الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
6 شارع الفسطاط وثورة 52

6 شارع الفسطاط وثورة 52

للثورات حكايات لا تنتهى وأدوارٌ يكشفها دومًا التاريخُ لا تتقادَم ولا تموت بموت مَن قام بها،  ولدينا حكاية رحل صاحبُها وظلت بين يدى مذكراته التي لم أنشرها بعد، فهى زاخرة بنفائس الأحاسيس الإنسانية والوطنية، ولكنى من وقت لآخر أنهل منها أجزاءً لها ارتباط بمناسبات قومية عزيزة علينا.



أتحدثُ عن قائد من قادة حرب أكتوبر العظام، اللواء «إبراهيم كامل» قائد منطقة البحر الأحمر فى حرب 73، الذي روَى لى علاقته بالضباط الأحرار وثورة 52 عندما منحنى مُذكراته بخط يده، التي وضعها أمانة عندى أكتب منها وعنها فى الأوقات المناسبة بعد فترة اختبار أجراها على لمُدة عامين، وكنت قد قضيتُ نحو ثمانى سنوات أبحث عنه كونه الوحيد من قادة أكتوبر الذي لم أجرِ معه حوارًا.. وللوصول إليه قصة ليس وقتها الآن..

عندما فتح لى (اللواء إبراهيم) خزنة أسراره،  وكان ذلك عام 2000 بدأها بالتحاقه بالكلية الحربية عام 1940م،  ثم قال لى بالحرف الواحد الآتى: «قبل التحاقى بالحربية قضيت عامين بكلية العلوم جامعة القاهرة وكنت أود الالتحاق بالكلية الحربية، وهذا يتطلب واسطة ولم يكن لدى ذلك بعد حصولى على التوجيهية، ومع ذلك ظل الأمل يطاردنى لأكون ضابطا، وكان يشاركنى هذا الحلم بعض من أصحابى، فقمنا بمحاولة مرّة أخرى، وإذ بنا نقبل جميعًا ومن دون واسطة، وفى عام 48 تطوّعت فى حرب تحرير فلسطين، وكنت ضمن وحدة ميكانيكا، وهى القوة الخفيفة التي كان قائدها القائمقام «أحمد عبدالعزيز»، وهناك تعرفت على «عبدالناصر» بشخصيته القوية الثورية بأبعادها الفلسفية لتغيير وطنه إلى الأحسن، أعجبت به كثيرًا  وعرّفنى على ضباط  آخرين كانوا فيما بعد ضمن مجموعة (الضباط الأحرار)، ومن بداية تكوين الفكر الثورى لدى «عبدالناصر» ورفاقه ومحاولتهم انضمامى لهم كنت أقول أنا مصري وطني مثلكم وأنتم لمستم هذا وتعلموه تمام المعرفة ولكن شخصيتى لا يتوافر بها مقومات الثائر، أنا شخصية ملتزمة بمحددات وظيفية، أمّا أنتم فشخصيات ذو حِرَفية مهنية عسكرية لديها صفات الثائر الذي يقف فى الصف الأمامى يقود،  لقد خَلق الله كلّا منا ذا منفعة فى منحَى مختلف لتدور عجلة الحياة»، وأضاف: «لقد احترموا فىّ صراحتى وزاد هذا لثقتهم بى إلى درجة كبيرة للغاية؛ خصوصًا بعد أن وضّحت لهم أننى فى الخط الخلفى لهم أقف وراءهم وأساندهم وأساعدهم بكل ما أملك؛ لأنى مؤمن بما يقومون به، ولكنى لست من أرباب الصف الأول كثائر، وأننى سوف أدافع عنهم دون مشاركة فى فعل معهم، وأن واجب من تكون شخصيته مثلى فى الخطوط الخلفية أن يكون حائط صد ودفاع إذا لا قدّر الله فشلوا وتمكنوا للنَّيْل منهم، ولأنهم كانوا يعرفوننى تمام المعرفة وعلى اطلاع بطبيعة شخصيتى التي تعمل فى الظل كان الرائد «كمال حسين» وهو أحد الضباط الأحرار وأقربهم إلىّ يعلم أننى عازب، وقد مكثت كذلك حتى سن الأربعين، ولأنى لست من أهل القاهرة فأنا من محافظة الشرقية وكان والدى حكمدار المحافظة، لذلك كنت أقطن بمفردى فى القاهرة بعقار يحمل رقم (6 شارع الفسطاط)، ولأن اجتماعات الضباط الأحرار كانت متحركة وغير ثابتة فإنهم كانوا يتخذون أماكن عدة فى مناطق متباعدة للقاءاتهم، وكانت شقتى يقع عليها الاختيار من وقت لآخر، فيطلبون منّى تركها والرجوع بعد انتهاء اللقاء، وبالفعل كنت أترك الشقة وأعود بعد ساعات عدة قد تصل إلى 4 ساعات وأحيانًا أكثر بكثير ولكن لا يمكننى العودة وهم مجتمعون؛ لأنى لم أكن عضوًا فاعلًا فى الصف الأول مثل «جمال عبدالناصر، كمال حسين، بغدادى، السادات، صلاح سالم، عماد رشدى»، ولأن الشخصية الأقرب لى كما ذكرت لكى كانت «كمال حسين»، فهو مَن كان معه مفتاح الشقة ويذهب قبلهم ويستقبلهم وكان المفتاح معه لا يبرحه،  فقط يخطرنى باليوم الذي سيتواجدون فيه، ومع ذلك ظلوا يَعرضون علىّ المشاركة حتى يوم الثورة وطلبوا منّى الذهاب إلى أحد المطارات لتأمينها ومعى كشف للممنوعين من مغادرة البلاد، ولكنى رفضت وقلت لهم أنا خلفكم وليس فى الصف الأول معكم ولكنى فى ضهركم وسند لكم وقت الشدة لا قدّر الله، فقالوا لى (طيب إلزم مكانك) وقد كان..»..

واستطرد اللواء «إبراهيم كامل» حديثه معى قائلًا: «موقفى هذا كنت أتمنى أن يعمل مثلى اللواء «محمد نجيب»، فهو ليس بالشخصية الثائرة  ولكنه وطني صميم وكان  المفروض عندما عرضوا عليه أن يترأسهم ويصير رئيسًا لمصر أن يعتذر ويقول لهم أنه سندهم وفى ضهرهم وسيساعدهم؛ لأن التغيير الثورى وفلسفة ومبادئ العمل به تكون لدى العقل المُفجر لهذه الثورة، الذي يتغلغل بداخله كل ما درب عليه فكره للقيام  به فى مواقف متعددة لا يمكن لسواه أن يقوم بها نيابة عنه، ولذلك نجد أن  اللواء «نجيب»  تكبَّر عن البوح بأن فلسفة الثورة فعلًا  أعلى منه أداءً، وهذا ما جعله يخطئ فى حق الثورة عندما استعان بالقوى السياسية التي رفضتها الثورة، بل كانت من ضمن أسباب قيام الثورة لأنهم أفسدوا الحياة السياسية وبعدها استعان بجماعة الإخوان التى وجدتها فرصة للانقضاض على الثورة وسرقتها من الضباط الشباب الذين قاموا بها، ولولا أن الضباط الأحرار تحرّكوا سريعًا لإنقاذ ثورتهم لكان الإخوان والقوى السياسية من أحزاب ما قبل الثورة سطت عليها وفتكت بالضباط الثوريين، وأبسط شىء كانت اعتقلتهم أو اغتالتهم، ولكن ربنا ستر وجعلهم يسيطرون على الموقف وينقذون حلمهم الثورى ويُحرّرون وطنهم من كل هذه القوى الداخلية والخارجية التى تربصت بهم، وللأسف البعض يرى أن تحديد إقامة  «محمد نجيب» فيه إجحاف له ولكنى أراه إنقاذًا لشخص «محمد نجيب» نفسه وللثورة فى آن واحد؛ لأن القوى المتربصة بالثورة كانت ستستخدم  «نجيب» كمخلب للوقيعة بهولاء الضباط والزج بهم إلى مَجاهل التاريخ ويزداد حال البلاد سوءًا، ولكن الله ستر وألهَمَ «عبدالناصر» ورفاقه إلى الوضع الأنسب، الذى أؤكد أنه الأمثل،  وكما قلت لكِ كان عليه الاعتذار عن ترأسه  لهم مع تقديمه العون والمساعدة والمساندة الكاملة لهم حتى لا يضعه التاريخُ بين رُحَى الظالم أو المظلوم؛ لأنه شخصية عسكرية وطنية لم تعترف حتى لنفسها بأنها ليست ثورية، وهذا لا يُقلل من شأنه، فلقد اختار الله لكل منّا دورًا فى الحياة ووهبَها الشخصية القادرة على القيام بها...».