الإثنين 21 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الأمن القومى العربى... إلى أين؟

الأمن القومى العربى... إلى أين؟

 الحديث عن الأمن القومى العربى الشامل يضع أمامنا صورة ما عليه المنطقة من خلال ثلاث كتل، الأولى (صلبة) يمكنها صيانة الأمن القومى العربى بقدر الإمكان، ممثلة فى مصر ودول الخليج العربى وفى بعض الأحيان تنضم الأردن فى مقابل كتلة (حرجة)  يمزقها التصارع الداخلى وتعانى من عدم الاستقرار مثل: (العراق وسوريا ولبنان والسودان وفلسطين وليبيا)  ويؤجج الصراع فيها دول غير عربية تستخدم القوى المتصارعة لتقوم لها بحرب الوكالة وتريد من ورائهم الحصول على قطع من أراضينا العربية لتحقق نفوذًا عليها وللأسف بيد أولادها ، وكتله ثالثة (تجمد نفسها) لمصالح رغم أنها وقتية لكنها تقدمها على المصلحة والحماية الدائمة التي يضمنها لها الأمن  القومى العربى الشامل  وهى ممثلة فى (المغرب وتونس وموريتانيا) ولا يفوتنا دويلة عربية تستخدم كغرفة استخباراتية وممولة لكل الهدر والتخريب والنيل من المنطقة العربية وأمنها، إنها (قطر) الماعون الفاسد فى الجسد العربى.



 

وعلى مدار نصف قرن، وتحديدا من منتصف القرن العشرين وحتى نهايته، ظل العدو الأوحد الذي يهدد الأمن القومى العربى هو (إسرائيل) وأرادت القوى الداعمة والحليفة لهذا الكيان  أن تضمن له استقرارا وحدودا آمنة وسط المنطقة العربية، لأنها تريد بقاءه  فيها،  ولذلك وقفت بقوة لإزالة مفهوم (العدو التقليدى) عند العرب وتوسطت لعقد اتفاقيات سلام مع دول الجوار، وعلى رأسها الدولة الكبرى (مصر)  التي أخذت على عاتقها التصدى لكل مراحل الصراع بين العدو الرئيسى لتهديد الأمن القومى العربى على مدار أربع مراحل للصراع خلال خمسين عاما استنزفت خلالها قوتها الاقتصادية والعسكرية والبشرية ودعمها العرب بصور مختلفة، لكنها كانت هى المتصدر بالمواجهة المباشرة متحملة كل تبعات ذلك. وفى محاولة ضمن حياكات (الشرق الأوسط الجديد) التي تم طبخها وابتداعها ليتم تطبيقها مع بداية  القرن ٢١  بمنطقتنا العربية ولتخفيف وطأة (إسرائيل  العدو الأوحد للعرب بالمنطقة ) تم إدخال دولتين من الدائرة الإسلامية تربطهما حدود مع بعض الدول العربية، وهما (إيران وتركيا) حتى يتم القضاء على الأمن القومى العربى ويظهر بدلا منه (أمن الشرق الأوسط ) ليذوب فيها الأمن العربى وليحق للدولتين التي تم إقحامهما فى حيز أمننا بأن يكونا فاعلين بالمنطقة، ولذلك تُرك لهما حرية التسليح وتم دعمهما من القوى العظمى بكل ما يجعلهما قوى مهددة للأمن العربى، ولكن تحت مسمى شرعية حماية أمنها القومى كونها جارة لبعض الدول العربية وليلغى الأمن القومى العربى وتصير اليافطة  (الأمن الشرق أوسطى) وهذا يفسر تساؤلاتنا حول لماذا تقف أمريكا وأوروبا وروسيا متفرجة على ما تقوم به تركيا وإيران فى منطقتنا ولا تتدخل إلا عندما يقتربان من الخط الأحمر الذي وضعته لهما وهو عدم الاقتراب من قواعدها أو أماكن نفوذها وتمركزها بالدول العربية، عند ذلك نجد استنفارا روسيا أحيانا فى سوريا وآخر لأمريكا فى العراق، وأوروبا حتى الآن لم تقم بتقسيم التورته الليبية ما بين إيطاليا وفرنسا وغيرهما حتى يمكنهما التدخل لحماية مصالحهما من يد تركيا غير آبهين بما يجول فى أروقة منطقتنا العربية والتهديدات الزاحفة على قوميتنا وأمننا الشامل.

 

ولقد حاولت السعودية أن تفشل أمن (الشرق الأوسط الجديد)  وتستعوضه بأمن الدول الإسلامية فأدخلت ماليزيا وأفغانستان وباكستان وحضر هذا الملتقى الإسلامى القوى الكبرى أمريكا وروسيا، وكان الهدف من ذلك  هو توسيع رقعة الدول فى دائرة لا تجعل هاتين الدولتين (إيران وتركيا) شركاء لنا فى أمن شرق أوسطى بل هما وآخرون يكونون فى  (دايرة أمنية)  حيزها أكبر لا يحدده الموقع الجغرافى لدول طامعة بل تحجمه وتقضى عليه،  إلا أن هذا لم يكتب له النجاح ودخلت القوى الكبرى ذات المصالح ومارست ضغوطا لكى تبقى على مصطلحها الذي تريده وهو (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير) وتدعم الدولتين اللتين تحركهما من وراء الستار ليقوما لها بما تريد ثم يكون معهما شأن آخر.

 

والآن أمام (الأمن القومى العربى) تحدٍّ جديد بعد ظهور قوى إقليمية معادية تعتنق المذهب الاستعمارى بقوة، وإذا كان الأمن القومى العربى يعتريه الغموض لعدم تحديد الأهداف والأولويات، خاصة أنه لم تعد إسرائيل العدو الأوحد والدائم، والأكثر أنه حتى الدولة المصرية ذات الجيش القوى يقومون بإحاطتها بالتحديات مجتمعة فى وقت واحد،  ولم يعد الأمن العربى فقط هو ما يستنفرها بل صار أيضا الأمن الإفريقى والذي هو فى ترابط والأمن العربى لخلق مناوشات عن طريق الزج بإثيوبيا للقيام بدور المتعنت فى حقوق دول مصب نهر النيل (مصر والسودان) وتريد أن تجعل مياه النيل الأزرق ملكا خالصا لها  كدولة منبع بتخزين مياهه بخزانات سد (النهضة) التي تنشئة وتجور بذلك على حياة شعوب دولتين عربيتين جيران لها فى القارة السمراء.

 

لقد دخل الأمن القومى العربى حيز التنفيذ عندما قال (الرئيس السيسي) إن هناك خطا أحمر فى منطقتى (الجفرة وسرت) الليبية واللتين تعتبران عمقا استراتيجيا للحدود المصرية الليبية، وأن أى اقتراب منهما هو تهديد مباشر لأمن مصر أولا والأمن العربى ثانيا، ومع هذا يقوم أردوغان وحكومة الوفاق الخائنة فى السعى  لحشد الميليشيات الإرهابية وخلق قاعدة عسكرية تركية على الحدود الليبية المصرية، وهذا تهديد مباشر لأمننا أطلق على أساسه (الرئيس السيسي) الإنذار والتحذير  الأخير لتركيا عن طريق المناورة الكبرى (حسم) لتحسم الأمر  فيما  ترتكبه أنقرة فى حق الشقيقة ليبيا وتهديد أمننا القومى بشكل مباشر، وأعقب ذلك  بيان أصدره  البرلمان الليبى الجهة الشرعية المعترف بها دوليا للتحدث باسم الشعب الليبى لتجيز لمصر التدخل عسكريا فى ليبيا لحماية الأمن القومى للبلدين.

 

ويبقى أمام المجتمع العربى حوار صريح لتحديد كيف ينظرون إلى أمنهم القومى الشامل؟ وكيف يتصدون لأعداء كثر من أقاليم يدعون أنهم مشاركون لهم بالمنطقة.