الخميس 1 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
إبراهيم عيسى.. مِنّك لله

إبراهيم عيسى.. مِنّك لله

بعيدا عن الإشارة إلى البطء، والـ"أفورة" في فيلم "صاحب المقام" الذي أتاح عرضه عبر شبكة الإنترنت لي وللكثيرين أن نشاهده داخل البيوت.



بعيدا عن الشخصيات النمطية بفجاجة التي تبحلق للكاميرا ثم تقول جملا خطابية حول الاستعانة بالأولياء بعد رحيلهم.

بعيدا عن الاستغراق في كل ذلك فإن أكثر ما يزعج في الفيلم هو ما قام به المؤلف إبراهيم عيسى من تطبيع للعلاقات مع فكرة إشراك واسطة بين المسلم وبين الله سبحانه كي يستجيب لدعائه، وقد جعل المؤلف هذه الفكرة تسري في الفيلم عبر كتابة الناس لخطابات إلى الإمام الشافعي يطلبون فيها من الله سبحانه أن يحقق لهم أمنيات معينة، وهو أمر يحمل شبهة إشراك آخرين لتوصيل دعائنا إلى الله، بينما هو القائل في كتابه الكريم "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب".

وإذا كان هناك من فسدوا وأفسدوا في حياتنا وجعلوا اللجوء للواسطة هي الوسيلة التي صارت معتادة ليحقق المواطن مايريد، فلا يجب الاستهانة بترسيخ فكرة اللجوء إلى الواسطة والعياذ بالله كي يحقق الله لنا مانريد، فأن يمر دعاؤنا إلى الله عبر بوابة الأولياء أو ماشابه ذلك هو أمر يحمل شبهة الشِرك، وإذا كان هناك بسطاء يفيض بهم البؤس، ويتم إغلاق الأبواب في وجوههم، ويتسبب جهلهم في سؤال الأولياء، فإن مثل هذه التصرفات غير مقبول تدعيمها دراميا.

صحيح أن شخصيات الفيلم المقهورة يطلبون في رسائلهم العون من الله، إنما هذا السؤال يتم كتابته في خطابات إلى الإمام الشافعي الذي يظنون أن عليه أن يتولى التوسط ليستجيب الله سبحانه لدعائهم.

ولم يكتف المؤلف بتسريب الفكرة عبر إرسال رسائل الدعاء إلى الإمام الشافعي، إنما كرر على لسان البطل تطبيعه للعلاقات مع فكرة أن استجابة الدعاء تمت بسبب واسطة الإمام الشافعي.

فرجل الأعمال (آسر ياسين) بطل الفيلم حين مرضت زوجته وتهددت مصالحه اتجه إلى إرضاء الأولياء الذين قيل له إنهم السبب في تعطيل مشروعاته. 

لوهلة يبدو الأمر وكأن تحولا قد حدث في حياة البطل وبدأ يهتم بمشاعر الفقراء الذين قرأ حكاياتهم عبر خطاباتهم للإمام الشافعي، لكن إذا بنا نلاحظ أنه وهو يقوم بمساعدة الفقراء الذين قرأ حكاياتهم عبر خطاباتهم للإمام الشافعي يؤكد عند توصيله للمساعدة أنه من طرف الإمام الشافعي، في بث متجدد عبر الفيلم لفكرة أن استجابة الدعاء تحققت بسبب اللجوء لوساطة أولياء الله. 

ولقد كانت كتابة رسائل للإمام الشافعي مسألة رصدها منذ حوالي نصف القرن د. سيد عويس عميد علماء الاجتماع في الوطن العربي وسجلها في كتاب حصل وقتها على جائزة الدولة التشجيعية، وكان دراسة تهتم بتحليل مضمون الرسائل وتنتقد الأمر.

كما أن فكرة كتابة رسائل بالدعاء معروفة عند الصهاينة، حيث يضعون أوراق رسائلهم في شقوق حائط البراق الذي حولوا اسمه إلى إسم حائط المبكى، ويُطلقون على تلك الرسائل اسم "الاسترحامات". وهو الأمر الذي تناوله فيلم إسرائيلي يدور حول اثنين من اللصوص قرروا التوبة بسبب نجاتهم خلال أحد التفجيرات، ثم من أجل أن يدعموا توبتهم قرروا الذهاب إلى حائط البراق (حائط المبكى عندهم) واخذوا بعض رسائل اليهود وعملوا على أن يحققوا لأصحاب الرسائل ما طلبوه فيها.

أما عندنا كمسلمين ففي الحديث الشريف: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله".

من الأمور التي بثها المؤلف عبر الفيلم هو تقديم العلاقة بأولياء الله الصالحين على طريقة إما التقديس والإعتقاد في قدراتهم الخارقة بعد رحيلهم واتخاذهم واسطة بين العبد وربه، أو على الجانب الآخر تقديم صورة من الإستهانة بفكرة أن يكون هناك ولي صالح، مع الإشارة إلى الموقف المتطرف للسلفيين في رفضهم التام للأضرحة. 

وإذا كانت أعداد السلفيين غير محددة بدقة فإن أعداد المصريين المنضمين للطرق الصوفية هي أرقام كبيرة جدا. وأذكر أن ريتشار دوني عندما كان سفيرا لأمريكا بالقاهرة كان يحرص على زيارة مولد السيد البدوي ومولد سيدي إبراهيم الدسوقي وكان يهتم بالإدلاء باحاديث مؤيدة للتصوف والموالد وزيارة الأضرحة، ربما كان لهذا علاقة بما يروق للبعض من التعامل مع نوع من التدين يشغل الناس في أمور غيبية غير دقيقة ليكون بديلا للتدين الواقعي.

فالتصوف الذي بدأ في فترة الحكم الأموي، هو حالة تولدت فيها مقاومة عبر القلب حين صار من الصعب اللجوء إلى اللسان واليد، إنما مع مرور الزمن إندست على التصوف خرافات، وقام مستفيدون منها بتكريسها. 

إنما يظل التصوف في صورته النقية كما يصفه الكاتب الكبير أحمد بهجت في كتابه "بحار الحب عند الصوفية" هو الصفاء.

هذا الصفاء الذي يسري في الأجواء في حب آل البيت، وأظن أن كثيرين مثلي في حب آل البيت يزورون السيدة زينب وسيدنا الحسين وآل البيت محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وليس لاتخاذهم واسطة تقربنا إلى الله سبحانه حاشا لله، أما العلاقة بالأولياء ففيها الإعجاب بسيرتهم، دون اللجوء إليهم لسؤالهم التوسط عند الله سبحانه. فأنا عن نفسي مرتبطة بالإمام الشافعي ومتأثرة بقصته ومواقفه وشديدة الإعجاب بأشعاره، وأشهرها "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها، فرجت وكنت أظنها لا تفرج".

والله هو الذي يفرج الهم بدون واسطة من الإمام الشافعي ولا من الأولياء.

وحين ننتبه إلى أننا نكرر في الفاتحة خلال الصلوات يوميا "إياك نعبد وإياك نستعين"، فإن هذا الإنتباه يدعم بداخلنا الإستعانة بالله في كل شئ، وأننا لا يجب أن نستعين بغير الله، وبالطبع غير مقبول أن نستعين بأولياء نطلب منهم أن يتوسطوا لنا عند الله سبحانه كي يقبل طلبنا في أن نستعين به سبحانه. 

قال الله تعالى في القرآن الكريم "أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ".

لا واسطة بيننا وبين الله سبحانه.

نرفع أيدينا بالدعاء ونطلب من الله في علاه ما نريد. 

منا إلى المولى مباشرة.

منك لله يا إبراهيم عيسى.