الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
محمد رشدي بين مذكراته والشاشة

محمد رشدي بين مذكراته والشاشة

أحببت شخصية الفنان محمد رشدي وأنا أقرأ مذكراته التي رواها للكاتب الصحفي سعيد الشحات منذ سنوات والتي صدرت مؤخرا عن دار "ريشة" للنشر، ولاحظت أنها جديرة بأن تتحول إلى مسلسل تليفزيوني تنقل للمشاهد حكاية إنسان بسيط وفنان كبير يحمل ملامح المصري الطيب المكافح الصابر والدءوب. وتنقلنا إلى أيام الغناء الشعبي الأنيق، والكلام الشعبي العريق.



الكتاب ليس تفريغ شرائط، إنما تضفير حكايات ووقائع، عبر نسيج لمواقف أبطالها  قمم فنية وشخصيات مشهورة لم نتعرف من قبل على جوانب كانت غائبة عنا حول حياتها.

ولو تحول الكتاب إلى عمل تليفزيوني فإن الشخصيات الشهيرة المعروفة للجمهور لن تكون هي فقط التي يتعرف المشاهد على علاقة محمد رشدي بها مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد المطلب وبليغ حمدي وحلمي بكر وغيرهم كثيرين، إنما سيكون متاحا التعرف على شخصيات فنية ذكرها محمد رشدي في مذكراته وقام الكاتب الصحفي سعيد الشحات مؤلف الكتاب بتوثيقها من خلال المراجع الكثيرة التي حرص على الإستعانة بها لاستكمال ما حكاه محمد رشدي، تلك المراجع التي تجاوزت الأربعين مرجعا. ومن هذه الشخصيات في الموال محمد العربي وزينب المنصورية، فاهتمام محمد رشدي بمثل هذه الشخصيات وتعلمه من أدائهم جعلني أفهم السبب الذي جعلني منذ زمن طويل أنسجم مع محمد رشدي في أدائه لموال "أدهم الشرقاوي" وأصدقه وأتفاعل مع الحالة التي عبر عنها.

يمتلك الكتاب خميرة مؤهلة لتقديم عمل تليفزيوني جذاب نتعرف فيه على بداية علاقته بعبد الحليم حافظ وهما وقتها فنانان مجهولان على محطة للقطار، ثم التقديم في الإذاعة في الفترة نفسها حين نجحت أغنية رشدي الشهيرة "قولوا لمأذون البلد"، ومرورا بتألق عبد الحليم وخفوت نجم محمد رشدي ثم توهجه عبر أدهم الشرقاوي وما تبعه من أغنيات يعتبر الكثيرون أن أهمها هو ما تعاون فيها مع كلمات عبد الرحمن الأبنودي الذي سعى للوصول إلى محمد رشدي عقب نجاحه في أدهم الشرقاوي. وإن كنت أرى عبر مادة الكتاب دون أن يذكر المؤلف هذا صراحة أن الموسيقار بليغ حمدي تحديدا هو النقلة الكبرى لصوت محمد رشدي ومكانته الفنية، فعبقرية بليغ حمدي الموسيقية دعمت إمكانيات صوت رشدي في الموال بعد أن نجح بعيدا عن بليغ حمدي في موال "أدهم الشرقاوي" وربط الجمهور والنقاد بينه وبين أداء عبد الحليم حافظ لأدهم الشرقاوي عبر مقارنات جاءت في صالح محمد رشدي، ثم مضت فترة إلى أن جدد بليغ حمدي ببلاغة إمكانيات صوت وأداء محمد رشدي في الموال فجعله يفتتح به الأغنية الصاروخية النجاح "عدوية"، حيث افتتحها بموال تألق فيه محمد رشدي بصيحته المستغيثة "صياد ورحت اصطاد صادوني". فجذب الأذان بالموال من جديد، بما يحققه الموال مع الصوت والأداء الجيد من حالة غنائية محببة إلى الأذن سواء عند المستمع القادم من الريف والمناطق الشعبية أو المستمع إبن المدينة مثلي الذي لا يتجاوب مع كلمات تتضمن "تحت السجر"، إنما يتفاعل مع جماليات صوت مطرب المواويل.

عبر الكتاب أيضا تبينت أن الموسيقار حلمي بكر قد وضع يده على أمر آخر في إمكانيات صوت وأداء رشدي، تلك الإمكانيات المنسوجة من نداءات الباعة المتجولين فاستدعى من صوت محمد رشدي سلاسة صيحات الباعة فجعله ينادي "عرباوي" في كلمات جذابة لحسن أبو عتمان، ومن كلماته أيضا "حسن المغنواتي"، وما تتضمنه من تعبيرات رقيقة مثل:

" آه يا حسن والحب مش عبودية، 

الحب دنيا كلها حرية، 

آه يا أنا منك يا هوا

يا أنا منك ولا مغرم إلا ما اشتكالك منك".

وفي "عرباوي" تعبيرات منها: 

"إهدي يا قلبي صبرك عليا الصبر هو... هو المداوي 

عرباوي

 والله يا هوي مغرم صبابة 

وقالولي أهل الهوى غلابة 

أنا قلت شاري وما دمت شاري 

أخلف ظنكم في الحب يا اللي فاكرين الهوى ده دمع وشكاوي"

وهي كلمات من الوارد أن يستسيغها جمهور أعرض من جمهور الكلمات التي سبق أن كتبها له الأبنودي.

وقد ظن رشدي أنه خسر باختطاف عبد الحليم حافظ لعبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي ليتعاونوا معه دون التعاون مع رشدي، إنما الحقيقة أنه كسب مؤلف كلمات جميلة هو حسن أبو عتمان، وبالطبع كسب ألحان حلمي بكر الذي نجح في تحقيق المزيد من الإبهار لجماليات صوت رشدي وأدائه المتميز. ثم ما تبع ذلك من توالي النجاحات وتألق للأغنيات.

وإذا كان المؤلف منذ السطور الأولى للمذكرات قد حرص على تسجيل الوصف الذي استخدمه الموسيقار الكبير عمار الشريعي عن صوت محمد رشدي قائلا أن النيل  لو غنى لكان صوته محمد رشدى. ولو قطعة مــن أحجــار الهــرم فكــرت تغني يبقى ده صوتها".

فإنه طوال الكتاب لم يكرر ذلك الوصف بشكل مباشر إنما ظل المعنى ساريا بين السطور عن تميز صوته ونقاء روحه وتلقائية تصرفاته واعترافاته.

منذ ما رواه عن غنائه في حضرة كوكب الشرق أم كلثوم عند زيارة لها في دسوق بينما هو مغني مغمور في الأفراح، وبعد تصفيق النــاس، ونزوله من على المسرح توجه إلى أم كلثــوم، التي قالت لفريــد زعلــوك: الولــد ده صوتــه يجنــن، هيبقــى مهــم، خــد بالــك منــه يــا فريــد. 

ومرورا بما ذكره محمد رشدي حول أن جزءا أساسيا من تأثره لوفاة السيدة الفاضلة والدته الفلاحة البسيطة هو أنها لم تعش إلى أن ترى ما وصل إليه.

ومرورا باعترافه بظروف نشأته الأسرية والمالية المتواضعة ثم حرصه على رعاية أخواته إنشراح وصبرية وعفاف تنفيذا لوصية الوالدة.

ووصولا إلى الدروس التي تعلمها من محنة تعرضه لحادثة كبرى ظل بعدها يستخدم العكاز لفترة طويلة، إنما جعلته المحنة يستحضر ما تتضمنه من منحة ربانية جعلته يراجع حياته ثم يخرج من المحنة وقد تعلم الكثير، إلى أن أصبح قامة فنية غنائية عالية بالجهد والإخلاص والقلب النقي والروح الصافية.

كتاب مذكرات "محمد رشدي: موال أهل البلد غنوه" الذي صدر مؤخرا عن دار ريشة للنشر تجاوز صفحاته الـ300 صفحة. وقد صدر للمؤلف سعيد الشحات الكاتب الصحفي عدة أعمال من قبل منها مجلدان من كتاب "ذات يوم، ذكريات ألف عام وأكثر"، وكتاب "ذكريات عشناها وأحلام مشيناها"، كما صدر له كتاب "أم كلثوم وحكام مصر".