والسلاح علي حساب قيم التعايش السلمي والأمن والمشاركة السياسية المؤهلة لبناء دولة وطنية ديمقراطية حديثة تتبني ما بلغته الإنسانية من رُقي، وما حققته العلاقات الدولية من مكتسبات فعلية تنتصر لكافة قواعد القانون الدولي، والأعراف الدولية، والمبادئ الأممية الراسخة.

الحال ذاته في ليبيا؛ إذ تراجع مفهوم "الدولة الوطنية" بضغط من أطماع داخلية لم تجد غضاضة في التعاون مع أطماع خارجية علي حساب الحقوق المشروعة للشعب الليبي في العيش الكريم في ظل ثرواته الكفيلة بإحداث نهضة تنموية هائلة، ما غابت طويلاً إلا لغياب مفردات مفهوم "الدولة الوطنية" منذ استقلال ليبيا وحتى الآن.   من اليمن، إلي سوريا، إلي الصومال، يمكن رصد آلام الشعوب المقهورة، وأوجاع مفهوم "الدولة الوطنية"، وبيان تداعيات تراجعه بشكل تكاد تنفرد المنطقة بزخمه، حتى بات ملمحاً رئيساً يلعب دوره المنطقي في عرقلة جهود التنمية.

وما كان لمصر أن تنتصر علي أعدائها، في الداخل والخارج، إلا بارتكازها الصحيح علي مفهوم "الدولة الوطنية"، وتمسك الشعب بقيمه الحضارية التاريخية، ما بين جيش وطني بالأساس، وشعب متلاحم لا تفرقه الأهواء السياسية، ومؤسسات وطنية لا تعمل إلا لحساب الشعب حفاظاً علي "الدولة" ككيان جامع لكافة أبناء الوطن علي أرضية وطنية خالصة لا تشوبها مصالح سياسية؛ ومن هنا كان الفناء نهاية طبيعية للجماعة الإرهابية التي أرادت العودة بالوطن إلي عهد الاستعمار العثماني البائد.

"الدولة الوطنية"، نموذج أسست له مصر منذ آلاف السنين، وهو أفضل ما يقدمه الشعب المصري دعماً لأشقائه العرب، هنا وهناك، وهي مسؤولية تاريخية أبداً لم تتخلف مصر عنها؛ فلطالما كانت مصر المُعلم الأمين، وستظل بإذن الله.

[email protected]