الجمعة 14 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

محمد فيض خالد يكتب: جلابية العيد

ما زلت أذكر أيامه ولياليه، أنتظرهُ كبقيةِ الصّغار من أبناءِ قريتنا، يتحاكى كُلّ واحدٍ منا بأحلامهِ، ويُمنّي نفسه بأمنياتها، اختلقت أحلامنا في أمورٍ كثيرة، لكنّها تلاقت في أمرٍ واحد (جلابية) العيد، هكذا سميّناها، دأب أهلنا في الرِّيفِ وفي قريتنا خاصةً.



 

على أن يتخذوا لهذهِ المنُاسبةِ طقسا لا يخلفوه، في قريتنا بائعٌ عجوز، يفترش الأرضَ ببضاعتهِ، أقمشته من كُلّ الأصنافِ، يبيع النّاس بالأجل، يمرّ على البيوتِ أثناء الحصَادِ أو جني القطن يُحصِّل ديونه المستحقة لدى النّاس، ففي هذه المواسم يكون الناس في سِعةٍ، يُغاث فيه الناسِ وفيهِ يعصرون، ينتعشّ الحال، وتعمر الجيوب بالنّقدِ، وقتئذٍ يصبح القرش أهون على الفلاحِ من أي وقتٍ مضى.

 

يفترش الصِّغار الأرضَ على رؤوس الدّروبِ، والفرح يُطلّ من أعينهم الحالمة، ولا حديثَ لهم غيرَ جلابية العيد، كنتُ صغيرا أترصّد مقدِّم بائع القماش، تعوّد الرجل زيارة قريتنا مرةً في الأسبوع، انتظره فوقَ الترعةِ الكبيرة عند مدخلِ البلدةِ، فما إن تلوح عربته الكارو عن بعُدٍ حتى أعرفه، فصرير ألواحها الذي يسبقها بمسافةٍ بعيدة، وطرقعة سوطه يلهب ظهر حماره العجوز ميّزت صاحبنا، علاوة عن صوتهِ الجهوري، الذي لا ينقطع على امتدادِ الطّريقِ، إمّا مُحمّسا لحمارهِ المتُهالِك، أو مُحذِّرا للصغارِ الذين تعلّقوا بالعربةِ خِلسة، أصبحت عباراته محفوظة نرددها عنه من بابِ التندرِ: يلا يا مكلوب هم شوية.. شيح حا.. انزل يا ابن المركوب منك له يا إللي ورا.

 

لم يكن مزاجي كمزاجِ الصّغار في اختيار قماش الجلابية، وهذا الذي كان يجلب لي المتاعِبَ، فلا أسلم من تبكيت أمي، وكلامها الحَادّ طوال الطّريقِ، انتهاءً بمكانِ البائع، لقد حفظت حديثها- اجزم بذلك- ففي كلّ مرةٍ توُاجه عِنادي بكلامٍ من عينةِ: زيك زي العيال كلها.. القماش إللي إنت عايزة قماش رجاله كبيرة.. القماش المخطط للصغيرين.

 

عندها أزمّ شفتي وأبرطم، وادفع الحصى بنعلي طوال الطريق، ولا أتنازلَ عن طلبي، لكنّ والدتي ما كان لها أن تُرغمني على شيءٍ، ولا أن تفرض على رأيا خاصة في أمرٍ كهذا، تقف أمام البائع، تضع يدها فوق كتفي وبابتسامةٍ صافية تقدمني من البضاعةِ والتي تناثرت داخل الخيمةِ البيضاء، حيث نصبها صاحبنا بجوارِ حائطٍ، تقول لي بلطفٍ: يلا اختار طلبك.. إنت إللي هتلبس.

 

يقذفني بعض الرجال من الفلاحين بتعليقاتهم، ممن جلسوا القرفصاء بجوار البائع، فلا يعجبهم عنادي، قالوا في صوتٍ واحد: دا شغل عيال.

 

لكنني أتجاهلهم تمامًا، فكل ما يعنيني أنني ظفرت بمرادي، وها هو البائع ينهر المتطفلين ويثني على اختياري، فيضع المقاس ويقيس القماش، عندها أطرب، أغيبُ عن الوعي مع صوتِ المقص، وما يُحدِثه من نغمٍ مُحبب مع القماشٍ.

 

احتضن مؤخرا قطعة القماش بين ذراعيّ، وفي طريقِ العودة للمنزلِ تطلبُ مني الوالدة، أن أتريّث قليلا ريثما يحلّ المساء وأذهب للخيّاطِ، فهي تعلم أن لا طاقة لي ولا صبر على الانتظار، وأن شيطاني يؤزني أزّا، تُعيد كلامها حتى اعرف أنّه أمر فانصاع إليهِ.

 

أوافق على مضضٍ، أعود من الحقلِ قُبيل المغربِ بقليلٍ، أمتطي ظهر حِماري البني الذي لا يتوقف ربعه، أقطع الطريق في وقتٍ قياسي، وعلى الطريق يلقي إلى الرِّفاق بكلامهم الذي لا أسمع منه إلا ما يخص جلابية العيد: إحنا ودينا القماش عند الخياط.

 

أصل البيت واقفز من فوقِ الحمارِ، التقط القماش وأذهبُ مسرعا للخياط. وعلى رأسِ الزقاق الذي يسكنه ألمح الزِّحام، كبارا وصغارا أتوا إليهِ لنفسِ الغرض، كان الخياط رجلا فاضلا، آية من آياتِ النشاط، يتقن عمله يؤديه كما يجب سرعةً واتقانا، غير أنّ ما يعيبه أنّه لا يستعين بمساعدٍ له، فهو الذي يأخذ المقاسات، وهو أيضا الخياط، تسللت من بين الزبائن حتى التصقت ببابِ الدّكان، كان صاحبنا من عادتهِ تقديم كِبار السّن دون الصِّغارِ، فو لا يخب ثرثرتهم التي لا تنقضي، وأسئلتهم الغريبة التي مللت أنا منها: المكنه دي بكام على كدا يا أسطى.. طب ومكنة الزراير لوحديها بكام.. وأنت إما تسهر لحد الصبح على كدا؟!

 

وأسئلة من هذه الشّاكلةِ لا تسمن ولا تُغني من جوع، اللهم إلا حاجةً في نفسِ أصحابها.

 

يأتي على الدور، ويبدأ الأسطى في أخذ المقاس، لكني لست كبقيةِ الصّغار. عندها ابدأ في الدّفع بطلباتي: شوف يا أسطى أنا عايز فيها جيبين.. وكمان زراير للقبة والحجر يكون واسع.

 

يضحك الرجل وهو يُباشر عمله، مُكتفيا بهزّ رأسه، ويبدأ في الثناء على نوعِ القماش، ولونه وأنّه من ألوانِ الرِّجالِ.

 

ثم يُضرب لي موعدا: بعد يومين تعالى.

 

وخلال هذا الأجل المعلوم، اشعر بأن الساعة فيه دهرا لا ينقضي، إلى أن يحلُّ الموعد، فأذهب إليهِ واحضر جلابية العيد أخيرا، وعلى الفورِ وأمام عتبة البيتِ ادخل فيها، لأباغِت بها من في الدار، كانت أمي تُثني على اللّونِ والخام، وهي تمرر يدها من فوق جسمي، بوجهٍ بشوشٍ، قائلة :حلوة.. مليحة.. تدوبها في عرق العافية.

 

انتزع الجلابية، وأمضي بها داخل الغرفة التي أنام فيها، وخلف البابِ، وعلى الحائط الطيني ثبت مسمارا كبيرا اتخذته شماعة لها.

 

اعترف بأنني طوال تلك الفترة التي تسبق العيد، لا أنام قرير العين، فكُلّ ليلةٍ تطاردني الكوابيس والرؤى المُزعجة، يتراءى لي أنّها قطعت، أكلتها عنزة، أو شبت فيها النار، أقوم مذعورا، أتحسسّها ثم أعود لنومي، هكذا حتى يقبل العيد.

 

تمرّ أيام العيد لكن اهتمامي بالجلابيةِ لا يقلّ، أداوم على رعايتها، انتزعها عن جسدي أثناء حشّ البرسيم، ولا اسمح لنفسي بامتهانها أبدا.

 

ما زلت اذكر كيف كان الجميع يهمزني ويتندر عليّ، وأنا أتجرد منها أثناء جلوسي على الطبليةِ وقت الطعام.

 

لا أنكر أنّ ألوانها المُحببة إلى نفسي، كانت تسبغ عليّ شهرة، فأصدقائي يعرفونني عن بُعدٍ، قبل أن أصل إليهم.

 

أظلّ على وفائي الجلابية، ولا أسمح لأحد أن ينقض هذا الميثاق، أذكر في مرةٍ في المراتِ، أن رأيت عنزتنا العجوز تقترب منها وتشمها، عندها جُن حنوني، فما كان مني إلا أن خنقتها، لم يفلتها من يدي غيرَ توبيخ أمي وتقريعها لي.

 

ذهبت بعدها بأيام للعنزةِ معتذرا ومعاتبا، فما فعلته لا يمكن أن يُفوّت أو يمرّ مرور الكرام.

 

لكنّ الأيام كما خبرتها، لا تبقى على حالٍ، ودوام الحال من المُحالِ، ولكُلّ أجلٍ كتاب، وغيرها من الأقوال التي اصبِّر نفسي بها واُعزيها، وأنا أرى جلابية العيد، وقد اتخذتها أمي (فوطة) تبللها بالماءِ، ثم تمسح بها بلاطة فرن (الطين) عند خبيزها، أو تَمسِك بِها حلة الطبيخ وهي تُنزلها من فوق (كانون) النار.

 

لقد بُليت الجلابية، ولا بُدّ أن يكون لها مهمة في البيت تؤديها، كنت أنظر إليها متحسرا، وأتذكر أيامها الجميلة، وأحلامي معها، وأدعو الله أن يمدّ في عمري لجلابيةٍ أخرى.