السبت 31 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
شرف مصر

شرف مصر

رُفعتْ مَظلة الأخلاق عن أوروبا. وسقط القناعُ. ظهَر الغربُ على حقيقته البربرية الاستغلالية. سَقط قناع الرجُل الأبيض المسؤول أمام الرَّب بتطور البَشرية. كانت حركة الغرب بصفة عامة تتخفّى تحت دعوَى عبء الرجل الأبيض الذي يتحمل وحده أمام الله وأمام التاريخ مهمة تحرير الشعوب الملونة الغارقة فى الجهل والفقر والفساد والاستبداد. كشفَ الوباءُ الجميعَ. وظهرت أصالة الأمم. مصرُ بتاريخها وسُمعتها ونُبلها قدمت درسًا جديدًا للإنسانية.



الغربُ ما قبل الوباء غير غرب ما  بعده. العلاقات المزيفة فى التكامل والوحدة والتبادُل الحضارى الناعم ما بين أوروبا سَقط قناعه وعادوا إلى العصور الوسطى. عصور الظلام. الانتهازية الغربية ظهرت واضحة فى التعامل فيما بينهم لمواجهة الأزمة. تحوّلوا لقراصنة يخطفون من بعضهم المعدات الطبية والمساعدات الإنسانية. ويتبادلون الاتهامات والخيانات. لقد كانوا يحملون كما قالوا لواءَ الحضارة والتقدم ومحاربة التخلف. فعملية السباق للسيطرة على الأسواق جرت تحت لافتات حُرية التجارة. والحرب العالمية الأولى كانت حرب الديموقراطية ضد الاستبداد. والحرب العالمية الثانية كانت حرب ليبرالية العالم الحُرّ ضد الفاشية. كما أن الحرب الباردة كانت حرب الحرية ضد العبودية. من نابع تلك الرسالات الغربية. نَصَّبَ الغربُ نفسَه راعيًا للإنسانية فى العالم. حتى خَلق الوباء العالمى حالة من الذعر جعلنا نعيش فى عالم مضطرب وسوف يزداد اضطرابًا. عالم يشعر فيه مليار إنسان بالجوع كل يوم وسوف يزداد جوعًا. عالم يدمر بيئته وسوف يزداد دمارًا. عالم يتسم بالعنف وسوف يزداد عنفًا. عالم يشعر فيه البَشر كل يوم أنهم أقل سعادة حتى فى الدول المتقدمة صناعيّا مما كانوا فى الماضى وسوف يزداد تعاسة. أصبح المدافعون عن الرأسمالية يجدون صعوبة فى مواصلة إنكار هذه الحقائق؛ حيث تتعمق الأزمة الاقتصادية التي تُعتبر الأسوأ من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية مرورًا بأزمة 2008م وحتى زماننا الحالى. زمن «الكورونا». لقد أنقذت البنوك الأشهَر فى العالم من الإفلاس فقط بفعل الأموال الضخمة التي ضختها الحكومات فى إطار خطط الإنقاذ المالى، ويجرى إغلاق آلاف المصانع والمتاجر والشركات فى أوروبا وأمريكا الشمالية كل يوم. وترتفع معدلات البطالة بسرعة؛ حيث قيل لعشرين مليون صينى إنه يتعين عليهم العودة إلى قُراهم؛ لأنه لا توجد وظائف لهم فى المدن. فى الهند هناك عشرة ملايين موظف أصبحوا يواجهون خطر الفصل من العمل. ولايزال هناك 100 مليون من شعوب الجنوب العالمى يواجهون خطر الجوع بسبب تضاعُف أسعار الحبوب فى الوقت الذي حُرمت فيه ثلاثة ملايين أسرة فى الولايات المتحدة- الدولة الأغنَى فى العالم- من منازلها فى غضون 18 شهرًا. قبل عامَيْن من زمن «الكورونا» كان الخطابُ مختلفًا اختلافًا واضحًا؛ حيث كان بنك التسويات الدولية يؤكد- كما قال كريس هارمان- أن هناك إجماعا بين التيار الرئيسى من الاقتصاديين فى العالم على أنه سوف تستمر مستويات النمو المرتفعة وسوف يظل التضخم العالمى تحت السيطرة وسوف تتحسن الاختلالات الحسابية العالمية الراهنة تدريجيّا. وافق على ذلك السياسيون والمُصَنعون والمَصرفيون، فقد شعروا جميعهم بالانتشاء إزاء عجائب السوق الحُرّة وابتهجوا لأن عبقرية المنظم قد تحررت من القيود، وقالوا إنه لشىءٌ رائعٌ أن يصبح الأغنياءُ أكثرَ غنًى؛ لأن ذلك يقدم الحوافز التي تجعل النظام شديد السخاء. قيل إن التجارة ستؤدى إلى القضاء على الجوع فى إفريقيا وإن النمو الاقتصادى سيسهم فى تجفيف بِرَك الفقر الواسعة فى آسيا، وإن أزمات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وكذلك أزمة 2008م الاقتصادية تُعتبر مجرد ذكريات باستطاعتنا أن نُلقى بها خلف ظهورنا. لكن كلمات أولئك الذين رأوا العالمَ بطريقة مختلفة ذهبت سُدًى فى الوقت الذي أغدقت فيه وسائلُ الإعلام وابلًا من معسول الكلام بشأن ثقافة المشاهير وفخر الشريحة العُليا من الطبقة الوسطى بنفسها والانتشاء القومى الفارغ إزاء الأحداث الرياضية. لكن فى السابع والعشرين من يناير من عام 2020م حدث شىءٌ بدأ يزيح معسول الكلام بعيدًا ويقدم لمحة من الحقيقة الكامنة. كابوس تحول فى لحظة إلى امر واقع. امر مفزع. فقد أعلنت الصين عن الذعر فى العالم. أعلنت عن أول حالة وفاة من مرض «الكورونا». هنا اكتشف عددٌ من البنوك فجأة أنه ليس باستطاعتها تحقيق التوازن الحسابى فى دفاترها وتوقفت عن إقراض بعضها بعضًا وبدأ النظام المالى يُصاب بالشلل مع أزمة الائتمان التي تطورت لتحطم النظام المالى بأكمله، وتحوَّل الرضا الذي كانت تشعر به الرأسمالية إلى هلع، وتحولت النشوة إلى يأس، وأصبح أبطالُ الأمس نَصّابى اليوم. وأصبح الذين كانوا يؤكدون لنا عجائب النظام يبعثون برسالة واحدة مفادها أننا لا نعلم ما هو مَكمَن الخطأ ولا نعلم ما يتعين علينا القيام به. لقد شُلّ الاقتصاد العالمى تمامًا. أغلقت الصين أبوابَها ودخلت أوروبا المنازل تحتمى وترتجف من مرض يمكن أن يفترس ثلاثة أرباع سكانها العجائز، وراحت الولايات المتحدة تطلق دانات الدعاية ضد أوروبا والصين. فى الولايات المتحدة يحدث انقلابٌ رهيبٌ هَزّ العالمَ كله ورجرجه حتى سقط وانكشف. لكن المؤكد أنه بمجرد أن يبدأ الاقتصاد العالمى فى الاستقرار سينسَى هؤلاءُ مئات الملايين من البَشر الذين تحطمت حياتُهم بسبب الأزمة. ذلك أنه بعد أن تمُرّ أشهُر على توقُّف انهيار البنوك والأرباح سيبدأ المدافعون عن الرأسمالية فى ترديد معسول الكلام مرّة أخرى، وسيبدو مستقبلهم أفضلَ وسوف يُعممون ذلك على العالم أجمع عبر تجديد الحديث عن عجائب الرأسمالية واستحالة وجود بديل يمكن أن يتعافَى سريعًا. لكن من المؤكد أن التوتر ما بين الدول الأوروبية لن ينتهى سريعًا.

 

وستتبادل الاتهاماتُ بعدما تم الفرز. مَن الصديق ومَن العدو. وكانت مصرُ بوضوح يحكمها تاريخها العظيم النبيل. فقد كانت سندًا وقت الأزمة وصديقًا وقت الشدة. ومعاونًا وقت تخلى الجميع عن بعضه بعضًا. تصرفت مصرُ فى أزمة «كورونا» من نابع حضارة سلمية ناعمة واثقة من قوة مصالحها وقوة إرادتها. قوة متراكمة من تاريخ نبيل فى علاقاتها الخارجية. وهو ما لم تفعله دولٌ كبرى أشاعت عن نفسها حضارة وتقدم ومسؤولية تجاه العالم وهى تتبع أسلوبَ القراصنة. القيم الإنسانية للأمم لا تنبع من أيام معدودة ولا تقاس بحجم الدعاية المعبرة عنها ويروّج لها. ولا تقاس وقت السّلم، بل القيم الإنسانية للأمم تظهر جليّا فى وقت الكوارث والحروب. وقت الشدائد. أمّة تحمل على أرضها الأهرامات والمعابد ويجرى فى جسدها النيل المقدس لا بُدّ لها أن تقدّم للعالم كلَّ ما هو جميل. كل ما هو نبيل.

كل ما هو إنسانى. ما فعلته مصرُ مع الصين وإيطاليا ودول الخليج من معونات بقدر استطاعتها الاقتصادية يقول للتاريخ إن هذا العالم كله بخير عندما تكون قدس الأقداس بخير. هذا العالم لا يشعر بالخوف والفزع مادامت قدس الأقداس بخير. هذا العالم فى أمان مادامت قدس الأقداس بخير.