الجمعة 23 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

"صاحب المقام" تجربة سينمائية روحانية وصوفية

فيلم صاحب المقام
فيلم صاحب المقام

حين يضيق الحال وتغلق الأبواب، ويشتد القهر والهموم، يذهب البشر لمخاطبة الأموات، ويضعون أحلامهم وطموحاتهم في القبور بين رفات صاحب المقام، ينتظرون من صاحب المقام تحقيق الأمانى وجبر الخواطر، لذا يكتبون خطابات الترجى والتمنى إلى صاحب المقام، ليس هذا عبادة منهم لصاحب المقام، بل قناعة أن له شفاعة عند الله، فهو من أولياء الله الصالحين، وهو الوسيط الذي يحمل رسائلهم إلى الله، لذا  يعتقدون أن العبث بالمقام أو الاستهانة بصاحب المقام، قد تكون له عواقب.



 

رسائل الكاتب إبراهيم عيسى

من هذا الاعتقاد الذي يصعب محاربته، فهو أقوى من العلم والتطور الثقافى، جاءت فكرة فيلم "صاحب المقام"، للكاتب إبراهيم عيسى، والذي يعرض حصريا على إحدى المنصات الإلكترونية، انطلق مؤلفه من فكرة دينية، وهي التعامل مع الأضرحة والمقامات كجزء أساسي من الطقوس الصوفية. أوقع الكاتب ابراهيم عيسى المشاهد في حالة جدل والبحث عن رسالة العمل، هل هي رسالة إنسانية ودعوة للخير، أم رسالة تحديز بعدم هدم الأضرحة والمقامات، حتى لا يحدث لك عثرات في الحياة، وقد يتفق هذا المضمون مع توجهات البعض الدينية.

 

 

 

 

 

"صاحب المقام"

الفيلم قصته مختلفة إلا أن إيقاع مسار الأحداث متوقع، وذلك بسبب بساطة السيناريو، كان يتطلب مزيدا من التشويق فى الحوار، القصة لها جانبها الواقعي وهي أن الناس مازالت تكتب خطابات لصاحب المقام، أما المعالجة الفنية السينمائية، فمزجت بين الخيال والروحانية والصوفية والرمزية.

قصة عن رجل أعمال ثري أراد بناء مكان سياحى، إلا أن يعرقل مشروعه وجود مقام "سيدى هلال"، حذره شريكه في العمل من أن الهدم سوف يغضب صاحب المقام، إلا أنه قرر هدم المقام، مستخدما فى ذلك مؤامرة مدبرة، مستغلا جماعة السلفيين، كارهي الأضرحة، ونجح في هدم المقام، فهل سوف يغضب صاحب المقام ويحاسبة، أم أن أولياء الله لا تغضب من فعل البشر، وتمنحهم فرص لتصحيح.

 

 
 

 

 

كادرات التصوير البطولة الأولى

البطولة الأولى فى الفيلم، تعود للمخرج محمد جمال العدل "ماندو" كادرات التصوير، كانت المنقذ لقصة الفيلم، على سبيل المثال المشهد الأول فى الفيلم الذي جعله "ماندو" مشهدا جوهريا يسكنه رموز، وإشارات فاقت وتخطت السيناريو والحوار، زوايا تصوير غير معتادة، مشهد يظل عالقا بذهنك، أثبت "ماندو"، أنه يمكن للمخرج الذكي، صاحب الرؤية، أن يصنع فيلما كاملا من لقطة واحدة.

 

فى هذا المشهد، يجلس بطل الفيلم الممثل آسر ياسين "يحيى"، رجل الأعمال، يتحدث مع شركائه في العمل، وهما شخصان توأم ، يمسك "يحيى" بنظارته الطبية، ويمسحها من غبار وبصمات وتأثيرات عابرة، مستخدمة قطعة قماشة سوداء، فيظهر في العدسة الأولى اليمين الممثل بيومي فؤاد وشخصية "حليم" شخص أناني يعمل من أجل المال فقط، والعدسة الثانية الشمال، يظهر بها أيضا الممثل بيومي فؤاد وشخصية "حكيم"، شخص متزن يعقل الأمور بمنطق آخر، ويحذر "يحيى" بعدم هدم المقام، حتى لا يصاب بأذى من صاحب المقام.

 

 

 

حليم وحكيم شخصيات خيالية أم حقيقية؟

 وجود الممثل بيومي فؤاد في أداء دور شخصيتن متناقضيتين تؤأم مطابقين في الملامح وهما، "حليم وحكيم"، يمكن أن يكون لهذا التوأم أكثر من تأويل وقراءة، منها أن ربما هؤلاء التوائم ليس لهم وجود حقيقي، وأنهم مجرد رموز جسدها المؤلف لتصف سيكلوجية، شخصية "يحيى"، أن له جانبا في شخصيته "حليم" ، والجانب الآخر "حكيم"، ومع مسار الأحداث اختفت شخصية حليم المادي، الذي لا يؤمن بالغيبيات، ويراها مجرد أفكار عبثية وخرافات، ويظل حكيم  يرافق يحيى فى مسيرته لزيارة الأضرحة والمقامات ولإرضاء الله بعمل الخير،  حصل يحيى على بعض خطابات الناس التي يكتبونها للإمام الشافعى ليحقق مطالبهم، وتقبل الناس أن يحيى مرسال جاء من عند الإمام الشافعى، وأنه إشارة وعلامة أن الله رضى عنهم.

 

 

 

 

مشاهد تحذيز رمزية

يعادو المخرج، ماندو، جذب انتباه المشاهد بلقطة ثانية، قد تمر عليك دون اهتمام، ولكن ستدرك أهميتها أثناء متابعة الأحداث، حدثت مشاجرة بين "يحيى"، وزوجته أمينة خليل "رندا " فترك لها السيارة، ووقف في الشارع ينتظر "تاكسي"، ومن خلفه، لافته مكتوب عليها "أحذر" بالتأكيد لهذه الجملة التي لم يقرأها يحيى رمزيتها.

 

 

 

من هي روح..؟

وتستمر الرمزيات فى الفيلم، فتصاب راندا زوجة يحيى، وتدخل المستشفى، ويتقابل يحيى مع "روح"، الممثلة القديرة يسرا، وتنصحة بأن الطب وحده لا يشفى زوجته، ولا بد أن يذهب ويصالح من أغضبهم، "روح"، ليس مجرد اسم شخصية، بل هو معنى يفتقده يحيى الذي عاش حياتة دون روح وعطاء للآخر، واكتفى بنفسه حتى أسرته، وابنه كان مقصرًا معهم، روح شخصية محيرة تظهر أحيانا كطبيبة وكشرطية وأحيانا أخرى كأنها شخصية شبحية لا يراها إلإ يحيى فقط، تتابعة أينما ذهب وتبعث فية الآمان وتصصح له المعنى الحقيقى لتجارة مع الله، في تجارة رابحة فى الدنيا والآخرة، حين يريد بها المؤمن رضا الله، ربما تكون شخصية روح تجسيد للضمير الذي فاق وانتبه بضرورة تغير حياته.

 

 

 

 

أبطال فيلم "صاحب المقام"

ليس لفيلم "صاحب المقام"، بطلا واحد فالجميع أبطال وإن قصرت مساحة الدور ومدته الزمنية، مثل أدوار كل من محمود مسعود، ريهام عبد الغفور، وسلوي محمد على، وإنجي المقدم، هالة فاخر، إيمان السيد، محمد ثروت، سلوى عثمان ، سلوى محمد علي، محمد عادل، فالتأثير فى مسار الأحداث، أحدثه الجميع، ويرجع ذلك لتوظيف الشخصيات كل في مكانه.

 

النجمة يسرا، ممثلة قديرة يناسبها شخصية "روح"، أداء بسيط ملائكة اقنعتنا أنها "روح وضمير يقظ لكل من غاب ضميره، الممثل آسر ياسين، نجم جسد شخصية يحيى، خفيف الظل قليل الحيلة، في مشهد درامي مؤثر، كان يبحث عن زوجته، وبعد أن ظن أنها ماتت، وجدها امتزجت دموع حزنه بفرحة اللقاء ، خليط مشاعر متضاربة بدون تكلف.

 

الممثلة أمنية خليل "راندا"، قدمت مشاهد بسيطة بأداء مناسب لزوجة يحيى، الممثل "محمود عبد المغنى" في شخصية المدمن، الذي لم يصدق نفسة أن الله استجاب له، مشهد لدقائق تحدث مع الله بكلمات معدودة غير مفتعلة، تعيد إلى البعض إنسانيتهم، إبراهيم نصر رحل قبل أن يرى نجاحه وأداءه الإنساني، المشحون بعاطفة الأب، المفتقد ابنه، والممثل محسن محيي الدين، وأداءه البسيط البليغ في شخصية شيخ ضريح الإمام الشافعي.

 

الموسيقى التصويرية "خالد الكمار"،جذابة تشد انتباهك للمتابعة الديكور، المونتاج، الإنتاج المتميز للمنتج أحمد السبكي، ومجهود يستحق الإشادة لكل فريق العمل.