الإثنين 6 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

هويدا عطا تكتب: مات بعد حياء

أحتاج إلى سنوات ثمانٍ يا أبي.. لكي استعيد أنفاسك الحنونة التي كانت تحتضني دون زراعين أو مجرد إيماءة الى هذا النهر الجارف من فيض الحب الذي يغرق مدينة بأكملها ويزيد، لكن عزة نفسك الأبية الصعيدية.. كانت سدا كبيرا وحجابا سميكا دون كشفها بسهولة، الا انه قبل رحيلك عن الحياة بشهرين.. تمردت علي كبريائك الفرعوني الدماء.. حينما اتكأت علي الكتفك وساقك السمراء النحيفة وعلي قلبي الناظر إليك بشغف الخوف والترقب والحائط المائل علي حظي وايامك وقلت بسبق لم يحدث من قبل وكلمات تسبقها الدهشة.. اني أحبكم جميعا أبنائي.. إلا إياك فلك العشق وحده.



فالشبه بيننا كان كبيرا.. دون ملامح.. كنت ترسم وأنا الون.. كنت تخط الحرف وأنا ابتكر.. كنت تقود وانا أقلد..

فصورتي الحائرة مابين حمرة الرمان وسمار عطاؤك الفياص كسنابل القمح التي تتمايل يمينا وشمال في مركب الهواء العاشق.. دون ثبات.. تدفئها عين الشمس القرمزية  وتظلها غيمة شاردة دون انتباهة وتؤنسها زغازيد العصافير والنساء ساعات العصاري الفرحة.. تشهد بذلك.

في مثل هذا الوقت البعيد كانت يدك السمراء الصغيرة تضغط بقوة علي يدي من شدة الألم وهجومه الشرس المتوالي.. اما انا فكنت لا اشعر باي الم.. وكيف اتألم ولأول مرة تحتاج الي يدي لتحتمي بها من المك الفتاك.. فقط كنت أحاول ان اسرقه في خلسة منك الي يدي.. لكن دون جدوى او نجاحي الذي عهدته معك حينما اشحذ همتي وحيلي لإقناعك بأمر ما.. فقد غلبني مفرق الأحباب.. سبق الموت حد الزمن وتفوق علي كل محاولاتي للاحتواد والدعاء.

كان الألم يزداد بجسدك النحيف الذي هزمه المرض الوحشي بكل ضراوة وأنت  من كنت ابدا لاستسلم له.. هذا الجسد الذي لطالما كان بمثابة الملجأ بعد الله لي وللجميع والقوة والحماية والرجولة التي شهد لك بها كل من عرفك وجاورك في حياتك وبعد مماتك.

كانت العتمة تزداد سوادا في عيني.. تسكنني وتحتضنني بقسوة.. بينما ارقب بفزع اصفرار وجهك يزداد رويدا رويدا.. ليسلم للموت رايته بكل خضوع وسكينة لم أعهدها فيك من قبل ايها العسكري المشاكس.

كنت مازلت امسك بيدك.. فيروق لي انك تتكأ عليها بشدة وتسكب المك القاسي فيها.. ربما ترتاح قليلا منه ولو برهة.

فرحت بهذه اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة باحتياجك لي... ليدي الصغيرة.. دون شعور بالحرج وانت من لم تظهر اي احتياج او ضعف اولجوء من قبل لي او لغيري.

فشخصك الذي يشبه اسياد الحارة المصرية في روايات نجيب محفوظ.. ابدا لم يحط ترحاله فى يوم من الايام على شاطئ الحاجة واللجوء للأخر.. دمت عزيز النفس.. أبي.. ترتدى لباس النخوة والشهامة وانت بعمرك السبعيني.. تفعل مالايفعله الشباب الخامل.

ماهي الا لحظات قليلة وكل من حولي.. من يشاركك سويعاتك الأخيرة.. طلب مني الخلود الي النوم بالسرير الذي يجوارك.. لشدة اعيائي.. رفضت لكن تحت الإلحاح الشديد منهم.. نعم نمت قليلا بعد ان طلبت منه كثيرا ان يقول ويردد الشهادتين  وزدت عليه ان يصلي على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كي يخفف الألم عنه..حتي لايظن انه زائره  قد اقترب.. لكن بداخلي كان هناك رعب جاثم علي قلبي وصدري وجميع اجزائي.. من اقتراب الفجيعة.. النهاية الرحيل.. الفراق.. الموت له والموت لي..

نمت قليلا.. لاصحو فزعة  على شهقات روحك.. تهمهم صارخة.. لا افهمها.. تناديني بسرعة غير معهودة.. لتوقظني  كي اشهدها.. كما فعلت امي تماما من قبلك بأربع سنوات.. باللحظة الأخيرة.

نعم.. فانا المحظوظة الوحيدة بين أبنائكما.. التي نالت وجع الوقوف علي رأسيكما في اخر مشهد لرؤيتكما الغالية المستحيلة.. وانتما تخرجان آخر ماتبقى لكما من انفاس بهذه الدنيا البائسة.. لتدخل الي صدري مباشرة وتستقر بروحي الي الابد دون جدوي للخروج رغم الرجاء والالحاح.

أتساءل.. لماذا كنت صاحبة الاسم الأخير علي لسان امي.. والمنادة الأخيرة علي لسان ابي؟

هل ابيتما ان لاترحلا دون ان اشاركما انفاسكما الاخيرة.. لا.تلاشي معكما يا احب من خلق ربي؟