الأحد 5 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
أيام الصلاة بالمساجد

أيام الصلاة بالمساجد

الصلاة بالمساجد تحولت حاليا إلى حكايات من زمن فات.



 

حنيني استدعى مني ذكريات تشبه الحرير عندما يهفهف، ربما لدى الكثيرين ما يشبهها، خاصة لمن ارتادوا المساجد نفسها التي اعتدت على الصلاة فيها لسنوات.

 

أول مسجد عرفت فيه صلاة التراويح كان مسجد "مُحب" في الزمالك بشارع "حسن صبري" بالقرب من منزلنا، وكنت أذهب للصلاة فيه مع ماما، الله يرحمها.

 

عندما انتقلت للإقامة بالمهندسين دلتني شقيقتي سعاد- الله يرحمها- على مسجد "المغفرة" القريب من بيتها، إنما كان وصولي إلى المسجد من بيتي سيرًا على الأقدام يستغرق وقتًا يترتب عليه وصولي متأخرة، أو اضطراري للانتهاء من طعام الإفطار بتعجل كي ألحق بالصلاة من بدايتها، صحيح كان الاستمتاع بالصلاة ينسيني التعب، مع ذلك تمنيت بيني وبين نفسي أن أعثر على مسجد أقرب.

 

وإذا الله سبحانه يستجيب لي بكرمه ويتم تخصيص جزء لصلاة النساء في مسجد "الرحمة" المجاور لبيتي، في وقت كانت شقيقتي سعاد- الله يرحمها- قد تركت بيتها القديم وأقامت في الشارع نفسه الذي أقيم فيه إلى جوار مسجد "الرحمة"، وكأن محل إقامتها مرتبط ببيوت الله. اللهم اجعل لها نصيبا من "المغفرة" و"الرحمة" بفضلك يا رب.

 

ولأن الجزء الذي تم تخصيصه للنساء في مسجد "الرحمة" ضيق فقد كانت درجات سلم الصعود إليه غير مريحة، ثم صارت متعبة لركبتي مع التقدم في العمر.

 

إلى أن أخبرني ابني "جمال" أن مسجد "مصطفى محمود" تقام فيه صلاة "التهجد" في الساعة الثانية عشرة يوميًا طوال رمضان، وانه قد استمتع جدا بأصوات المقرئين في المسجد.

 

فقررت أن أصلي التهجد في هذا الوقت المتأخر من الليل بدلا من التراويح عقب صلاة العشاء. فذهابي من بيتي سيرًا على الأقدام إلى مسجد مصطفى محمود يستغرق وقتا إلا أنني يمكنني النزول من بيتي قبل الموعد بوقت كاف نظرا لاتساع الوقت بين العشاء والتهجد.

 

في مسجد مصطفى محمود ثلاثة أماكن لصلاة النساء أحدها في الهواء الطلق على السطح بجوار قبة المسجد، حيث السماء والهواء والبراح متعة، إنما درجات السلم المؤدي إليه متعبة بالنسبة لي. ومكان آخر بلا سلالم إطلاقا في خيمة كبيرة بجوار المسجد. بالإضافة للمكان الأصلي لصلاة النساء حيث الصعود إليه بسلالم مريحة، وقد كان هذا هو المكان الذي اخترته.

 

للصلاة في عمق الليل نفحات، ولأصوات المقرئين في مسجد مصطفى محمود تجليات. كلهم أصوات جميلة ولديهم "حس" مؤثر بمعاني الكلمات، لم أعرف للأسف أسماء جميع المقرئين الذين يتناوبون على الصلاة، إنما أتذكر جيدا أن كلهم أصوات مميزة، أدعو الله أن يبارك لهم وللقائمين على المسجد.

 

من الأصوات التي عرفت اسم صاحبها الشيخ "إبراهيم زغلول" فصوته يشبه المطرب الشهير "جورج وسوف"، حيث يجيد القراءة بصوت هادئ، وفي الوقت نفسه يتألق وصوته "يلعلع" عندما يقتضي المعنى رفعا للصوت.

 

أيضا الشيخ "ماهر" وإن كنت لا أعرف اسمه بالكامل، إنما هو بالإضافة لصوته البهي، وأدائه الذي يجعلك تشعر أنه يشرح المعنى، فهو أيضا لا مثيل لجمال إحساسه في الدعاء المصحوب من المصلين بالتأمين المتحمس، والدموع التي لا سُلطة لأحد عليها.

ارتبطت الصلاة بمسجد محمود عندي بصديقات عزيزات، نتقابل من عام إلى عام بالمسجد. منهن "منار أمين" الشابة الجميلة خريجة الجامعة الأمريكية. حيث نتقابل عادة من رمضان إلى رمضان ونتسحر معا عادة بعد الصلاة في صداقة حقيقية، حتى لو كان ما يمر على اللقاء هو عام كامل.

 

أما صديقة العمر "فاطمة عبد الجليل" فلا يمكن أن أنسى تهلل وجهها بالفرحة عند دخولها إلى الجامع، وكأنها ترتب موعد مجيئها من "أمريكا" التي تقيم فيها فتزور مصر عادة في رمضان، وما إن عرفت مني أنني أصلي بمسجد مصطفى محمود وجربت معي الاستمتاع والخشوع الذي يسري في المكان بمجرد أن يقول الإمام "الله أكبر"، حتى أصبحت محبة للصلاة فيه، هي والصديقة العزيزة "سوزان عنتر" التي كنت ألاحظ حرصها هي والصديقة العزيزة فاطمة عبد الجليل على أخلاق المسلم وإفساح المكان للآخرين، ليتحقق بذلك الجمع بين العبادة والمعاملة في احسن صورها.

 

ياه، لقد فتحت ذاكرتي بابًا تضمن لوحة للسعادة التي لم نكن نتخيل وقتها أنها إلى هذه الدرجة عزيزة، ولا أنها من الممكن أن تصبح بعيدة.