الجمعة 25 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

بسبب الحجب والتعتيم الإعلامي..تفشى وباء قتل 50 مليونا

ما بين عامي 1918 و1919، عاش العالم على وقع ظهور وتفشي جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي جاءت لتتسبب في وفاة ما لا يقل عن 50 مليون شخص في فترة لم تتعدَّ 18 شهراً..جاء ذلك فى تقرير أعدته “العربية نت” عن هذه الجائحة.



 

 

وبشكل خاطئ، نسبت هذه الجائحة لإسبانيا وارتبطت تسميتها بها ويعود السبب في ذلك لسياسة الرقابة والحجب والتعتيم الإعلامي الذي فرضته الدول المشاركة بالحرب العالمية الأولى، حيث أخفت هذه الدول تقارير خسائرها بسبب المرض بينما نشرت إسبانيا، الدولة المحايدة، تفاصيل تفشي المرض بها وإصابة الملك ألفونسو الثالث عشر بالعدوى. وإضافة لتسمية الإنفلونزا الإسبانية، حصل هذا المرض بكل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية على أسماء أخرى عديدة فلقب بالسيدة الإسبانية والحمى الإسبانية

 إلى ذلك، يختلف المؤرخون حول مصدر المرض. فبينما تحدّث البعض عن ظهوره بالصين وفرنسا، أكدت مصادر أخرى عن تسجيل أول حالة بإحدى القواعد العسكرية بكنساس الأمريكية خلال شهر مارس 1918. وبنهاية العام 1919، أصابت الإنفلونزا الإسبانية ثلث سكان العالم وتوفي بسببها نحو 50 مليون نسمة، وقد لعب التعتيم الإعلامي وحملات التشكيك دورا هاما في تفشي المرض بسبب غياب التحذيرات وتقارير الوفيات التي كانت قادرة على كبح جموحه في حال نشرها واتخاذ إجراءات سريعة لمجابهته.

 

 

الحديث عن المرض خيانة!

 

 

في بريطانيا، مرر يوم 8 أغسطس 1914 قانون الدفاع عن الإمبراطورية واستخدم بشكل مكثف لحجب العديد من الأخبار والقصص، حيث صنّف المسؤولون حينها الأمر كمصلحة للبلاد واتجهوا لمراقبة كل ما ينشر في الصحف من أخبار وحذف كل ما من شأنه أن يثير قلق المواطنين. وعن الإنفلونزا الإسبانية، تحدثت مجلة لندن المصورة (The Illustrated London News) أثناء الموجة الأولى قائلة إن المرض قد تجاوز مرحلة الخطورة مؤكدة قرب نهايته وتراجع نسبة العدوى والإصابة به واصفة إياه بالأمر التافه

 

 

 فضلا عن ذلك، وصف مسؤولون بالحكومة البريطانية الحديث عن المرض بدلا من الحرب بالخيانة.

 

 

وعلى الرغم من ظهور الموجة الثانية من الإنفلونزا الإسبانية والتي كانت أكثر فتكا من الأولى، واصلت الأطراف المتحاربة سياسة الحجب والتعتيم الإعلامي. فبإيطاليا، نفى وزير الداخلية التقارير التي تحدثت عن تفشي المرض وببريطانيا حذف المسؤولون السياسيون بالحكومة الأخبار التي تحدثت عن إصابة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج بالإنفلونزا الإسبانية وأعلنت بدلا عن ذلك صحف كمانشستر غارديان (Manchester Guardian) عن إصابته بنزلة برد خفيفة بسبب تبلل ثيابه جراء هطول كميات هامة من الأمطار أثناء زيارته لمدينة مانشستر.

 

 

وسعت أغلب الدول حينها لإخفاء أرقام أعداد الضحايا لتجنب إثارة قلق المواطنين والحفاظ على الروح المعنوية للبلاد. لكن ببعض الدول كألمانيا، تخوّف المسؤولون من وقوع تقارير تفشي المرض بيد العدو واستغلالها لشن هجمات تتسبب في نتائج كارثية وتنهي الحرب بشكل سريع. فعلى الجبهة، ألحقت الإنفلونزا الإسبانية خسائر فادحة بقوات الجنرال إريش لودندورف الذي تخوّف من قرب نهاية الحرب وهزيمة بلاده ألمانيا عند مشاهدته لأعداد الوفيات.

 

 

نشر الأخبار جريمة

 

 

وبالولايات المتحدة الأمريكية، مرر الكونجرس قانون 1918 Sedition Act الذي صنّف كجريمة نشر الأخبار التي اعتبرتها الحكومة مضرة بمجهودات الحرب. وبسبب ذلك، عمدت العديد من الصحف لتجنب الحديث عن المواضيع التي ارتبطت بالإنفلونزا الإسبانية. فبمدينة فيلادلفيا، رفضت الصحف نشر تقارير الأطباء التي حذرت مغبة إجراء أحد الإحتفالات الشعبية بالمدينة خلال شهر سبتمبر 1918. وبعد نحو 4 أسابيع فقط، أحصت مدينة فيلادلفيا الأميركية لوحدها أكثر من 12 ألف وفاة بسبب الإنفلونزا الإسبانية

 

 

 أيضا، تجاهل المسؤولون الأمريكيون وعلى رأسهم الرئيس ولسن التقارير الطبية التي حذرت من مغبة نقل مزيد من القوات نحو الساحة الأوروبية وطالبت بفرض الحجر الصحي على الجنود العائدين للوطن. وبسبب ذلك توفي ما لا يقل عن 45 ألف عسكري أمريكي بسبب الإنفلونزا الإسبانية.

 

 

إصابة الرئيس الأمريكي

 

 

من جهة ثانية، يؤمن بعض المؤرخين بدور الإنفلونزا الإسبانية في إنهاء الحرب العالمية الأولى والتعجيل بتوقيع اتفاقية الهدنة واستسلام ألمانيا عقب تزايد أعداد الضحايا. وخلال مؤتمر فرساي، أجبر الحاضرون على إلغاء جلسات المشاورات لوهلة من الزمن بسبب إصابة الرئيس الأمريكي ولسن بالإنفلونزا الإسبانية. وبالولايات المتحدة الأمريكية تحدثت الصحف عن إصابة الرئيس بنزلة برد عقب تبلل ثيابه بسبب الأمطار الغزيرة بباريس.