الثلاثاء 11 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
موال النهار

موال النهار

وإحنا بلدنا ليل نهار بتحب موال النهار



 

لما يعدي في الدروب ويغني قدام كل دار

 

 

هي مصر دائما التي ترفض اليأس وتتمسك بالأمل، ترفض الاستسلام لواقع سيئ، ترفض أن يسرق أحد تاريخها أو مستقبلها، ترفض أن تكون لغير المصريين، ترفض أن تكون يومًا ما تابعة ذليلة وتصر أن تبقى شامخة أبية.

 

دائما هي من تختار من يحكمها، هي من تتحدى كل الصعاب وتقاوم كل التحديات والمؤامرات وتسقط كل المخططات والدسائس، هي مصر التي سبقت الدنيا كلها إلى العلم والحضارة وإلى العمل والتشييد والاستقرار، لم تفلح كل المخططات في كسر إرادتها من الهكسوس إلى الإنجليز مرورا بالعثمانيين وانتهاءً بالصهاينة، كما لم تفلح أي قوة في فرض إملاءات عليها أو طمس هويتها.

 

على مر الزمان تعشق مصر موال النهار، تعشق النور والوضوح، تحكمها قيم ومبادئ، تسعى للبناء والتنمية، تعزز دائما من أواصر المحبة والإخاء والمساواة، تؤمن بحق الآخرين في الحياة، أمة أبهرت الإنسانية بما قدمته لها في جميع فروع العلم والمعرفة وفي مختلف مناحي الحياة، قاومت الغزاة على مر العصور، لم تتأثر ثقافتها بثقافاتهم بل احتفظت بهويتها وتراثها ولغتها وقيمها عكس العديد من الدول التي صهرها الاستعمار وطمس هويتها، ليست كغيرها لم تستول على ما ليس لها، ولم تأخذ حقا ليس من حقوقها، تبقى أبدا أبية صلبة لا تقبل الخنوع أو الاستسلام ولا تثنيها مخططات الآخرين ومؤامراتهم عن المضي في طريقها إلى ما تصبو إليه.

 

كل ليل مر بمصر كان له نهار يجدد الأمل ويطلق الطاقات والقدرات، ويبدد ما ترسب من آثار سيئة، ويزيل ما ترسخ من وهن وأفكار فاسدة، ويعيد لها رونقها وبهاءها.

 

في هذا الإطار جاء نهار 30 يونيو 2013 الذي نحتفل بذكراه السابعة هذه الأيام ليثبت هذا المعنى ويزيده رسوخًا، ليؤكد أن مصر تسير في المسار الصحيح دائما لا يبعدها عنه أحد، قادرة على الحفاظ على هويتها.

 

جاء 30 يونيو كامتداد طبيعي لأيام مصر الكبار، فمصر التي انطلقت عن بكرة أبيها بتلقائية وعفوية هي نفسها التي خرجت في عفوية وتلقائية- طلبة وعمال وسياسيون رجال ونساء- في مختلف أنحاء القاهرة والإسكندرية في التاسع من مارس عام 1919 رافضين ممارسات الاحتلال حتى كان لهم ما أرادوا بإقرار دستور 1923 وتشكيل البرلمان.

 

وهي نفسها مصر التي خرجت إلى الشوارع والميادين مؤيدة نفرا من أبنائها من رجال جيشها الأبي الذي رفض هيمنة الإنجليز على البلد، وحكم الملك وأعوانه، وسيطرة الإقطاع الفاسد على مقدرات المصريين.

 

وهي نفسها التي هبت بعد نكسة يونيو 1967 وخرجت إلى الشوارع في مظاهرات تتمسك بالقيادة السياسية ترفض الهزيمة وتطالب بالحرب والثأر.

 

وهي ذاتها التي خرجت في 30 يونيو 2013 ترفض حكم الإخوان وتطالب بحكم رشيد، رافضة أن تحكمها جماعة ضالة لا تؤمن بفكرة الدولة، رافضة كل مخططات الهيمنة والتبعية، خرجت مصر عن بكرة أبيها في 30 يونيو- كل فئات الشعب وطوائفه وتياراته السياسية- رافضة أن يختطفها أحد في غفلة من الزمن.

 

"تحلم بالسنابل والخير، تحلم ببكرة واللي حيجيبه معاه، تنده عليه في الضلمة وبتسمع نداه، تصحى له من قبل الأدان، تروح تقابله في الغيطان، في المتاجر والمصانع والمدارس والساحات، طالعة له صحبة جنود، طالعة له رجال أطفال بنات، كل الدروب واخدة بلدنا للنهار، واحنا بلدنا ليل نهار بتحب موال النهار، لما يعدى في الدروب ويغني قدام كل دار".. صورة رائعة بمفردات صادقة خرجت من قلب الخال الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي، في رائعته "عدى النهار" وغناها خالد الذكر العندليب عبد الحليم حافظ، عبّرت عما يجيش في صدر كل مصري بعد هزيمة يونيو، تؤكد عزم المصريين على محو عار الهزيمة.

 

كلمات رسمت صورة لشعب أبيّ ثار عن بكرة أبيه رافضا الاستسلام والخنوع حتى كان له ما أراد خلال حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر المجيدة، التي سطر خلالها المصريون بحروف من نور واحدا من أعظم الانتصارات في التاريخ.

 

الصورة ذاتها كما رسمها الأبنودي وسجلها العندليب بصوته، هي نفسها وبكل تفاصيلها عاشتها مصر قبل وأثناء وبعد 30 يونيو 2013، صورة لشعب أبي أبهر العالم عبر كل العصور والمراحل، شعب يحلم بالحياة والحرية يرفض الخنوع والاستسلام، توحد مع مؤسساته بكل طوائفه وفئاته، شبابه وشيوخه ونسائه، طلابه وعماله ومثقفيه، شكلوا ائتلافات ثورية وسياسية، خرجوا إلى الشوارع والميادين مطالبين عبد الفتاح السيسي- وزير الدفاع في هذا الوقت- بالتدخل، رافضين حكم الإخوان، في مشهد واحد يتكرر دائما يطالب بتخطي الهزيمة والانكسار إلى الانتصار والعزة والكرامة، وتخطي اليأس والإحباط إلى الأمل والحياة، حتى كان للمصريين ما خرجوا من أجله في 30 يونيو 2013 وهذه الصورة لمصر الحديثة بعد 7 سنوات من ثورة يونيو، وهذه الإنجازات التي تحققت في مختلف مناحي الحياة بها خير دليل على ذلك. 

 

"سيتوقف التاريخ كثيرا أمام ثورة يونيو وستظل حية في ذاكرة كل الأجيال بما رسخته من مبادئ العزة والكرامة والوطنية والحفاظ على هوية مصر الأصيلة من الاختطاف، مصر أمة صنعت التاريخ وما زالت تصنعه في شتى الميادين وتلهم الإنسانية بما تحققه، وأجدد العهد على المضي في معركتنا الشريفة في العمل والبناء ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية بنفس العذيمة والإصرار".. صدقت يا سيادة الرئيس ونثق في وطنيتك وإخلاصك وقدرتك على الوفاء بالعهد.