الخميس 22 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
فى ذكرى الحرب الـ75

فى ذكرى الحرب الـ75

خمسة وسبعون عامًا مرت. وهى سنوات شبه كافية لمعرفة بعض من أسرار ما جرى فى العالم الشمالى أدى إلى اندلاع حرب عالمية كان عدد ضحاياها سبعين مليونًا. حرب جرت أمام أعين معاصريها فى خمسة أعوام. لكن الحقيقة أن تلك الحرب بدأت منذ العقد الأول من القرن العشرين وتنتهى الآن فور الإعلان عن فيروس كورونا أى إعلان الحرب العالمية الثالثة التي دمرت كل اقتصاد العالم وحصدت الملايين من البشر. سوف يتشكل العالم من جديد فور الانتهاء من تلك الحرب. حرب الكورونا.



كان لابد من اندلاع حرب. كان على العالم القديم أن يتغير. فحتى بداية الحرب العالمية الثانية كان العالم لا يزال يعيش امتدادًا لاقتصاد القرن التاسع عشر وتحالفاته وأدواته. لذا كان لابد أن تهد المنظومة العالمية كلها. وكانت الحرب. تختلف الحروب باختلاف العقول وباختلاف التكنولوجيا. لم تعد الدبابات مناسبة لاحتلال أرض. كما أن الطائرات لم تعد ملائمة لتدمير أهداف تمهيدًا للنيران من فوهات المدافع. تختلف الحروب باختلاف العدو. والعدو هذه المرة ليس دولة بعينها ولا أيدلوجية محددة.

بل نظام عالمى كامل لابد من القضاء عليه كاملًا. اقتصاد استمر فى ممارسة سطوته على العالم منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية باتفاق بريتون وودز. انتهت الاتفاقات القديمة والاقتصاديات القديمة واللعبة القديمة. لقد انتهت الحرب العالمية الثانية بمجرد أن أعلن عن أول وفاة لفيروس كورونا. فقد كانت الحرب نتاج انهيار نظام اقتصادى قديم وبداية لنظام جديد لعب المال والنفط دورًا مفصليًا فيه ونصبوا الفخ لهتلر. ركزت معظم جهود مجموعة الأنجلوساكسونية على ألمانيا طيلة العشرينات من القرن العشرين. وبعد أن تم فرض سكاتش كرئيس للبنك الألمانى عام 1923 وتنفيذ هذا الأخير لبرنامج دويس القاسى بشأن تسديد تعويضات الحرب الذي وضعه مورجان.

أصبح الاقتصاد الألمانى خلال العشرينات معتمدًا على القروض القصيرة الأجل من بنوك لندن ونيويورك بمعدل فائدة عالية جدًا. فقد أصبح على قدر من الأهمية بالنسبة للعديد من البنوك الألمانية بما فيها الأربعة الكبار (جيسلل وكوماندت ودرمستدتر ودانت). لقد دمر التضخم النقدى القسم الأكبر من رأس المال واحتياطات معظم بنوك ألمانيا فى القسم الأول من العشرينات. لذلك فإن توسع البنوك فى الاستقراض فى القسم الأخير من العشرينات تم من قبل بنوك ذات رأس مال ضعيف لا يقوى على مواجهة الأزمات. هكذا بدت ألمانيا فى حالة وحيدة بين معظم الدول الأوروبية الصناعية عندما انهار سوق بورصة نيويورك عام (1929-1930)، إذ إن ديونها القصيرة الأجل تجاه البنوك كانت تساوى (16) بليون مارك. لم يكن يحتاج هذا النوع من البنية المصرفية إلى أكثر من دفعة صغيرة كى ينهار النظام بالكامل. وقد جاءت هذه الدفعة من بنك الاحتياط الفيدرالى فى نيويورك وبنك إنجلترا. ولما حث وزير المالية الألمانى (شاخت) الذي كانت له بمقتضى برنامج ديوس لتعويضات الحرب سلطة المصادقة على جميع القروض الخارجية على أن يقبل عرض كروجر. رفض (شاخت) وقدم استقالته من منصبه فى (6) مارس إلى الرئيس الألمانى هندنبرج. لقد كان لدى (شاخت) مهمات أخرى يريد أن يتفرغ لها. فى بداية عام (1932). وجد كروجر مقتولًا فى غرفته فى الفندق. وسجل بعد التشريح الرسمي للجنة آنذاك أن الوفاة كانت بسبب الانتحار. وبوفاة كروجر غاب آخر أمل لألمانيا فى الحصول على أى إسعاف. لقد قطعت عنها تمامًا الاعتمادات الدولية. منذ عام 1926، كان (شاخت) يساند فى السر حزب العمال الاشتراكى الوطني أو الحزب النازى بزعامة (أدولف هتلر). وبعد أن استقال من منصبه كرئيس للبنك المركزى الألمانى، كان يقوم بدور الوسيط الأساسى بين قادة الصناعة الأقوياء. كانت السياسة البريطانية فى ذلك الوقت تتابع تنفيذ (مشروع هتلر)، مع العلم الكامل بما سيكون عليه توجهه الجيوسياسى والعسكرى فى نهاية الأمر. كان الدعم البريطانى (لمشروع هتلر ) يأتى من أعلى المستويات بما فى ذلك رئيس الوزراء نيفيل تشمبرلين الرجل السيئ السمعة المسؤول عن (اتفاق ميونخ) الاسترضائى لعام 1938، الذي شجع هتلر على احتلال (السويد) فى الشرق. وكان فيليب كير العضو فى فريق المائدة المستديرة، الذي أنشأه سيسل رودوس مستشارًا مقربًا من رئيس الوزراء ويدعم بقوة مشروع هتلر، كما كان يدعمه اللورد بيفربروك صاحب النفوذ الأكبر فى عالم الصحافة آنذاك الذي يملك صحيفة ديلى اكسبريس وصحيفة ايفنج ستاندر.

على أنه ربما يكون أقوى المؤيدين لحركة (هتلر) فى ذلك الوقت أمير ويلز الذي صار عام 1936 الملك إدوارد السابع وتنازل عن العرش فى نهاية العام نفسه. لم تكن بعض الشخصيات البارزة فى المؤسسة الأمريكية تجهل طبيعة حركة (هتلر). وكانت دوائر مهمة فى (وول ستريت) وفى وزارة الخارجية الأمريكية قد أحيطت علمًا بالموضوع منذ وقت مبكر. فى أواخر خريف (1931)، وصل ألفريد روسنبرج إلى لندن قادمًا من ألمانيا، واجتمع إلى رئيس تحرير جريدة (تايمز ) ذات النفوذ التي تصدر فى لندن جيوفرى داوسون. وقدمت هذه الجريدة لحركة (هتلر) فى الأشهر اللاحقة حملة إعلامية دولية إيجابية لا تقدر بثمن. ولكن الاجتماع الأهم الذي كان لروسنبرج أثناء زيارته الأولى للندن، كان مع مونتاجو نورمان حاكم مصرف إنجلترا الذي كان معروفًا بأنه الرجل الأكثر نفوذًا فى عالم المال.

وكان نورمان يكره ثلاثة أشياء كما تقول سكرتيرته الشخصية: الفرنسيون والكاثوليك واليهود. لم يواجه الرجلان أية صعوبات فى محادثاتهما. وكان (شاخت) هو الذي أوصى نورمان بروسنبرج. ومنذ لقائهما الأول عام 1924، نشأت بين (شاخت) ونورمان صداقة استمرت إلى حين وفاة نورمان عام (1945). وعندما توجه كل من فون شرودر و(شاخت) لكسب تأييد كبار رجال الصناعة والمال الألمانيين للحزب النازى بعد عام (1931)، كان أول سؤال طرحه عليهم هو: كيف ينظر رجال المال الدوليون وبخاصة منهم مونتاجو نورمان لمستقبل حكومة برئاسة هتلر؟ وهل نورمان على استعداد لتقديم اعتمادات مالية لألمانيا تحت هذه الحكومة؟ وفى حين أن (بنك إنجلترا) رفض بإصرار تقديم أى قرض لألمانيا فى المرحلة الصعبة عام (1931)- معجلًا بذلك تفجر الأزمة المصرفية والبطالة، مما جعل بدائل يائسة مثل (هتلر) قابلة للنظر من جانب دوائر القادة فى ألمانيا. فإن مونتاجو نورمان رئيس نفس بنك إنجلترا تحرك بسرعة غير لائقة لتقديم الاعتمادات الحيوية لحكومة هتلر بمجرد أن تمكن هتلر من تثبيت سلطته.

وقام نورمان بزيارة خاصة لبرلين فى مايو 1934 لتدبير مساعدة مالية سرية لتثبيت دعائم النظام الجديد. وكافأ (هتلر) نورمان بتعيين صديقه (شاخت) وزيرًا للاقتصاد ورئيسًا للبنك المركزى فى ألمانيا. واحتفظ (شاخت) بمنصبه فى رئاسة البنك المركزى حتى عام 1939. هكذا نصب الفخ لهتلر. واستجاب بسرعة ونهم لابتلاع أوربا الشائخة. وكانوا هناك خلف الأطلسى ينتظرون اللحظة المناسبة. لحظة ما قبل الانهيار الكامل. ليتدخلوا ويقضوا على صناعتهم لهتلر بخطط جديدة. هكذا كانت الأجواء قبل اندلاع الحرب المدبرة من قبل. كنا قد ذكرنا بعضها من قبل. فخ هتلر المنصوب له بمهارة فائقة نصب الآن للتنين الصينى لكن بطريقة جديدة مبتكرة تناسب العصر. حوصرت الصين وفى الطريق عقوبات متعددة ستواجهها. قد يصل الأمر لأن تدفع الصين تعويضات عن كل متوفي على مستوى العالم راح ضحية المرض اللعين. لقد شوهوا سمعة الصين وحاصروها. وكانت الفرصة مواتية تمامًا لهدم أنظمة ومدارس اقتصادية قديمة وبناء أنظمة جديدة لا تعترف بالدول القومية ولا بالحدود ولا بالهويات المحلية.

نظام عالمى جديد يتشكل يقوده الغرب وضع ورقته الولايات المتحدة وقد بدأ التنفيذ وعلينا أن ندقق النظر فيه جيدًا. فالإعصار عنيف ومدمر. نظام عالمى مالى واجتماعى وثقافى ودينى تمامًا كما حدث عقب الحرب العالمية الثانية. وذلك حديث آخر سنرويه لاحقًا.