الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

قصة قصيرة.. سهرة مع الذات

 دخل المنزل قبيل أذان المغرب كعادته، ليلقي تحيته على شجرة الليمون المتدلية بود وياسمينة الدار العبقة بروح المساء، وكذلك على البحرة المتدفقة بماء الحب والحنان، حاملاً معه كتاباً جديداً أمضى ساعةً أو ربما أكثر في اختياره من بين مئات الكتب المكدّسة على رصيفٍ يغفو منذ عشرات السنين على حافة صخب شارع يشطر المدينة .



استقبلته زوجته بوابل من الملاحظات والانتقادات كعادتها بسبب إسرافه في شراء الكتب بشكل يومي على الرغم من ضيق الأحوال، متناسية أن رجلا مثله لا يقتات إلّا على سحر الحروف وبديع الكلمات، وكعادته تجاهلها بابتسامةٍ ، ثمّ توجه إلى غرفة الأولاد حيث ينسى أمام ابتساماتهم العذبة كبد العيش وصعوبة تحصيل الرزق في كنف ظروف تعصف بالناس كرياح الخريف ، ولكن في هذه الليلة لم تنسيه ضحكات أطفاله أيّ شيءٍ لأنه أساسا لم يجدها فقد تبدّلت الضحكات دموعاً أمام حرمان الفقر المدقع ؛ فهذا يريد حاسوباً لوحياً ليتابع دراسته وهذا يريد ثمناً لشراء مرجعٍ مهم وتلك تريد ثمن بنطالٍ جديدٍ فقد اهترأ القديم فهي تلبسه منذ العيد الماضي.

خرج مثقلاً بهموم تأمين تلك الطلبات التي لا يملك من ثمنها شيئاً ، ولتكتمل اللوحة السوداء زفّت له زوجته أخبارا قديمة ؛ المطبخ بحاجة إلى تجديد والبراد يصفر من قلّة الطعام أو بالأحرى من عدم وجوده والدائنون يطرقون الباب عشرات المرات يوميا كما هو حال قطرات المياه التي تنزّ من السطح المتشقق ، وكعادة النساء الحلول دائما موجودة ؛ بِعِ الكتب المكدسة في مكتبتك وستُحلُّ معظم المشاكل ؛ سنستفيد من الغرفة ليتسع البيت وسنحول المكتبة الخشبية إلى خزانة لثياب الأولاد ، وبثمن الكتب سنتجاوز بعض العسر الذي نعيش.

كلّ يوم تقترح عليه الاقتراح ذاته وكلّ يوم يشعر بكلامها كمسلّات حادّة تدمي فؤاده ، هيهات يا امرأة كيف يتخلى رجل مثله عن كنزه الثمين الذي يسهر معه يوميا بكل تماهٍ وألفة، كيف يبيع الإنسان روحه وجوده طفولته ونشأته وشبابه كيف يبيع الإنسان ذاته ! كيف يبيع عمره للرصيف، وهل من عمرٍ يُباع ؟؟؟

ولكن دموع أولاده جعلته يفكر بالأمر فليس أمامه خيار آخر ما أصعب ذلك الشعور! وما أمرّه ! وما أقساه ! فبدأت سهرته الوداعية مع ذاته وراح يجيل بصره بين الرفوف المرتبة والمنظفة بعناية، راح يتذكر تلك الليالي التي قضاه مع هذا الكنز المعرفي منذ لامست أنامله الكتاب الأول عندما كان في الثامنة من عمره عندما فتحت له والدته مكتبة أبيه التي كانت تضم رفّاً واحداً فقط وقالت له إياك والعبث بهذه الكتب فوالدك يقدسها ، كان يحمل الكتب بعناية تفوق العناية ذاتها ، كانت كتب في الدين والتاريخ ، كانت أكبر من سنه بكثير ولكن نهمه لمغازلة الحروف جعلته يدخل في طياتها فقرأ ديوان الشافعي حتى حفظ معظمه وعرف أنّ الفضيلة المطلقة تكون في طيب التعامل مع الناس بالمقام الأول وكذلك قرأ المستطرف للأبشيهي وحفظ نوادر العرب وأخبارهم وأجمل ما قرأ كتاب تاريخ الأدب العربي الذي عشق.

وراحت الأيام تطوي وحب الحرف وعشق الكلمة يكبران معه وكان الكتاب الأول الذي يشتريه في سن الثالثة عشرة وهو كتاب كليلة ودمنة ، وكعادة والده كتب اسمه على زواية الصفحة الأولى وتاريخ شراء الكتاب ومكانه ورسم توقيعه الصغير بجانبه ليلتحم بذلك الكتاب واضعاً لبنته الأولى في مكتبة كان يسميها دائما كنزه الثمين، وهكذا توالت سنون تعدادها ثلاثون وهو يقسم خرجيته إلى نصفين نصف يأكل به والنصف الثاني يشتري كتاباً جديداً يعتبره جزءاً من ذاته المتكونة حتى كوّن ذاتاً من مختلف علوم الدنيا بعدد من الكتب أكبر من أن يُعدّ أويُحصى ، وكان دائماً يدوّن اسمه ويرسم توقيعه في زاوية الصفحة الأولى بكل فخر واعتزاز ، وها هو الآن يودع هذا الكنز كأنه يودع جزءا من روحه لا بل يودع روحه كلها فقد وهب هذه الكتب حياةً من روحه وشغفا من ذاته، ولكنه أُجبر على التضحية بها أمام شظف العيش و في سبيل إسعاد فلذات كبده، لم تكن دموعه كافية فقد كان يحضن كل كتاب على حدى ويتذكر معه تلك الأيام التي قضاها في قراءته كأنه ولد من أولاده أو كأنه جارحة من جوارحه لأن علاقتنا بالكتب علاقة الدم بالوريد وعلاقة القلب بالنبض وعلاقة الورد بالعطر فمنها ما يكوّن أفكارنا ومنها ما يخلق ابتساماتنا ومنها ما يبهج قلوبنا ومنها ما يرسم أحلامنا ومنها ما يجعلنا نرتبط بذاتنا، وداعا يا كنزي الثمين وداعا أيتها الذات، هل سنلتقي ثانية؟ ولكن أين على ذلك الرصيف أم بعد الانتهاء من تناول وجبة فلافل أو لبّ أو ذرة وداعا أيها الكنز ووداعا أيتها الذات.

استعان بثلاثة شباب من شبان الحارة لحمل الكتب بعد جمعها وربطها وغاب حتى المساء حيث عاد وهو مستبشر يحمل الكتب نفسها ويقول لزوجته المستغربة لا يمكن أن أبيع ذاتي ، وفي داخله اعتذار لذاته لأنه كذب عليها ولم يستطع أن يقول لها بصراحة إن أحدا لم يضحِ بماله ويشترِ كنزه الثمين.