الخميس 22 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

قصة قصيرة .. السؤال الأخير

 هزّة أرضية كنت أشعرها بداخلي كلما تذكرت أنّ الغد موعد الاختبار المخول بقبولي في الجامعة ، بعد نجاحي المتواضع في امتحان الثانوية العامة، تلقيت ذلك عن طريق اتصال هاتفي ، جلست على الأريكة واجمًا متجمدًا بعد أن أغلقتُ سماعة الهاتف وقد تيبس لساني وعجزت عن الرد على الآنسة التي أخبرتني عن الموعد باقتضاب وبرود ، تحجّرت عيوني وتملكني شعور برعب ملأني توترًا ، وارتعشت أطرافي تحت سطوة وجوب نجاحي وقبولي فوالدي لا يرحم الإخفاق وسوطه يترك أخاديدَ في الجلد إذا ما التمس أي تقصير وأمي تعاني من قلبٍ ضعيفٍ بطيءٍ كسولٍ قد يتعطل عن الحركة إذا ما فرّت مني فرصة الدخول إلى الجامعة ، عمي يهددني بعقاب خاص لا أعرف ماهيته ولكن يكفي صوته الأجشّ ولسانه الحادّ السليط الذي يزرع عواصفَ ترتجف بين حنايا الصدر وفي أركان النفس ، حتى أختي الكبيرة تحملني مسؤولية فقدان أمي لو أخفقت ولم أُقبل. 



 

        أبواقهم تطرق مسمعي بأصوات جاءت من الجحيم وإنذاراتهم الاستباقية أثقلت كاهلي حتى عن التفكير في طبيعة الاختبار ، وكل محاولات الاستعداد الجادة التي حاولتها باءت بالفشل وراء ألسنتهم الجارحة فكل محاولاتي تضاءلت وتلاشت.          سرقوا النوم من عيوني فتكلّلت جفوني بالنعاس وراح الهلع يوسوس في نفسي ويحرق روحي، ارتديت ملابسي على عجل على الرغم من أنني لم أكن متأخرا لأن التأخير جثم على صدري هاجسا اعتكف في قلبي الذي يخفق بالخوف ولا يريد الرحيل. والنوم بدا شبحا قد يغطي عيوني في أيّة لحظة.          خرجت من المنزل بُعَيدَ أذان الفجر كانت العصافير ما تزال راقدة في أعشاشها والغيوم متلبدة تغطي أنفاس القمر المخنوق، كانت خطواتي المتثاقلة تقع على الأرض كوقع بقايا حبّات المطر من سقف بيتٍ مهجورٍ على آنية عتيقة ملقاة على وجهها منذ العصور الحجرية. 

         كان خدرا ما يقيدني ويجعل خطواتي متهالكة ومترهلة كروحي اليائسة والتي تحطّمت بفعل تتالي التهديدات وانهمار الوعيد فوق رأسي وبين قيود الخوف وأغلال التهديد شعرت أن المدينة مهجورة والأضواء نائمة وأغصان أشجار الحدائق يابسة على الرغم من خضرتها المعتادة والسيارات متبعثرة في نظام جامد ، كنت أول الواصلين إلى مبنى الجامعة المسوّرة بأسوار عملاقة أودت بي إلى بوابة هاجعة ما تزال مغلقة كأنها تستنكر وصولي المبكر. 

         فجلست على حافة الرصيف كيتيمٍ مشرّدٍ ، وضعت رأسي بين ركبتي ورحت أفكر بالصاعقة التي ستنزل على رؤوس أهلي في حال الإخفاق ، لا محالة أنها ستفجّر غضب والدي وتقصم قلب أمي وأكون سبب عذابهم الأبدي ، هل يكون المحبوب السبب الرئيس في عذاب من يحب ؟ طاحت من عيني دمعة باردة بللت بقعة ضئيلة من الأرض كانت بحجم خرم إبرة أرى الكون برمته أصغر منه. 

       وصدر صوت فتح الباب الحديديّ من حارس الجامعة كرعدٍ قتل صمتي واخترق قلبي منذرًا باقتراب موعد المقابلة المصيرية ، وبدأت قوافل الطلاب تتوافد متتالية ، وراحوا يدخلون الحرم الجامعي يتحدثون ويمرحون ويضحكون وأنا أستغرب قائلًا أليس لهم أهل يخافون عليهم !؟ فانزويت وحيدًا في ركنٍ خجل الضوء من الوصول إليه أنتظرُ دوري كمن ينتظر الدخول إلى كهف شائك ، صاح المنادي مطلقًا اسمي فشعرت كأنه البوق الذي سينفخ نهاية العالم ، فانطلقت مني ( نعم .... نعم ) خجلى مطأطئةً خافتةً ودخلت بحلمٍ مُدمَرٍ يعاني الموت قبل الولادة. 

        كانوا ثلاثة يجلسون بنسق مظلم أولهم يزن ألف رطل أو ربما أكثر لا يملك شعرا ولا شعورا أظن فقد قال لي اجلس دون أن ينظر إليّ وهو يكتب على ورقة تعاني تحت أصابعه المدببة ، غرست نظري في الأرض ورميت نفسي على الكرسي كمن تعب نبضه بعد سفر طويل ولأن أنظارنا كاللصوص تبحث دائما عن طوق نجاة حتى ولو كان واهنا سرقت نظرتين كانت الأولى إلى عضو اللجنة الذي يجلس في الوسط كان وجهه مستطيلا أو ربما مربعا وشعره كالغيوم التي أخفت أنفاس القمر وكان يخفي عينيه خلف نظارة سوداء كليل باهت ، أما العضو الثالث فقد كان وسيما أرسل لي ابتسامة هادئة كامتثال النور وبهاء الشمس وامتاز بحضور مبهج منحني حفنة من أمل فتمنيت لو أنه كان وحيدا أو على الأقل أن يبدأ بالاسئلة لعلّي أجد بعض الأمان في حروفه ولأن أصابع القدر تعزف في كثير من الأحيان بالاتجاه المعاكس بدأ الضخم بسؤاله فأيقنت أن صاحب الابتسامة سيكون سؤاله هو السؤال الأخير. 

      تثلجت كلماتي التي أثقلت لساني وجعلَتْه عاجزا عن النطق ببنت شفة على الرغم من عرقي المتصبب كنهر حارّ فوق جبهتي فانتقل السؤال إلى الرجل ذي الوجه المستطيل الذي أردفني بسؤال لم أسمعه لأني شعرت بجدران القاعة تنطبق على أذنيّ ولم أعد أسمع إلا صوت سياط أبي وانتحاب أختي على موت أمي غرقت في ثيابي كأني أتلاشى عن الوجود وفي نفسي لهفة لسماع سؤال صاحب الابتسامة ولكن شيئا بحجم الأرض أثقل جفوني وغبت عن الوعي قبل أن أسمع السؤال الأخير .

 أحمد عبد القادر الرفاعي كاتب سورى