الجمعة 14 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

صباح.. حبي أنا

"رب صدفة خير من ألف ميعاد"، من منا لم يقرأ أو يسمع هذه المقولة غير مرة؟ القصاصون والرواة تلاعبوا بها ونسجوا حولها قصص حب، فجمعوا بالمصادفة بين قلبين.



أو ليس بالمصادفة أيضًا تم اكتشاف العقاقير وإنجاز الاختراعات، التي غيرت وجه العالم؟ أنا واحد ممن غيرت المصادفة حياته. 

 

فالصدفة  أتاحت لي أن أكون مشرفًا فنيًا لمجلة «صباح الخير»، بعد أقل من عام من تخرجي في كلية الفنـون الجميلة، ومنذ تعييني بدار روزاليوسف وعملي كمساعد للفنان عدلي فهيم المشرف الفني لروزا، فقد لجأت جريدة الثورة العراقية إلي استقدام صحفيين متخصصين في الإخراج الصحفي من دار روزاليوسف، فوضع السيد عزت أول "ماكيت" في الصحافة العراقية في جريدة الثورة العربية، وعمل الزميل علي منير لوضع "ماكيت" لمجلة "ألف باء".

 

والغريب، أنه خلال اغترابي الثاني للندن، شاركت في إصدار الطبعة الدولية من جريدة الثورة العراقية  (ولها حكاية سأرويها في مرحلة الاغتراب الثاني).     

 

خَلا منصب المشرف الفني للصبوحة بسفر السيد عزت، وأتاحت لي الصدفة أن أتقلد المنصب- بناءً على ترشيح من الفنان جمال كامل لرئيس التحرير فتحي غانم- وتحت توجيهات الفنان هبة عنايت العائد من الصين بعد أن أمضى خمس سنوات مع زوجته الفنانة تماضر تركي في الدراسة والحصول على درجة الماجستير ، وهو اعتبر أن الصين وطنه الثاني، مساهماً في تعزيز العلاقات الصينية- المصرية، وانتدب هبة بعد أسابيع قليلة للعمـل في وزارة الثقافة، مديرًا على مديرية الثقافة في أسيوط.

 

قراءة المادة الصحافية المكتوبة كانت اهتمامي الأول لاختيار الشكل المناسب لعرضها، في وقت كان معظم العاملين في مجال التصميم والإخراج للصحف والمجلات، يعتمدون على عنوان المقال واسم الكاتب لوضع الشكل، الذي يرونه مناسبًا، من دون النظر لمضمون المحتوى وأهمية اختيار البناء والتصميم المناسبين في بناء الصفحة المطبوعة، بحيث تخدم الجوانب التشكيلية جهد الكاتب وإبداعه وإبرازه بالشكل الذي يجذب المتلقي لقراءته.

 

تشكلت عندي- بالممارسة والمعاينة- قناعة بأن المخرج المصمم لا بد أن يتابع كل ما هو جديد في هذا المدال، وأن يكون على علم بأحدث المدارس الفنية في الإخراج الصحفي على المستوى المحلي والعالمي.

 

 

كانت جميع الصحف والمجلات التي تصدر في العالم بجميع اللغات تباع عند بائعي الصحف، وهي أحد مصادري للاطلاع على كل جديد.. McLEANS إحداها كانت ومازالت لليوم تصدر من كندا تحت عنوان مديرها الفني في حينه وتراسلنا، فاستفدت منه كثيرا موجها نظرى إلى أهمية Desmond English تواصلت واستخدام الفراغ وتسخير المساحات البيضاء لإراحة العين في تصميم الصفحات كأحد عناصر بناء العمل الفني، بهدف تحقيق قيم تصميمية ذات صفات جمالية خاصة.

 

   حرصت علي الاهتمام بالعناصر التيبوغرافية، خاصة بالحرف كعنصر أساسي، وأشكالها المستخدمة والمساحة التي يشغلها عنوان الموضوع والأرضيات المختلفة، فساعدت بشكل أو بآخر علي إبراز ما يحتويه المضمون،  واستعنت باثنين من المساعدين: مجدي من خريجي مدرسة الخطوط العربية ومحمد العتر بنهائي كلية الهندسة، وهو مهتم بالجرافيك وتصميم المطبوعات، وقد اتخذها مهنة له بعد تخرجه، والاثنان أسهما في تنفيذ تصميماتي من الخطوط الحديثة وتطويع الخط العربي، لتقديم شكل مميز لكل صفحة. وساعدني كثيراً في تحقيق هذا الصديقان الزميلان رؤوف توفيق سكرتير التحرير ولويس جريس مدير التحرير بقبول اختصار العناوين لتسهيل مهمتي. 

 

وكنت أتجاوز كثيراً برغبتي في أن يكون العنوان من كلمتين فقط، أو إضافة عناوين فرعية إذا كانت المساحة والموضوع يسمحان بهذا، مستغلًا نجاح وقبول تصميماتي وتحفيز أستاذي بالمراسلة في كندا ديزموند إنجليش بتأكيد أهمية المصمم الفني، ودوره الذي لا يقل عن دور رئيس التحرير.  

   

أثار تصميم صفحات مجلة "صباح الخير"، إعجاب أحمد بهاء الدين رئيس مجلس الإدارة الذي شبه تصميمات  العدد الأسبوعي "بالرغيف الساخن الخارج من الفرن".  

فبعد أن ترك إحسان عبد القدوس روزاليوسف، وفي هذه الفترة من التقلبات التي شهدتها الصحافة، تولى أحمد فؤاد رئيس بنك مصر رئاسة مجلس الإدارة، ولم يبق طويلاً. فتم انتداب أحمد بهاء الدين لرئاسة المؤسسة الي جانب رئاسته لمجلس إدارة دار الهلال.      

المحبة وجدت نفسي وسط هذه الأجواء المتقلبة محاطاً بثلاثة فرسان من أساطين الصحافة أعمل معهم في جو من والعطاء، ويحتضنوني كزميل وصديق رغم فارق السن ومؤمنين بموهبتي..  أحمد بهاء الدين وفتحي غانم وكلاهما من خريجي كلية الحقوق، وعملا معاً في وزارة المعارف بعد تخرجهما في منصب "مفتش"، وحسن فؤاد العائد من المعتقل السياسي بالوادي الجديد بعد غيبة خمس سنوات.  بهاء الذي يأتي مبكراً صباح كل يوم، واجتهد في الوصول قبله لأكون في صحبته للاستماع لما يرويه ببساطة وصدق، فكل شيء بدأ في حياته مبكرًا بعد أن ماتت عنه أمه وهي في الثلاثين من سنيها، فعرف اليتم باكرا إذ كان لم يتجاوز العاشرة من عمره، وحصل علي ليسانس الحقوق في سن التاسعة عشرة، وكان أصغر من أن يعمل بالمحاماة ، ويحكي عن مشوار حياته المهني المبكر في بلاط صاحبة الجلالة قبل أن يتجاوز العشرين من عمره في مجلة "الفصول"، وقبل أن يبلغ الرابعة والعشرين من العمر، قرر أن يصدر أول كتبه علي نفقته الخاصة  "الاستعمار الأمريكي الجديد". وعين رئيساً لتحرير مجلة صباح الخير في في سن 29 عاماً.

حكي لي بهاء أن حضوره المبكر للعمل أتاح له فرصة التمكن من إجادة اللغة الإنجليزية بمجهود فردي خلال ثلاث سنوات قضاها كل صباح في ممارسة اللغة والتدريب عليها مثابراً على إجادتها حتى تتيح له الاطلاع على كل جديد في عالم المعرفة.   

استمتعت بالعمل مع النبيل فتحي غانم بحكمته وعمق الرؤية عنده وحسه الإنساني الرفيع، أديب بدرجة و هو أول من استخدم السرد القصصي في نقل الخبر ووضع الفرضية والبحث في التحقيق فيوصل مالديه من معلومات إلى القارئ، لتفاجأ إنك تقرأ رواية صحفية أو خبر محكي ، كان أعجوبة من أعاجيب العمل الصحفي يخلط الرواية بالصحافة والصحافة بالرواية، فيكتب الرواية وكأنه يحقق ويكتب القصة الصحفية وكأنه يروي رواية.

 

كان لقائي مع حسن فؤاد بعد خروجه من المعتقل، وبأبوة ومحبة خالصة بارك وجودي في منصب المشرف الفني لأكمل الإطار الذي كان قد رسمه وتفوقت به صباح الخير على أكثر المجلات، التي سبقتها وفرضت على غيرها التجديد رغم صدورها بإمكانيات طباعية متواضعة، ففي سن الثلاثين اشترك مع أحمد بهاء الدين في إصدار مجلة صباح الخير بوضع سياستها الفنية البصرية، حسن فؤاد الواقعي في حياته ببساطة وفطرية ورقته وحنان الأب لتلاميذه، والذي رأي فيه أستاذنا الفنان عبد السلام الشريف طاقة متجددة لا تنطفئ جذوتها بل تزداد تألقاً وبهاءا، فأخذ بيده الي دنيا الإخراج الصحفي فبرع فيها، فرح بي لأني أكمل دوره وإيماني معه بأن شكل المطبوعة رسالة لها قيمتها الهامة وتأثيرها الخاص بلغة البصر مع الانطباع الأول للعين قبل أن يقرأ النص المكتوب، فقط كان تحفظه علي عملي ونصيحته  باتخاذ الحذر من الإفراط في تقديم تصميمات جديدة كل عدد حتى لاينضب الوعاء.  والحمد لله، كانت هبة من السماء أن تستمر تصميماتي دائماً جديدة دون أن ينضب الوعاء.                

        والحب الصحفي قصص أخرى