الأربعاء 27 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
علاقة حب بلا مثيل

علاقة حب بلا مثيل

من مقولات الكاتب الكبير الراحل مصطفى أمين قوله  بأنه لا يرى الصدق ممثلا في أحد مثل عبد الحليم حافظ وهو يغني، باعتباره يتوحد مع الكلمة والمعنى واللحن، وأن عبد الحليم الذي طالما تساءل جمهوره حول حبيبته من تكون لا يمكن أن يحب امرأة مثلما يحب الغناء ومثل حبه للفن.



 

كذلك نزار قباني سبق أن اعترف هو شخصيا بأنه لا يمكن أن يحب امرأة مثلما يحب الشعر نفسه. إنها حالة من الحب تستأثر بوجدان الفنان. فعلاقة الفنان بفنه وعلاقة الجمهور بالفنان هي علاقة حب لا مثيل لها.

 

ويستطيع الجمهور أن يتجاوب مع الفنان حتى لو لم يعرف لغته. وأذكر لقاء تليفزيونيا مع واحد من الجمهور الفرنسي الذي حضر حفلا لأم كلثوم في باريس غنت فيه أغنية "إنت عمري" أنه قد أبدى انبهاره واستمتاعه بالأغنية التي أطلق عليها اسم "اللي شفته"، وهي الجملة التي كانت تكررها سيدة الغناء العربي وهي تشدو "اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا عمر ضايع يحسبوه إزاي عليا" ثم تكرر "اللي شفته". 

 

وأنا مثل ذلك الرجل الفرنسي، وإنما في علاقتي بصوت "بافاروتي"، فأنا لا أفهم كلمة مما يشدو به لكنني أستمتع بالصوت والأداء، وبالذات فيما رأيته له من حفلات مسجلة كنت أستمتع فيها بتجاوب الجمهور معه، وبتلك الحالة المدهشة التي يتداخل فيها روعة الصوت مع تجاوب الجمهور فتزداد حلاوة الصوت عبر الروعة في الأداء.

 

وإذا كان ذلك الرجل الفرنسي لا ينسى الجملة التي لا يعرف معناها وهى "اللى شفته"، فإنني لا أنسى الكلمة التي لا أعرف معناها وهى "نيسون دورما" فحين شاهدت حفلا مسجلا له شدا فيه بـ "نيسون دورما" وبعد أن انتهى من هذا المقطع الذي توهج خلاله الصوت العجيب الذي منحه الله له، وما أن اشتعلت القاعة بالتصفيق حتى بدا الفنان الشهير مذهولا فى نظراته للجمهور، فبدا محتارا من الخجل لكل هذا الإعجاب وسعيدا في الوقت نفسه بكل هذا الحب وتبادل الطرفان انتعاشا لا مثيل لحلاوته، وتجاوبت أنا معهم من بعيد لبعيد، وإن كان التجاوب الحي بالطبع أروع وأعمق بدرجات كثيرة.

 

أما جارة القمر "فيروز" فكل التنويعات في الأداء التي قدمت بها رائعة "حبيتك في الصيف" عبر مختلف تسجيلات الحفلات كلها كانت أجمل من بعضها. أما أغنيتها "نسم علينا الهوى" فلها تسجيل بباريس عجيب في روعة تدفق تجاوب الجمهور معها بما يكمل ويضيف إلى حلاوة الأغنية.

وإذا كان الفنان يسمع ويرى تجاوب الجمهور معه فيبادل الفنان جمهوره حبا بحب، فإن الأذن عند الفنان العظيم "سيد مكاوي" كانت هي وسيلته في الاستمتاع بتجاوب الجمهور معه حيث يقيس بها حدة تصفيق الجمهور الذي لا يراه والذي حقق بهم واحدا من أجمل التسجيلات لرائعته هو وصلاح جاهين "الليلة الكبيرة".

 

لكن في شكل آخر للتجاوب بين الجمهور والفنان ترصد الكتابات المهتمة بالموسيقى الكلاسيكية حالة فريدة لـ"الاستماع بالعين" نالها المؤلف الموسيقي الكبير "بيتهوفن"، الذي صمم على مواصلة التأليف الموسيقي بعد أن أصيب بالصمم، فقدم عددا من أروع مؤلفاته الموسيقية، كان من أهمها السيمفونية التاسعة، التي قام بقيادة الأوركسترا فيها بنفسه بالرغم من صممه، والتي اندلع التصفيق وقتها في القاعة بمجرد انتهائها بحسب ما ذكره شهود العيان في تلك الفترة، ذلك التصفيق لبيتهوفن الذي لم يسمعه بيتهوفن بأذنيه، إنما بعينيه عبر رؤيته للحماس فى حركة أكف المصفقين، إنها أجمل لحظة يعيشها الفنان.