الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الأب الروحى للإخوان «صحفى»

الأب الروحى للإخوان «صحفى»

كانت الإمبراطورية البريطانية قد وصلت لسنوات الترهل، وكادت أن تغرق فى مستعمراتها فى الشرق وينفلت منها الزمام، كانت بوادر الانحسار والسقوط قد ظهرت، غروب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كان لا بد من مخرج، لا بد من منقذ، وكان استخدام الدين بكل أدواته هو أحدث الأسلحة فى يد المستعمر الرخو، وكان رجال الدين العملاء جاهزين، لقد بدأ الأفغانى تجهيز التربة الخصبة لزراعة العملاء من علماء الدين، وكان المجتمع فى مصر قد ظهرت فيه بوادر القومية، وظهور تيارات أيديولوجية عنيفة تنادى بالاستقلال، فكان لابد من خلق أيديولوجية جديدة لمواجهة القومية، أيديولوجية عنيفة تسحق كل التيارات الوليدة، فكان الإخوان.



أبرمت بريطانيا معاهدات واتفاقيات مع العديد من الشياطين فى كفاحها بعد الحرب العالمية الأولى للحفاظ على الإمبراطورية. وشكلت تلك الاتفاقيات اعتبارًا من أواخر عشرينيات القرن العشرين إلى الحرب الفاشلة على السويس فى عام 1956 دعمًا لحركتين إسلاميتين مزدهرتين فى مصر وفلسطين. فى مصر وفى عام 1928 أسس الشاب ذو الاتجاهات الدينية حسن البنا حركة الإخوان المسلمين؛ وهى المنظمة التي ستغير مسار التاريخ فى الشرق الأوسط فى القرن العشرين. وكان نظيره الفلسطينى هو الحاج أمين الحسينى مفتى القدس، فقد تأسست حركة الإخوان المسلمين على يد البنا بمنحة من شركة قناة السويس البريطانية؛ وخلال الربع قرن التالى بدعم من الدبلوماسيين البريطانيين والمخابرات البريطانية. أما الملك فاروق المؤيد للبريطانيين فسوف يرى فى الإخوان المسلمين درعًا واقيًا ضد الشيوعيين والقوميين، ثم فى وقت لاحق سلاحًا ضد جمال عبدالناصر، كانت علاقة البريطانيين مع الإخوان المسلمين معقدة.

ورغم أن المخابرات البريطانية دعمت الحركة عند مولدها وتأسيسها وفى السنوات التالية فإن الإخوان والإسلام السياسى كان القوة الواحدة والوحيدة فى عالم متغير السياسات فى مصر وفى الشرق الأوسط ككل. تأسست حركة الإخوان المسلمين فى عام 1928 على يد حسن البنا وكانت بمثابة المولد الطبيعى لفكرة الجامعة الإسلامية التي روج لها الأفغانى ومحمد عبده، وكان الوسيط فى نقل هذا التأثير هو رشيد رضا السورى الذي وصل إلى مصر عام 1897. تلقى رشيد رضا التعليم الدينى فى طرابلس؛ والتي تعتبر الآن معقل السنة فى لبنان، كان رضا متابعًا لـ«العروة الوثقى» المجلة الأسبوعية التي أصدرها الأفغانى وعبده، وسوف يصبح الرجل مفتى الديار المصرية والشخصية الدينية الأولى فيها، فى عام 1898 أسس رشيد رضا صحيفة «المنار» وهى أسبوعية تصدر فى 8 صفحات وتهدف إلى الدعوة إلى تطبيق تعاليم الإسلام وتقاليده انطلاقًا من فكرة الجامعة الإسلامية. اختلف رضا عن الأفغانى وعبده اللذان أدارا جمعيات سرية وجماعات تحت الأرض وحركات ماسونية فى أنه كان مدافعًا عن إنشاء حركة إسلامية علنية مقرها مكة المكرمة ولها أفرع فى كل البلدان الإسلامية، ورغم أن رضا لم يستطع أبدا إنشاء المنظمة التي كان يحلم بها قبل أن يأتى حسن البنا.

فقد كون جمعية «الدعوة والإرشاد» التي كانت المقدمة الحقيقية والأساسية للإخوان المسلمين. فى ذلك الوقت استمتع عبده برعاية اللورد كرومر الحاكم المطلق لمصر فى بداية القرن العشرين؛ ولم يستطع عمل رشيد رضا أن يأتى ثماره دون دعم ورعاية من البريطانيين. كان رشيد رضا ينظر إلى القوميين فى كل من مصر وتركيا على أنهم وثنيون وملحدون، وتأسست جماعة « الدعوة والإرشاد» والمعهد التابع لها فى القاهرة بتمويل من العرب الأثرياء فى الهند. شمل الطلاب المسجلين فيها أناس من بلاد بعيدة مثل ماليزيا وإندونسيا والهند ووسط آسيا وشرق إفريقيا، كون هؤلاء الموجة الثانية من الكوادر الدولية للحركة الإسلامية بعد ارتباط الجمعيات السرية «بالعروة الوثقى»، وكون كبار الشيوخ فى مصر وزعماء دينيين آخرين ما أصبح يُعرف فيما بعد باسم «حزب المنار» الذي يتألف أتباعه من مريدى الأفغانى وعبده ورشيد رضا الذين تجمعوا حول الأزهر ومنهم عدد من قادة الإخوان المسلمين ذوى الاتجاهين الباطنية والصوفية. وفى مقابل الحزب القومى الجديد ساهم هؤلاء فى إقامة كيان سياسى مصري آخر يسمى «حزب الشعب» شمل أتباع محمد عبده ورضا. وكان معروفًا أن حزب الشعب تأسس بدعم من بريطانيا وكان يؤيد الاحتلال البريطانى لمصر علنا ولاقى تأييدًا وإعجابًا من اللورد كرومر الذي وصف أعضاءه بأنهم عدد قليل من المصريين؛ لكن صوتهم مسموع.

وقال كرومر فى تقريره عام 1906 الأمل الرئيسى للقومية المصرية بالمعنى الفعلى والعملى للكلمة يتمثل فى رأيىّ فى هؤلاء الذين ينتمون إلى هذا الحزب. كان رشيد رضا المثل الأعلى لحسن البنا، وليس من المبالغة التأكيد على أهمية الأثر الذي خلفه البنا إلى الحد الذي يمكن معه القول أن الحرب على الإرهاب التي ستأتى فى القرن الواحد والعشرين ستمثل حربًا ضد سلالة حسن البنا وإخوانه. إنهم يظهرون فى كل مكان، فى مكتب المدعى العام فى السودان وفى أرض المعارك فى أفغانستان وفى حماة فى سوريا وعلى رأس الجامعات السعودية وفى مصانع القنابل فى غزة؛ وكوزراء فى حكومة الأردن وفى مراكز الصرافة فى مشايخ الخليج وفى حكومة العراق بعد موت صدام. ومن أجل بزوغ حركة الإخوان المسلمين إلى الضوء والعلن، ساعدت شركة قناة السويس حسن البنا على إنشاء مسجد فى الإسماعيلية سيكون مقرًا وقاعدة عمليات لها. تأسيس البنا للجماعة فى الإسماعيلية أهمية كبيرة فى حد ذاتها؛ فهى الآن مدينة تضم 200 ألف نسمة وتقع وسط قناة السويس تأسست فى عام 1863 على يد فرديناند دى ليسبس صاحب فكرة حفر القناة، وكانت قناة السويس بالنسبة لبريطانيا طريق لا غنى عنه إلى درتها المكنونة، إلى الهند. وفى عام 1928 استيقظت المدينة النائمة (الإسماعيلية) لتستضيف ليس فقط مكاتب شركة قناة السويس بل قاعدة عسكرية بريطانية رئيسية بنيت خلال الحرب العالمية الأولى. وفى العشرينيات تحولت إلى مركز لتأييد الوجود البريطانى فى مصر.

البنا كان مرتبطا ارتباطا وثيقا مع رضا. كان أبو البنا من تلاميذ محمد عبده، وقرأ البنا نفسه صحيفة المنار عندما كان شابًا ثم أطلق على رضا فيما بعد أن له أكبر تأثير فى خدمة الإسلام فى مصر، ورأى البنا العلاقة بين الأفغانى وعبده ورضا على أنها نوع من الثالوث المقدس. كان البنا يرى أن الأفغانى داعية ورضا مؤرخ. الأفغانى يرى المشكلات ويُحذر منها وعبده يعلم ويفكر ورضا يكتب ويُسجل. وتوقفت المنار عن الصدور بعد موت رضا بفترة وجيزة فى عام 1935 لكن البنا أحياها فى عام 1939 إكرامًا لمعلمه وقدوته. لم يكن البرنامج السياسى للإخوان المسلمين معقدًا فى البداية. ففيه أكد البنا على ضرورة العودة إلى الإسلام فى صورته البسيطة التي كان عليها خلال حياة الرسول محمد وخلفائه من بعده؛ ورفض التفسير العلمى الحديث للشريعة الإسلامية وما كان يراه تلوثًا غربيًا فى الفكر بدأ يبلبل أفكار المسلمين خاصة الشباب منهم، وكان القرآن كافيا بالنسبة للبنا. ورد الإخوان المسلمون على دعوات القوميين الذين طالبوا بالاستقلال عن الحكم البريطانى ودستور ديمقراطى خلال العشرينيات بشعار ما يزال ساريا حتى الآن هو «القرآن دستورنا» وهو ما أكد عليه البنا أن القرآن والسنة كافيان لإرشاد المجتمع والشريعة ويمكنهما أن يحلا مكان الفقه العلمانى والقوانين الوضعية.

لكن البنا كان لديه مفهوم بالغ الضعف عن الدولة الإسلامية وسوف ينتظر هذا المفهوم مجىء ورثته لبلورته وهم سيد قطب وأبو الأعلى المودودى من باكستان وآية الله الخمينى فى إيران. فالتركيب السياسى للدولة الإسلامية لا بد أن يرتبط بثلاثة عناصر أولاً: القرآن كدستور أساسى. وثانيًا: حكومة تعمل انطلاقًا من مبدأ الشورى. وثالثًا: حاكم تنفيذى يلتزم بتعاليم الإسلام وإرادة الشعب. وضع رشيد رضا بذرة الإخوان. وراعاها البريطانيون المترهلون. فقد كان هناك إمبراطور قوى وشاب قادم. إمبراطور نهم لثروات الشرق كله.

كان الأمريكان على الأبواب. وكان لهم طريقتهم وخططهم لاستخدام الدين للسيطرة على العقول استمرت لوقتنا الحالى.