الأربعاء 23 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
انشراح القلب بصوت الأذان

انشراح القلب بصوت الأذان

مثل تأثرنا لفراق مؤقت لحبيب، مع ذلك تشجيعنا له على أن يسافر للضرورة، كذلك كان تأثري وكتمي دموعي حين سمعت بأذني لأول مرة منذ شهور صوت المؤذن ينادي "صلوا في بيوتكم".



 

ثم لم أتوقف عن الدعاء عقب كل نداء: "اللهم أعدنا إلى بيتك سالمين مأجورين وأنت راض عنا".

 

إلى أن سمعت مؤخرا من جديد فرحة النداء بـ"حي على الصلاة، حي على الفلاح"، وببهجة لاحظت أن النداء لم يعد قادما من مسجد واحد كما كان الحال وقت "صلوا في بيوتكم"، بل هو قادم عبر أكثر من صوت لأكثر من ميكروفون بما يشير إلى أن بقية المساجد الصغيرة قد عادت تصدح بالأذان مع عودة الصلاة داخل بيوت الله.

 

انشرح صدري وتذكرت حين كنت في مهمة عمل منذ سنوات في "سويسرا"، وكنت مستمتعة جدا بالجمال والنظافة والحضارة، بالخضرة والماء والوجه الحسن. إنما كان قلبي مشتاق بشدة لسماع الأذان، وقد كان غياب الأذان يجعلني أشعر أحيانا كأنني قد تم اختطافي إلى أرض غريبة. بعدها مباشرة انتقلت إلى مهمة عمل في "تركيا" ويا سلام على الانشراح بصوت الأذان يجلجل من مآذن شامخة تطل على جبال زاهية.

لصوت كل مؤذن مذاق، صوت مؤذن الحرم بصوته الممتد عند النداء بـ"الله أكبر" كأنه يطير بك منتشيا إلى بيت الله الحرام قبلتنا في كل صلاة.

 

صوت الشيخ "محمد رفعت" الله يرحمه المفتوح منذ البدء بـ "الله أكبر" وحتى الختام بـ"لا إله إلا الله" كأنه يحلق بك إلى السماء متضرعا بالحب لرب البيت.

 

أما الأذان من فوق بيت الله الحرام لأول مرة في التاريخ فقد كان بصوت "بلال بن رباح" الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعتلي الكعبة ويؤذن يوم فتح مكة، في حالة ابتهاج وسرور بنصر الله والفتح، وفي المكان نفسه الذي كان يعذبه فيه أكابر المشركين ليردوه عن دين الإسلام فيواجههم مستبسلا "أحد، أحد".

ولقد كان أول أذان على الإطلاق منذ بداية تشريع الأذان هو أيضا لسيدنا "بلال" بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر في هذه المهمة إلى أن توفى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد سيدنا بلال أنه عاطفيا غير قادر على الاستمرار في مهمة الأذان حيث غلبته دموعه عندما وصل إلى "أشهد أن محمدا رسول الله".

 

ثم بعد سنوات من توقفه عن الأذان صدح صوته من جديد بالأذان لمرة واحدة، وذلك بأول أذان في المسجد الأقصى، فمع تحرير بيت المقدس ودخول سيدنا عمر بن الخطاب أرض قبلتنا الأولى ومعه عدد من كبار الصحابة طلب الخليفة من سيدنا بلال أن يؤذن ابتهاجا بالفتح، تردد مؤذن الرسول لبعض الوقت ثم تولى المهمة، إلا أنها كانت أول وآخر مرة يؤذن فيها بعد رحيل الحبيب صلى الله عليه وسلم، حيث ما أن ارتفع صوته ببداية الأذان متأثرا حتى فاضت عيون سيدنا عمر بالبكاء وانهمرت الدموع من الحاضرين، فصوت بلال قد أعاد للصحابة طعم تلك الأيام التي كان يؤذن فيها في حضرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، خاصة أن صوته قد ألحق فيض الوجد بفتح مكة قبلة المسلمين بفيضان المشاعر مع فتح بيت المقدس القبلة الأولى.

 

يا رب رد إلينا قبلتنا الأولى محررا من الصهاينة، وامنحنا الخشوع في الصلاة، وتقبل منا، ولا تحرمنا متعة دخول بيوتك راكعين، ساجدين، آمنين.