الجمعة 7 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

د. رودينا ياسين تكتب: أزمة السد الحائر

سد النهضةـ ذاك البناء الجائر والحائر أحيانًا، وضعت أساساته على أرض لا تقبله، وشعب يبحث عن هوية بعد أن أطلقت عليه رصاصات التهميش والتغريب والقتل، أطلقت عليه مسميات تحمل كثيرًا من المعاني، تتغير بتغير الهدف، تتغير بتغير معطيات الخريطة السياسية لتتوافق تمامًا مع الوضع القائم فهو سد إكس والسد الحدودي وهيداسي وإكسبريس وسد الألفية وأخيرًا سد النهضة العظيم.



 

وكما تضاربت المسميات تضاربت السعة التخزينية، والهدف من البناء على أرض لا تقبله، أهو لتوليد الطاقة الكهرومائية أم للتخزين المائي؟ وتستمر الاجتماعات والمفاوضات ويتواصل البناء الجائر على قدم وساق.

 

ترى ماذا يمثل هذا السد لمصر؟ أهو بدايات للتعاون أم نهاية للصراع أم هو حصار سياسي واقتصادي لفرض وإرساء قاعدة تسعير المياه؟

 

ومحاولات بعض الأطراف الدولية والإقليمية ترويجَ مبدأ تسعير المياه وبيعِها في المنطقةِ العربيةِ من خلال تسويقِها عَبْر مشروعاتٍ يُرَوِّجُ لها البنكُ الدوليُّ وإسرائيلُ وتركيا وبعض دول المنابع في حوض النيل.

 

وبالفعل قامت تركيا وإسرائيل وإثيوبيا بتغيير قواعد القانون الدولي للأنهار والعمل على المطالبة بإلغاء المعاهدات الدولية، وطرحت مصطلح "خصخصة المياه وتسعيرها".

 

وتعني الخصْخصَةُ وضع سِعْرٍ لاستخدامِ المياه، وغرامةٍ لإهدارِها أو تلويثِها؛ انطلاقا من أنَّ هناك توقعًا بزيادة نُدرة المياه في العالم، وأنَّه كلما زادتْ هذه الندرةُ تعمَّقتِ الفجوةُ بين عَرْض وطَلَبِ المياه على مستوى العالم.

 

ونجحت إسرائيل في انتزاع مياه نهر الأردن وبحيرة طبرية، وهذا كان سببًا مباشرًا في حرب 67.

 

وبالقياس قامت تركيا في عام 1983 ببناء سد أتاتورك- ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول لبناء 15 سدًا بتكلفة 33 مليار دولار- ضاربة عرض الحائط بالاعتراضات والحقوق المائية لسوريا والعراق، واكتفت بتقديم التطمينات كافة، التي ثبت زيفها مع الأيام، وتم بناء سد أتاتورك، الذي خنق الدولتين وحرمت سوريا والعراق من 40% و70% من حصتهما من مياه الفرات، وصرخت دمشق وبغداد صرخًا مدويًا من الجفاف، وتجاهلت أنقرة الأمر تمامًا، بل وامتد الأمر إلى عقاب سوريا بقطع إمداد الفرات 3 أسابيع ردا على دعمها للحزب الكردستاني المعارض لتركيا.

 

ولإظهار النفوذ التركي واستعادة تاريخ الأستانة القديم في المنطقة، وإسرائيل تشجع وتراقب تمهيدًا لنقل التجربة إلى الساحة الأهم والأخطر وهي حوض النيل، ضاربين عرض الحائط بالقدوة والقانون الدولي، ووفقًا لإصدار يتكلم عن مضار الفوضى والجغرافيا الجديدة للعنف، يفيد بأن أي نقص في المياه يؤثر على الزراعة سلبًا سيؤدي إلى الركود وتزايد البطالة والسرقة والقتل وظهور الجماعات المسلحة، ومع انتشار الأسلحة الصغيرة ستتحول إلى وسيلة تعبير، مما يضعف دور الدولة ودعم هذا الكتاب ببعض تقارير الأمريكية التي أشارت إلى أن أسباب الحرب الدائرة في سوريا الآن كانت بسبب الجفاف الكائن في شمال شرقي البلاد في السنوات الأخيرة ما دفع بعض السكان إلى الانضمام للعمل المسلح ضد الحكومة ومن ثم ضد الدولة، وبالقياس العراق وسقطت سوريا والعراق في الفوضى.

 

أرى تشابها كثيرا بين سيناريو سد النهضة وسد أتاتورك، وتشابها في مسار التطمينات والمفاوضات، ولكن السؤال هنا: هل مصر ستكرر هذا السيناريو مرة أخرى أم هناك أوراق أخرى لم تظهر على ساحة المشهد.

 

فمصر تتعامل إلى الآن بشكل حكيم في إدارة هذه الملف وحريصة على إشراك المجتمع الدولي في حل القضية.

 

واللجوء إلى مجلس الأمن ورقة من أوراق اللعبة السياسية بعد أن أعلنت أنها ستبدأ بملء منفرد لسد النهضة بعد أيام قليلة.

 

فمصر لها خطط بديلة، واللجوء إلى مجلس الأمن يعد التزاما بالقنوات الشرعية.

 

وفي النهاية الحبشة دولة على صفيح ساخن، تعاني من ثورات كامنة تعددية عرقية ودينية متناحرة فالشأن الداخلي انعكاس لقياس الهيمنة والقوى الخارجية.