الجمعة 14 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
في حب رياض السنباطي

في حب رياض السنباطي

من أين أتى الموسيقار العبقري "رياض السنباطي" برعشة نغمة آلة "القانون" التي افتتح بها أغنية "ثورة الشك" بكل ما تنثره رعشة النغمات من هلع واضطراب وحيرة.



 

ومن أين أتى بامتدادات النغم الذي يتصدره آلة الكمان بكل ما توحي به من معنى الأمس أو ما كان وما مضى في بدايات أغنية "قصة الأمس".

 

أوتار الكمان تئن ودقات الإيقاع كأنها خطوات لإنسان تجره قدماه أو يجر قدميه يسابق الوقوع نتيجة لشدة الأسى. هكذا يطل اللحن في بدايات أغنية أم كلثوم الشهيرة "لسه فاكر".

 

ولا مثيل لرهبة الموسيقى الجنائزية التي يختتم بها رائعة "الأطلال"، بعد صوت أم كلثوم الذي يكشف عن أنه "وإذا الدنيا كما نعرفها"، فـ"لا تقل شئنا" و"تعلم كيف تنسى"، ثم "فإن الحظ شاء"، في "ولولة" بالآلات الموسيقية على "النصيب"، كأن مجمل الأغنية هو بكائية على كل ما لا يدوم. بعد ضفيرة طويلة من الإتقان في تعبير النغم عن الكلمات و"كيف ذاك الحب أمسى خبرا"، بعد "يد تمتد نحوي كيد من خلال الموج مُدت لغريق"، وبعد أن "ضحكنا ضحك طفلين معا"، وما سبق كل ذلك من مقدمة موسيقية لـ"الأطلال" أجاد بها السنباطي حمل المستمع إلى أجواء معنى عدم دوام الأشياء، عبر وجل أوتار الكمان الذي يقطعه تردد دقات الإيقاع البطيء وما يتبعه من نهنهة لمسات "القانون" المحدودة ليطل صوت "أم كلثوم" معلنا من البداية أنها تروي عن "صرح من خيال"، وأنه بالتالي قد "هوى".

 

أما المقدمة الموسيقية لقصيدة "ذكريات"، فهي مقدمة موحية برشاقة حركة خيول تقطع مسافات بعيدة، ثم تتوقف الخيل، فتنساب الذكريات كأنها في صحبة نظرة عامرة بالصور تتراءى عبر أفق ممتد، "بين شدو وحنين وبكاء وأنين". إنها "ذكريات داعبت فكري وظني لست أدرى أيها أقرب مني" ويئن الناي في عزف منفرد حزين فـ"كيف أنساها وسمعي لم يزل يذكر دمعي" و"كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي".

 

أما مقدمة أغنية "هجرتك" فحوار آلة "القانون" مع آلة "الكمان" كأنها حوار بين العقل والقلب، بين "غصبت روحي على الهجران وأنت هواك يجري في دمي"، وبين "مش قادر أنسى رضاك، أيام ودادك وقربك".

 

ثم من جديد روعة استخدام آلة القانون في "القلب يعشق كل جميل"، حيث تمكن اللحن من تحويل دقات "القانون" إلى ما يشبه رقرقة للمياه يعلن عن البهجة في صحبة الإيقاع المفرح، فهي نغمات توحي بحالة الانتعاش التي ينعم بها زوار بيت الله الحرام.

 

أما الإيقاع والناي والدفوف خلال المقدمة الموسيقية لقصيدة "نهج البردة" في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي حالة من الوقار والبهاء و"عظَمة على عظَمة".

 

لكن إذا كانت هذه الألحان للسنباطي وغيرها قد رافقتها عبقرية أداء "أم كلثوم"، إلا أن تدفق إبهار ألحان السنباطي لم يقتصر فقط على أم كلثوم. فـ"ليه يا بنفسج بتبهج" مع "صالح عبد الحي" تحيي الروح.

 

و"ياناسيني" لـ"شهر زاد" بمقدمتها الموسيقية العجيبة، التي تذكر بالأحزان والأوهام والنسيان، وتبدو في إحدى نغماتها وكأن الدموع تنساب منها، ثم تنقلك بعزف للكمان إلى حالة أقرب إلى الركض كأنها هروب من الأحزان، ثم نغمة كأنها تمد خطا تحت السطر ليتم الانتقال إلى صوت "شهرزاد" الضخم الفخم و"ياناسيني". بكلمات "محمد علي أحمد".

 

ومن كلماته أيضا يدوي صوت "هدى سلطان" الجميل المظلوم الرائق بلا شوائب في رائعة السنباطي "إن كنت ناسي أفكرك" التي أظهرت حلاوة صوت وأداء "هدى سلطان".

 

فنسمع المذهب يسبق الكلمات حيث الموسيقى تجمع بين ما يمكن أن نطلق عليه "التجريس"، وبين ما يمكن أن نطلق عليه "الندب" ثم تقسيمة من تريد أن تكيد له وتجرسه: "ياما كان غرامي بيسهرك، وكان بعادي بيحيرك".

 

إنها ألحان لا ينساها متذوق، ولا يشبع منها عاشق لجماليات الموسيقى العربية الأصيلة، وسلطنة الجمل الموسيقية العظيمة للموسيقار الأسطورة الراحل "رياض السنباطي".