الأربعاء 2 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

رحيل المحارب الصامت.. وصدمه في قلوب مريديه

محمد مشالي.. وقصة إذلاله للفاتنة التي سحقت هامات الكبار

الدكتور محمد مشالي طبيب الغلابة الذي رحل في صمت
الدكتور محمد مشالي طبيب الغلابة الذي رحل في صمت

محمد مشالي.. والذي عرفه المصريون اصطلاحًا بـ"طبيب الغلابة"، الرجل السبعيني الذي حمل على عاتقه لواء تطبيب الفقراء، ومواساة أوجاع المُعدمين والكادحين.



 

طبيب الغلابة الذي عاش بين المسحوقين، ومن دهسهم قطار "لقمة العيش" تحت عجلاته، يرهف سمعه لأنينهم كواحد منهم، وتربت يداه على جراحهم، لتضمدها ابتسامته ورقة قلبه ورحمته قبل علمه.

 

رحل محمد مشالي عن دنيانا تاركًا خلفه إرثًا ثقيلًا، وأمانةً وأخلاقًا ونبلًا يصعب على الكثيرين من بعده الالتحاق بها، أو الاقتراب من دائرة نفوذه فيها.

 

محمد المشالي.. رحيل المحارب الصامت

ودع الدكتور محمد مشالي دنيانا فجر اليوم، الثلاثاء، إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، بعد حياة حافلة بالمآثر التي لا تكفي آلاف المجلدات للحديث عنها، أو ذكر مناقبه بين صفحاتها، ليُخلد اسمه في قلوب المصريين بأحرف من نور.

 

وأعلن وليد مشالي نجل طبيب الغلابة نبأ وفاة والده، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، فجر اليوم، الثلاثاء، على أن تُقام مراسم الجنازة، بعد أداء صلاة الظهر، فيما يوارى جثمان الفقيد بمثواه الأخير، بمسقط رأسه بمحافظة البحيرة، لتنهال بعدها تعليقات مُتابعيه، معبرة عن مرارة ولوعة الفراق، بعدما فجعهم خبر رحيل ملاك الرحمة، الذي عاشوا في ظله لسنوات.

وصية والده التي التزم بها طوال مسيرته المهنية

تحدث الدكتور محمد مشالي خلال ظهوره في أحد البرامج التليفزيونية، عن وصية والده التي أوصاه فيها بالفقراء، والتي طالبه فيها بأن يسخر علمه ليكون عونًا لهم، ويدًا حانيه تضمد جراحهم دون مزايدات.

 

وأكد طبيب الغلابة أنه نشأ في أسرة بسيطة، مما جعله يشعر بمعاناة الكادحين، الذين سحقت الدنيا أبسط أحلامهم.

محمد مشالي وقصة الحادث الذي غير مجرى حياته  

كشف الدكتور محمد مشالي عن الواقعة التي غيرت مجرى حياته للأبد، وكانت تخص إحدى جاراته، حينما طلب منها ابنها ذي العشرة أعوام، وكان مريضًا بداء "السكري"، أن تُعطيه حقنة الإنسولين، إلا أنها أجابته بأنها لا تستطيع تدبيرها، لأنها تساوي وجبة العشاء لباقي إخوته، فما كان منه إلا أن أشعل النيران في جسده النحيف، موجهًا كلماته الأخيرة إلى أمه، بأنه فعل ذلك ليوفر قيمة علاجه لإطعام أشقائه، ليُفارق الحياة بعدها متأثرًا بحروقه، وهو بين يدي طبيب الغلابة، الذي حاول إسعافه إلا أن قضاء الله كان أسرع منه.

 

وأكد محمد مشالي أن تلك الواقعة، أثرت فيه وهزته بشده، مما دفعه للتمسك بمبدئه، الذي لم يحد عنه طوال نصف قرن، أدى فيها دوره ورسالته كطبيب، وسخر خلالها علمه لخدمة الفقراء دون مقابل يُذكر.

 

 محمد مشالي وغيث الإماراتي

رفض الدكتور محمد مشالي قبول أي تبرعات نقدية أو عينية، حينما أطل بإحدى حلقات برنامج "قلبي اطمأن"، رفقة الشاب الإماراتي غيث، والذي عرض عليه حينها، بتقديم مبلغ مالي ضخم، للمساهمة في تطوير عيادته، وهي الهدية التي رفضها طبيب الغلابة بكل لطف، وبعزة نفس قلما نقابلها في هذه الأيام.

 

ونصح مشالي بتوجيه هذه المُساهمة المالية، إلى الأسر الأكثر احتياجًا، والأطفال الذين بلا مأوى ودور رعاية الأيتام.

 

محمد مشالي والفاتنة التي سحقت هامات الكبار

حفر الدكتور محمد مشالي اسمه بأحرف من نور، رافضًا الانصياع لزُخرف الدنيا التي أتته راغمة، زاهدًا فيها وفي متاعها التي سحقت هامات الكثيرين، من عبيد الشهرة والأضواء، مُتسلحًا بإيمانه العميق بأن جنته ليست على الأرض، وأن الدار الآخرة خيرُ وأبقى، ومؤكدًا أنه لا يسعى إلا لمرضاة الله جل وعلى.

 

وحينما سُئل عن سر إهماله لمظهره الخارجي، أكد أنه ليس من عشاق المظاهر، فأقل القليل يكفيه، وشطيرة خبز محشوة بوجبة الفقراء "الفول" هي أفضل ما يتمناه لسد رمق جوعه، لمواصلة رحلته الشاقة في علاج غير القادرين، ما بين ثلاث عيادات سخرها جميعًا لعلاجهم، رافعًا لافتة: "لا تدفع القليل إن كنت تحتاجه".

 

رحل محمد مشالي صاحب الـ76 عامًا، بعد رحلة كفاح طويلة، زرع خلالها الأمل في قلوب الفقراء، بأن هناك دائمًا من يشعر بآلامهم، فهل يجد التقدير المُناسب بعد وفاته؟.