الأحد 20 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المشاغب والفيلسوف

المشاغب والفيلسوف

لا تفتح العين بالهين، على من يشبه محمد التابعي، فالرجل قامة من قامات مصر، وأحد الآحاد في الصحافة، “أمير الكلمة” و”أمير الصحافة”، وقد استحق اللقبين. على يديه تتلمذ إحسان عبد القدوس، وعلي ومصطفى أمين، كامل الشناوي، محمد حسنين هيكل، أحمد رجب.



 

دعته فاطمة اليوسف، (روز اليوسف كما عرفها الناس)، على خشبة “مسرح رمسيس”، وقد كانت الممثلة الأولى في روايات يوسف وهبي)، عندما عقدت النية سنة ١٩٢٥ على إصدار مجلة أسمتها على اسمها، للانضمام إلى جهاز تحريرها. يومها تردد التابعي وعذره أنه “لا يصلح إلا للكتابة في الجرائد اليومية”، فهو كان مرر قلمه على النقد في “الأهرام”، في زمن رئاسة داود بركات لتحريرها، وقتها كان يوقع مقالاته باسم “حندس”، فهو كان موظفا في البرلمان، يترجم من الإنجليزية إلى العربية بمرتب ١٢جنيها في الشهر.

 

وازداد توجسه لما سأل وعرف أن جهاز تحرير المجلة سيضم عباس محمود العقاد، إبراهيم عبدالقادر المازني، محمد لطفي جمعة، إبراهيم رمزي. 

 

ألحت الست فاطمة، واستجاب هو، فكتب صفحة نقد. وصدرت “روز اليوسف”، ولم تستطع أن تشق طريقها بسهولة في زحمة المجلات والصحف، في ذاك الزمن، وتدنى توزيعها إلى درك كاد أن يهددها بالاحتجاب المبكر، لولا عناد وإصرار فاطمة اليوسف، التي تلفتت فما وجدت إلا هو تتوكأ عليه في محنتها.

 

كان التابعي معجبا بفاطمة اليوسف كممثلة قديرة، وازداد إعجابه بها أكثر كناشرة ليس من السهل ليّ ذراعها.. فالتقط القياد، أصبح رئيسا للتحرير، أبعد العقاد والمازني وجمعة، ورمزي.. وولى المجلة يكتبها من الغلاف إلى الغلاف، فارتفع توزيعها، وزاد سعر نسختها من خمسة مليمات إلى قرش صاغ. 

 

ثم جنح بها إلى السياسة، وفي خطرات باله مجلة “الكشكول”، التي كانت تتسيد المجلات الأسبوعية، تؤيد أي حزب أو سياسي يناهض ويعارض “الوفد”، فقرر التابعي إزاحتها من دربه وجعل “روز اليوسف” الأولى مكانها.

أخذ التابعي يبحث عن رسام كاريكاتور يواجه بريشته خوان سانتوس، الذي كان يبدع في “الكشكول” برسوماته اللاذعة، المؤذية والموجعة لحزب “الوفد” وزعمائه.

 

وحدث أنه ذات يوم، كان التابعي في محترف بربريان للزنكوغراف، فالتقى ألكسندر هاكوب صاروخان.

 

بعد هذا اللقاء، انضم الرسام الأرمني إلى “روز اليوسف”، يصول و يجول بريشته ويبدع ويبهر، والتابعي بقلمه يقطع ويفري.. وبعدما ظن كثيرون أن منافسة “الكشكول”، مطلبا مستحيلا لا تبلغ إليه وسيلة، فإذا بالتابعي بهجومه على خصوم “الوفد” ومن يساندهم في الصحافة وخارجها، و”الكشكول” تحديدًا، يضاعف توزيع “روز اليوسف”، و بعد تستر على اسمه، خوفا على وظيفته، مختفيا وراء رئيس تحرير صوري هو إبراهيم خليل (كاتب حسابات في جريدة “البلاغ”، وكان صديقا صفيا لفاطمة اليوسف)، استقال من الوظيفة، و أصبح يوقع مقالاته العنيفة بسخريتها  باسمه. فاقبل الناس على “روز اليوسف”، وأصبح باعة الصحف ينادون على مجلة “روز اليوسف” و“روزا والتابعي .. روزا  و التابعي  يا جدع”!

 

لاذعًا كان أسلوب التابعي، سائغًا، على بساطة وسلاسة، لطيف الطراوة، هدارا في غضبه وسخطه، لينّا رشيق القلم أملسه متى رضي وارتضى، كل ذلك إلى ظرف حلو وحس خفيف.

 

بجملة يحول الوزير إلى مسخ، والزعيم الى مهرج، بجملة يسقط مشروع حكومة، وبأخرى يسقط رئيسها. 

 

عرف التابعي كيف يستخدم الكاريكاتور للتعبير عما يعجز عنه القلم أحيانا، توكأ على إبداع صاروخان، وبعد مدة انضم إلى المجلة محمد عبدالمنعم رخا، شيخ الكاريكاتوريين، فجمع المجد من طرفيه.

 

وأخذ صاروخان ورخا، يتناوبان بريشتيهما على الورق، فتتلألأ رسوماتهما، تضيء عتمات، “تفش خلق” الناس، تتساقط على القلب وتستقر في الوجدان…ولا غرابة في ذلك، فصاروخان ورخا من أصحاب الممتعات في نتاج فن الكاريكاتور.

 

وفي نقلة الزمن، كان خصام، وجفاء، وفراق، (كتب فيه وقيل الكثير والقليل حوله، وليس ها هنا فسحًا له)، بين فاطمة اليوسف ومحمد التابعي الذي صنع مجد “روز اليوسف” السيدة والمجلة، فأدار ظهره لهما.

 

وكان أن حمل صاروخان ورخا ريشتيهما وعلب ألوانهما، وغادرا مع “الأستاذ” إلى مجلة “آخر ساعة”، التي أصدرها التابعي، ولم تستمر تجربته معها طويلًا، فاشتراها علي ومصطفى أمين، وشرط عقد الشراء انتقال أستاذهما ومعلمهما حرفة الصحافة محمد التابعي مع صاروخان ورخا إلى  “أخبار اليوم.”

 

وكان أن ذهبت دنيا وجاءت دنيا.. بقيت “روز اليوسف” تتكل على خوان سانتوس، وحده، وهو غير متفرغ لها.. فأخذ إحسان عبد القدوس يفتش عن رسام كاريكاتور يسد فراغ صاروخان ورخا.. فعثر على عبد السميع عبد الله.

 

ابن “حي السيدة زينب”، أعتق أحياء القاهرة القديمة. اعتجن من خميرة طيبة، فالتصق بالناس، قلبه يطل من عينيه، سفح عمرًا في السعي وراء خدمتهم وقضاء مصالحهم، سباقًا للخير تواقًا لنصرة الغلابة، ذلك هو عبد السميع عبد الله. حياته مجموعة من المواقف تتسم بالتفاني والنبل، جعلته عماد قومه، ذاع صيته، أثير حوله ضجيج لآرائه الجريئة، وعناده في الحق، مهاب لقدرته على تحريك المشاعر الشعبية والأحاسيس المستترة.

 

درج عبد السميع عبد الله في عالم الرسم منذ نشأته، عمل رسامًا في “هيئة الطرق والكباري والأنفاق“، إلا أن فن الكاريكاتور شغله عما عداه، ولم تستقم ريشته في النماء إلا بتأثره بصاروخان، فقلد خطوط الرسام الأرمني المبدع، واقتبس ألوانه زمنًا، قبل أن يصلب عوده ويشتد وأصبح له أسلوبه، وخطوطه، وألوانه التي لا يقاربها في المستوى أحد. وقد بدا تأثره بصاروخان في رسوماته الأولى في مجلة “الشعلة”، التي كان يصدرها محمد علي حماد، وبعدها، يلمس من تابعه، بعده عن “أستاذه “، أن في الفكرة، أو الخطوط والألوان، فتجمعت العيون على رسوماته. 

 

وأدرك إحسان عبد القدوس قبل غيره، بحسه المرهف، أنه أمام رسام واعد، وأن أفق الكاريكاتور يهم بوهج جديد يطل من ريشة عبد السميع عبد الله.

 

وكان أن طلبه إحسان عبد القدوس للعمل في “روز اليوسف”، ولأن عبد السميع ليس من أصحاب الدهشة الرخيصة، اشترط على “الأستاذ” أنه لن يهاجم في رسوماته أي حزب، أو زعيم، أو شخصية عامة، لمجرد أن الهجوم، ذاك، يندرج ويتوافق مع “مصلحة” المجلة وسياستها. وكذلك لن يعمد الى أي تصد، أو هجوم، أو نقد.. إلا بعد اقتناعه شخصيًا بضرورة، وجدوى هذا التصدي أو الهجوم أو النقد.

كان “شرط” عبد السميع عبد الله جديدًا على فن الكاريكاتور، وعلى مسامع رؤساء التحرير، الذين كانوا هم الذين يزودون الرسامين بالأفكار التي هي على هواهم، وهوى سياسة المجلة ومصالحها، وكان الرسامون ينفذون صاغرين!

 

كان محمد عبد المنعم رخا يرسم في صحف ومجلات عدة متباينة الاتجاهات والمشارب: يرسم منتقدًا ومجرحًا بحزب “الوفد” وزعمائه في مجلة، ويرفع من شأنهم وشأن “الوفد” في مجلة أخرى.. وريشته كانت تدور على الورق كما يريد رؤساء تحرير تلك المطبوعات!

 

وفي “روز اليوسف”، كان صاروخان ورخا وسانتوس، يرسمون ويلونون على هذا المنوال، و”المايسترو” محمد التابعي، يحرك يده، يطلب، يوجه، و يفرض و… يطاع!

 

لم يكن إحسان عبد القدوس بوارد أن يرفض شرط عبد السميع، قبل، وافق، ووعد، فدخل ابن حي السيدة زينب ملكوت “روز اليوسف”، وبدأ صرير ريشته يطلع الرسومات الناعرة، اللاذعة، وحدث أنه سبق جورج بهجوري وصلاح جاهين في تصميم غلاف “روز اليوسف” بلونيه الأسود والأحمر .

 

كانت ريشة عبد السميع عبد الله، جديدة تمامًا على الصحافة المصرية، مغموسة من ألوان مجبولة بالإحساس قبل الأصباغ، والشكل الذي تكونه خطوطه النافرة، هو وعاء خطرات باله قبل الإطاحة بالملك والملكية، تفجر إبداع عبد السميع على صفحات “روز اليوسف”، في حملة ساخرة، لاذعة، واخزة، على القصر والفساد الذي كان ينخر وينغل في مؤسسات الدولة. فمصر، خلال منتصف ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وقعت تحت نفوذ نساء ثلاث: زينب الوكيل زوجة مصطفى النحاس باشا في الوزارة، الملكة نازلي في القصر، وجاكلين لامبسون في السفارة البريطانية. فدارت ريشة عبدالسميع ترسم صعود نجم زوجة النحاس باشا، وتأثيرها الواضح المكشوف في سياسة البلاد، فكان غلاف “روز اليوسف” الذي اهتزت له حكومة الباشا، فقد تفنن عبد السميع في رسم شخصية “المصري أفندي” (كان صاروخان ابتكرها في أول عهده في “روز اليوسف”)، وهو يهمس في أذن إحدى السيدات: “أحسن طريقة علشان الست تبقى رئيسة وزارة، إنها تتجوز رئيس وزارة.”!

      

لما قامت ثورة “الضباط الأحرار”، نزل عبد السميع عبد الله برسوماته تهشيما بجماعة “الإخوان المسلمين”، فهددوه بالقتل، فعينت له حراسة ليل نهار.

 

ولم يهادن “الضباط الأحرار” أنفسهم، وعندما لمس بحسه السياسي خللًا، وتجاوزًا في تصرفاتهم وإدارتهم لدفة الحكم، لجأ إلى الحيوانات وجعل منها رموزا يستنطقها في نقده وسخريته، منها الأسد، والنمر، والثعلب.

 

وحاروا في أمر عبد السميع، فقد كانت رسوماته الواخزة، اللادغة، تتفلت من مقص “الرقيب“ الرابض على أنفاس الكتاب و الرسامين، يهز في وجوههم إصبعه ويعد  بالويل والثبور وعظائم الأمور!

 

وكان كلما تفلت رسمة، عوقب الرقيب واستبدل بآخر، لا يلبث أن يستبدل بدوره.. واستمرت رسومات عبد السميع تنخر عظام السلطات.

 

وكان إحسان عبد القدوس، الذي كان قدم لكتاب عبد السميع “أبيض وأسود”، الذي يضم رسوماته الساخرة فوصفه بـ “الشيطان” تحببًا، قد حصر تعريفه لفن الكاريكاتير في مكونين اثنين هما الفكرة والسخرية بعد خطوط الرسم بالطبع.

 

أما ابنه الكاتب والمحلل السياسي د. عمرو عبد السميع، الذي فارقنا منذ أربعة أشهر، فلديه عن أبيه كلام آخر نشره في "الهلال"، (لما كانت رسوم الكاريكاتير هي وثائق لوصف العصر، فقد كان عبد السميع يضفي على أسلوبه أحيانًا ما يحمل رأيه في ذلك العصر، وليس غريبًا أن يتنوع أسلوبه في السبعينات ما بين "الوحشية"، و"العتامة".

 

لقد أسهمت عوامل ضغط مروعة في إزاحة ريشة عبد السميع المقاتلة عن مجالها الطبيعي الحر في التعبير والوخز، وإثارة عواصف الضحك والسخرية، ولدي ما يحملني على الاعتقاد أن تلك العوامل قد أنهت بطريق غير مباشر حياة الرجل ذاتها، خاصة إذا أدرك أحدنا حجم ذلك الارتباط العضوي بين حياة عبد السميع ورأيه. 

 

وانتهت حياة الرجل المشاغب، الذي عندما تجلجل ضحكاته تولد رسوماته.  

 

ولكن روز اليوسف ولادة..

 

رغم أني التحقت بالصبوحة في السنوات الأخيرة قبل غربته، فقد كانت رسومات رجائي ونيس، التي يسلمها عادة لمدير التحرير أو للكاتب لترافق مقاله وتصب في مكتب المشرف الفني بعد هذا رسوم تعبيرية نافذة جريئة وأغلفة بمثابة السهام الراشقة، وحضوره الفني على صفحات المجلتين استمر رغم غربته حتى اليوم، فهو لم ينقطع عن إرسال رسائله التي تقطر برحيق حكمته وفلسفته وعسل رسومه التي يزيد عطرها عبر السنين. 

 

كان قليل الحضور نهاراً، إلا لتسليم رسومه الخاصة بـ"روز اليوسف" لعدلي فهيم، أو ما تحظى به صباح الخير من إبداعه المرتبط في معظم الأحوال بمقالات د. مصطفى محمود، فهو صديق عمره وأنيس لياليه البوهيمية بملهى في “فندق كوزموبوليتان”، وثالثهما كان رفيق دربهما، ناجي كامل. إلا أن الدكتور مصطفى محمود طلّق الليل والسهر، زهد في الدنيا، تصوف، مستجيبًا لنداء نوراني، فاحتمى بالعلم و.. الإيمان.

 

أما رجائي ونيس، فهو كائن ليلي عاشق للحياة، والحب وقود إبداعه مؤمنًا بأنه وراء كل إبداع إنساني. 

 

التقيت برجائي أول مرة – و لا أعتقد أنه يتذكر - في باحة كلية الفنون الجميلة بالزمالك، وهو في انتظار حبه الأول زميلتي بقسم الزخرفة "الديكور" آمال .. فقد كانت تربطهما قصة حب لم تكتمل. 

 

رجائي دفعة 1960 قسم تصوير بكلية الفنون الجميلة، ارتبط عاطفيًا ووجدانيًا بـ"روز اليوسف"، وزملائه واستمر تواصله مع الصبوحة حتى بعد هجرته لأستراليا ومنهم جمال كامل، مفيد فوزي، رؤوف توفيق ولويس جريس. آلمه أن يرى جمال كامل الفنان المرهف بعد خروجه من السجن، لم يتحدث جمال إطلاقًا عن فترة المعتقل، التي كانت لا شك قاسية، وظلت هذه الفترة مطموسة في التاريخ حتى أكتشف قسوتها عند نهاية حكم عبد الناصر.

 

 لقد عاش رجائي فترة تقلب النظام بين اليمين واليسار. ولأن رجائي كان حريصًا على كتابة انطباعاته وذكرياته من أيام الزمن الجميل إلى أن استقر في هجرته الأخيرة للقارة الأسترالية، تذكر عندما التحق بـ"روز اليوسف" في فترة هبوط اليسار المصري نزيلاً على سجون الواحات، حملة اعتقالات ضمت في قائمتها من روز اليوسف جمال كامل وحسن فؤاد وزهدي العدوي، ومن الكتّاب فتحي خليل وعبدالستار الطويلة، وصدمه في تلك الأثناء ما تعلمه عن البقع السوداء (حسب تعبيره) في نظام كان ينتمي له وأحب فيه عبد الناصر. 

 

في تلك الفترة ازداد إنتاجه في كلتا المجلتين، وبدأ تدريجيًا في رؤية طريقه الخاص في الرسم والتعبير، وعندما طلب منه عبد الغني أبو العينين أن يرسم غلاف روز اليوسف في تلك الفترة، استجاب ورسم أول غلاف عن أزمة الكونغو والصراع السياسي فيه بعد الاستقلال، حيث تم إعدام باتريس لومومبا، وبداية الصراع بين جوزيف كازافوبو رئيس الجمهورية ومويز تشومبي، واختلطت الصورة، وتدخل سكرتير عام الأمم المتحدة داج همرشولد حتى لقي مصرعه في حادث طائرة كان مدبرًا.  

 

رجائي ابتكر لنفسه أسلوبًا جديدًا في فن البورتريه الكاريكاتيري لم يكن موجوداً من قبل ينبض بالحيوية والصدق، صاحب أسلوب عالمي مميز.

 

وقد حدث في شهر مايو سنة ١٩٦٢، ما غير مجرى حياة رجائي ونيس.

 

لم يكن جلس إلى طاولة الرسم، عندما أبلغته نرمين القويسني، سكرتيرة إحسان عبد القدوس، بأن “الأستاذ” يريده في مكتبه.. بادره “الأستاذ”:

 

“ تحب تسافر اليابان؟.. شركة الطيران العربية المتحدة باعته دعوة لمحرر ورسام للسفر إلى اليابان وهونج كونج، لافتتاح خط طوكيو- القاهرة”.. وسافر برفقة مفيد فوزي. 

 

وقع رجائي في غرام اليابان، والذي كان.. كان. 

 

انغمس في عشق الإرث الياباني، المتاحف، المعابد، روحانيات Zen، والبوذية، مسرح ”كابوكي”، الذي يخلط الواقع بالأساطير.

 

وكانت “كيوتو”، عاصمة اليابان القديمة ومدينة الثقافة، ولعه الذي استحوذ عليه، بقي فيها، درس الحفر وفنون الطباعة على الخشب، التي أذهلت المدرسة التأثيرية في أوروبا.

 

ويجن به الحنين إلى مصر، يعود، يترك فيها كتاب قصته مع اليابان، ليحزم حقائب السفر من جديد ويهاجر، هذه المرة إلى أستراليا.

 

صديقه جورج بهجوري، الذي قّدمه لإحسان عبد القدوس هو أصدق وأفضل من يحاكينا عن رحلة رجائي ونيس في مقال نشره منذ عشر سنوات في صباح الخير:

 

منذ بداية الخمسينيات وصل الطالب رجائي ونيس من بني سويف إلى كلية الفنون الجميلة بالزمالك وجلس في المكتبة أمامي بالصدفة، لا أعرفه ولكن أحد زملاء دفعته بالإعدادي أزاح بعض رسومه بالقلم الرصاص أمامي حتى أصبحت وسط الكتاب الفني الكبير لرمبرانت، الذي أتصفحه وأقرأ وأتعلم منه، كما كانت نصيحة أستاذنا الكبير حسين بيكار. إلا أن وصول رسوم الطالب الجديد بالقلم الرصاص أثارتني ولاحظت همهمات وضحكات زملائه الذين دفعوا بهذه الأوراق المرسومة بريشة ساحرة تقترب من أسلوبي في الرسم الصحفي، الذي كان قد بدأ ينتشر في «روزاليوسف»، وكنت في العام الدراسي الأخير قبل التخرج.  .أخذت معي رجائي صديقي الجديد الذي يرسم بطلاقة وحرية وسخرية مريرة أكثر مني إلى مجلة “روزاليوسف”، وجلس أمام طاولة الرسم بيني وبين الرسام الكبير جمال كامل حتى جاء أبو العينين المخرج الفني بالصدفة وإحسان عبد القدوس ذائع الصيت الروائي وصاحب القلم الكبير، يكتب الافتتاحية بطلاقة وشجاعة رأي، ومثلها عندما يكتب في الحب، واشتهرت عباراته في الإذاعة “تصبحوا على حب”.

 

هكذا ومن اليوم الأول خطفت “روزاليوسف” صديقي الفنان الجديد الذي يوقع “رجائي” حتى إن المعجبين برسومي من أهل المجلة تركوني والتصقوا به أمثال د. مصطفى محمود، الذي أصبح يرسم كتبه ومقالاته سنوات طويلة.

 

هاجر «رجائي» بعد سنوات أخرى في رحلة إلى أستراليا بعد قصة حب مع أم أطفاله التي أخذته إلى قارتها البعيدة وأصبح له وطن ثان، وعمل جديد ممتع، حيث يتحول إلى طبيب نفساني رسام يحاول علاج المتعبين بعقولهم عن طريق الرسم وتحول المرضى إلى أصدقاء عمره بعد ذلك. أما علاقتي به بعد ذلك فقد بدأت عندما سافرت أنا أيضاً إلى باريس للتزود من عالم الفن التشكيلي بصفة عامة وانتقلت من الرسم إلى اللوحة والتمثال، تتلمذت في متاحفها كأني أحج إلى اللوفر كل يوم أحد وأتعلم من عتاولة فن الرسم والتصوير الزيتي والنحت. 

 

عندها فوجئت بأنه يحضر إلى باريس وأصحبه إلى متاحفها ويعيش معي في مرسمي في ضواحي باريس فتزداد مشاعرنا وذكرياتنا الجميلة منذ بداية مجلة “صباح الخير” وكأنه ورث عنى صفحاتي التي تنشرها “روزاليوسف” المعروفة أخبارهم على وجوههم.

 

 وانضم إلى الكوكبة المعروفة لفن ازدهار فن الكاريكاتير في المجلتين العملاق صلاح جاهين وحجازي وبهجت وصلاح الليثي، وينضم إلى جماعة حسن فؤاد وزهدي وجمال كامل. تعددت لقاءاتنا ولكن هذه المرة على الورق وأصبحت أطلق عليه اسم "توأمي"، وهو لا يكتب رسائله ولكنه يرسمها، حيث أنشر إحدى هذه الرسائل وهو لا يزال يهددني إذا نشرت رسالة من رسائله سنقطع علاقتنا وصداقتنا، وأتوقف عن الكتابة إليك والرسم معك بعنوان عزيزي جورج، ووجهي وملامحي وحياتي كلها في باريس يترجمها بريشته الساخرة  ..وصلت هذه الرسائل إلى عدد يفوق500 رسالة أحتفظ بها دون نشرها كما أوصاني، ولكن هذه الرسالة الوحيدة المسموح بها. أما رسائله إلى نرمين وأبو العينين وإحسان عبد القدوس الذي استضافه في الرحلة بالصدفة في منزله بأستراليا.. رسائل مرسومة لا تعد ولا تحصى.

 

ويعبر رجائي ونيس عن أحاسيسه وذكرياته وحياته اليومية في خريف العمر بأستراليا فيقول: 

 

جالس في مَرسمي الذي ازدحم في السنوات الأخيرة بلوحات لم تكتمل وأخرى اكتملت وتقبع في البراويز مستندة على الحوائط أو الدواليب أو الأرفف أو أي سطح فيه مكان لها، لوحات لا أريدها أن تفارقني، ويأتي الزبائن والمعارف أحيانًا ويسألون عن لوحات للبيع، لكني أحوّل مجرى الحديث إلى موضوع آخر، وأعدهم بأعمال جديدة أروَع مما يودّون شراءه، واستعجلهم في الخروج! 

 

هناك اسكتشات قديمة معظمها يحتوى على رسوم رديئة و سريعة، لكنها تذكرني بشخص أو مكان فأبقى عليها وأعد نفسى أن أتخلص منها قبل أن أرحل.. الأدراج مليئة بالرسومات ومشروعات الرسوم، بقصص قصيرة وطويلة، بأبيات شعر بالعربية والإنجليزية.. على المكتب مئات الأقلام والفرش وعلب الألوان والأحبار.. الراديو على موجة fm تذيع الموسيقى الكلاسيك.. سيمفونية شهرزاد لريمسكي كورساكوف، فأسرح بخيالي إلى الخمسينيات أيام حلقات ألف ليلة بعد مدفع الإفطار في رمضان.. بعد نهاية السيمفونية أتجه إلى جهاز التسجيل و أضع شريط أغنية الأطلال لأم كلثوم وهي الأغنية المفضلة عندي غناءً وكلمات ولحنًا، وأتخيل مصر في حقبة انتهت.. شكل الشوارع.. كافيتريا هيلتون وسميراميس.. الحسين.. ملهى الكوزموبوليتان.. ثم رحلة اليابان".