الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
سيدنا إسماعيل وصك الأضحية

سيدنا إسماعيل وصك الأضحية

إذا كان البعض من قبل قد اختزل فكرة الذبح في أن العيد الكبير هو "عيد اللحمة"، وإذا كان البعض الآخر مع سهولة صك الأضحية من الوارد أن يزيد من الاختزال ليبدو الأمر وكأنه مجرد دفع مبلغ من المال يتم توزيعه في صورة لحوم.



اختزالات لا يقصدها أحد، إنما هي بالتدريج من الممكن أن تسحب مغزى ذلك اليوم العظيم، يوم النحر، أول يوم في عيدنا الكبير.

ولأن التفاصيل كثيرة فإنني أختار هنا من قصة يوم النحر ما يتعلق بسيدنا إسماعيل، هذا الابن الذي يخبره والده سيدنا إبراهيم (عليهما الصلاة والسلام) أنه قد رأى في المنام أنه يذبحه، فإذا بالابن لا يتردد في أن يرد قائلا: "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ".

وابتلاء الابن هنا لم يكن الابتلاء الأول الذي يكاد يضعه على طريق الموت. فذكرى الذبح تستدعي عندي ما سبقها بسنوات، ذكرى الرضيع الوحيد مع أمه "في واد غير ذي زرع". عند البيت المحرم. 

ابتلاء إسماعيل وأمه بالطبع الرضيع إسماعيل لا يستوعب وقتها صعوبة الحالة التي هما فيها، فككل رضيع هناك إنسان يسد احتياجه عند الجوع أو العطش، هذا الإنسان في المعتاد هو الأم.

وأم الرضيع إسماعيل هي كما نعرف السيدة "هاجر". إنها المرأة التي جعل الله من ردود أفعالها سعيا لإنقاذ وليدها شعيرة من شعائر الحج.    

إنما قبل الاسترسال مع السيدة "هاجر"، التي كانت تبحث لوليدها عن ماء، هناك أم نبي آخر ألقت بوليدها في الماء طاعة لأمر الله سبحانه. بالطبع أشير هنا إلى أم سيدنا موسى.

فإسماعيل وموسى لم يستوعب أي منهما لصغر سنهما الخطر الذي انفطر له قلب أمهاتهما. فتأخر الطعام أو الشراب عن الرضيع إسماعيل هو أمر يعرفه الرضع، وينسونه بمجرد سد الحاجة.

كذلك وجود سيدنا موسى وحده في صندوق تحمله مياه النهر هو أمر لا يتسبب له في أي وجع، بل ربما يحقق له قدر من المتعة في صحبة الاهتزار الرقيق لمن يتحرك به ما يشبه القارب في النهر الهادئ.

وحدهما أمهاتهما هما اللتان كان الخطر ماثلا أمامهما، وكان التعلق برحمة الله هو لكل منهما الأمل.

وإذا كان الله سبحانه قد وصف لنا حال أم موسى التي ألقت بابنها في الماء، استجابة لوحي الله تعالى ثم إذا بفؤادها كما جاء في القرآن الكريم"وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا". فإن كتاب الله لم يخبرنا صراحة بحال فؤاد أم إسماعيل. 

إنما وهل يخفى الخبر. ألم نعرف أنها بحثا عن الماء قد أخذت تسعى بين "الصفا" و"المروة" سبع مرات، كملتاع يبحث عما يريد وسط اتساع بلا ملامح للعمار، فلا يجد أثرا لماء فيعود للبحث ظنا منه أنه ربما لم يلحظ وجوده.

ثم بعد سبعة أشواط من سعي الأم ستنا هاجر بين الصفا والمروة، حيث أخذت في كل مرة تصعد هذين الجبلي الصغيرين على أمل أن يتيح لها النظر من مكان مرتفع إمكانية أن تعثر على قافلة تسير أو أثر لأي حياة، وفي كل مرة يخيب رجاؤها، لكن لا ينطفئ يقينها. 

فقد سعت لتأخذ بالأسباب، وبالطبع كأم كانت خائفة على الرضيع، لكن كان بداخلها إيمان عميق بأن الفرج سيأتي، فسؤالها لزوجها سيدنا إبراهيم وهو يغادرهما وحدها ورضيعها في صحراء تطأها قدماها لأول مرة، لم يكن حول لماذا رحيله. إنما كان سؤالها له هو: "هل أمرك الله بذلك؟"، وحين جاء رده بالإيجاب كان تعقيبها المؤمن على إجابته: " إذن لن يُضيعنا".

وبالفعل جاء الفرج، فبعد السعي 7 مرات إذا بها عندما تعود إلى الرضيع تكتشف بزوغ ما كانت تبحث عنه، ماء يخرج من بئر زمزم، الذي تفجر بأمر الله عبر تحريك الرضيع العطشان لقدميه مثل كل الصغار الذين تشارك أقدامهما دموع عينهما في الإعلان عن مطالبتهم بما لا يملكون القدرة على التعبير عنه بالكلام. 

ومع الماء جاءت الطيور، ومرت القوافل، وصارت المنطقة عامرة بالحياة. وكبر سيدنا إسماعيل، وساعد والده سيدنا إبراهيم في إعادة بناء الكعبة التي هي أول بيت لعبادة الله سبحانه منذ أيام سيدنا آدم، ثم بعد الطوفان أيام سيدنا نوح ومع مرور السنين واختفاء معالم، أمر الله سبحانه وتعالى برفع قواعدها من جديد "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ"، فبسواعد الشيخ الكبير إبراهيم والشاب إسماعيل عليهما الصلاة والسلام عاد البيت العتيق مطهرا. 

إنه سيدنا إسماعيل النبي الرسول الذي وصفه الله من قبل ولادته بالحليم، كما وصفه في سورة مريم بأنه "وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا".

ابتلاء إسماعيل وأبيه علينا إذن أن نتابع الإبتلاء الأكبر في حياة "إسماعيل" الحليم، الذي كان عند ربه مرضيا.

فبعد أن رأيناه بين الحياة والموت وهو رضيع في ابتلاء مشترك له ولأمه، لا يدرك منه إسماعيل "الرضيع" شيئا، فقد عاد من جديد في حالة بين الحياة والموت وهو إسماعيل "الشاب" الذي كان واعيا وإيجابيا في الإبتلاء الأكبر الذي كان مشتركا مع أبيه سيدنا إبراهيم.

إنه البلاء المبين الذي تحول عبر التسليم لله إلى يوم عيد مستمر، حتى اليوم.

الكلام بالطبع عن يوم النحر. حيث الأمر لسيدنا إبراهيم بأن يذبح ابنه الوحيد فلم يكن قد أنجب "إسحاق" بعد، أن يذبحه بيده، بنفسه، أن تسيل دماؤه أمامه، أن لا يعود حيا على الأرض.

أن يذبح قرة عينه الذي وهبه الله له على الكبر استجابة لدعاء سيدنا إبراهيم " رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ"، ذلك الدعاء الذي كانت نتيجته قول الله تعالى: "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ".

ولننظر إلى إسماعيل، هذا الابن الحليم حين أخبره سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام أنه يرى في المنام أنه يذبحه، وسأله: "فَانظُرْ مَاذَا تَرَى"، فجاءه الرد المؤمن "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ"، ولا يكتف بهذا بل يطمئن الأب: "سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ". 

هاهو إسماعيل عند ذكر الصبر بالذات لم ينس أن يقدم مشيئة الله على الصبر. مثله كمثل سيدنا موسى في رده حين طلب من الخضر أن يرافقه، فحذره الخضر: "قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا"، فرد موسى: "قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا"، فقد حرص مثل إسماعيل على ربط الصبر بمشيئة الله، لمشقة الصبر، ولأن الله هو المعين.

نعود إلى إبراهيم وإسماعيل، على الجميع السلام.

وياسلام على عظمة الله سبحانه الذي أرسل الابتلاء وأرسل الرحمة والعبرة والعظة والسيرة المستمرة إلى يومنا. حيث ما أن إقترب مشهد تنفيذ الأمر بالذبح حتى كان الفداء، "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ".  

يقول الشيخ "بسام جرار"، خلال أحد دروسه بمدينة "رام الله" في تفسير"فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ". أن المشهد هو الأب مستسلما لأمر الله وعلى وشك تنفيذ الذبح، والإبن مستسلما لأمر الله ومستجيبا لتوجيه الأب له باتجاه تل صغير،("تَلَّهُ" مقصود بها أسنده واقفا على "تل")، فهو لم يضعه على الأرض، إنما مسنودا إلى التل مع وضع رأس الابن في اتجاه الجبين( والجبين هو جانبي الجبهة)، بالتالي يكون وصول السكين إلى الرقبة متاحا وفي الوقت نفسه لا تتلاقى عينا الأب والإبن.

لا حول ولا قوة إلا بالله.

عندها "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا" "إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ". ووجد سيدنا إبراهيم أن السكين في يده تذبح كبشا فداء لابنه. 

إنها مشاهد مع ما فيها من مصاعب، إلا أن فيها ما يبعث على الاطمئنان.

نعم الاطمئنان بأن من يسلم أمره لله سبحانه هو الفائز. ونلاحظ أن الله سبحانه قد أكد الجزاء للمحسنين فبعد قوله سبحانه "إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، فإننا نقرأ من جديد بعد 4 آيات "كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ".

لقد كان سيدنا إسماعيل بين الحياة والموت عند الابتلاء، وهو في رفقة أمه، ثم في ابتلائه مع أبيه كان من جديد على حافة الموت.

إنما في المرتين وجدنا أن رحمة الله لم تنقذ المبتلى فقط، إنما جعلت ما يتعلق بالقصة يستمر حتى اليوم، سواء باستمرار الماء في بئر زمزم، أو في جعل سعي الأم بحثا عن الماء بين الصفا والمروة شعيرة من شعائر الحج، أو بإحياء ذكرى الفداء سنويا حول العالم حيث حمل العيد الكبيراسم عيد الأضحى، وحيث نجد أن الأضحية هي أحد أهم طقوس أول أيام عيد الأضحى المبارك، بل ويحمل هذا اليوم الأول من العيد اسم يوم النحر.

فعلينا ألا نكتفي باستهلال العيد بنشر البهجة فقط بين الفقراء الذين يتلقون نصيبهم المعلوم من الأضحية، وإنما أيضا بنشر البهجة في وجدان كل مسلم بأن يستوعب مغزى الفداء، معنى أن يستجيب المسلم لأمر الله مهما بدى غير مفهوما له، فالله يقدر ويلطف. 

إنه اليقين الذي يهون علينا ما يبدو للوهلة الأولى مصائب بالدنيا، بينما هي  محن يطلق الله الكريم منها كل الخير.  

وكل عام وأنتم بخير.