الأحد 31 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
"كوفيد التاسع عشر.. له ما له وعليه ما عليه"

"كوفيد التاسع عشر.. له ما له وعليه ما عليه"

حدث تاريخي تشهده البشرية، لا يتكرر في حياة الإنسان كثيرًا: وباء جائح يكتسح المعمورة فيفعل فيها ما يفعل،  يتصدر عناوين الميديا، فيروس غير مرئي يضع حكومات واقتصاديات العالم على المحك، جيوش تصمت، عتاد وأسلحة تصدأ، علماء تعجز عن الحلول السريعة، أطباء تستغيث، سماء بلا طيران، حروب واشتباكات تتوقف، أنشطة البشر تنحسر، أرقى عواصم العالم تحولت إلى مدن أشباح، معدل الجرائم والسرقات في انحسار، انطفأ مؤقتا بريق أفلام هوليوود، التي طالما جسدت قيام القطب الأعظم بحماية الكرة الأرضية، من أخطار الكوارث الكونية، وحتى من الكائنات الفضائية الغازية لكوكب الأرض.. تقزمت الأغاني والاحتفالات والمهرجانات وصخبها وعاد الإنصات للعلم وللمعلومة.. تلتقط الأرض أنفاسها بعد سيل عرم من الاستنزاف غير الرشيد للموارد الطبيعية.. معدل تلوث الفضاء بالكربون الناتج عن الطيران يتناقص.. تتنفس الطبيعة.. تهدأ وتيرة السرعة الإنسانية، التي خلقًتها العولمة.. عادت البشرية لبشريتها ورجع الإنسان لإنسانيته.. فهل لها من كاشفة.



 

من يقرأ بين سطور الماضي، يستشرف المستقبل.. فكم من حضارة ارتفعت ثم هوت، ليس تسليماً بمبدأ "تناقص المنفعة الحدية"، وإنما إيمان بالطبيعة الكونية ومنهاجها في أن دوام الحال من المحال.

 

سأل سائل، ماذا فعلت أعتى الحكومات بأنظمتها الصحية النموذجية حيال التصدي للجائحة؟.. فها هي إحدى أعرق الدول الأوروبية تتهم الاتحاد الأوروبي بالتقصير عن مد يد العون لها، أما مصر فحدث ولا حرج.. في ظل إمكانات معقولة بل محدودة، بالمقارنة بالدول الأوروبية، استطاعت أن تفعِل دور مؤسساتها لمواجهة الأزمة بوتيرة متناغمة وسرعة رد فعل نموذجية لم تخل من الانضباط.. كما انتفضت الدولة المصرية لمساعدة الدولة الأكثر احتضاناً للوباء، وهي إيطاليا فمنحتها مساعدات طبية عاجلة، وما يزيد على مليون قناع طبي واقٍ، وقبلها تحركت طائراتنا لتجلي رعايا الدولة المصرية العالقين في الدول الموبوءة.

 

أما على المستوى الوطني فسرعان ما تغيرت سلوكيات المواطن المصري نحو الأفضل في أيام قليلة.. احترمت الغالبية قرار حظر التجوال دون اصطفاف عناصر الجيش في الشارع المصري، وهو أمر غير مسبوق، تبنى الجميع مبدأ "المسافة الاجتماعية الصحية"، فيما بينهم.. حتى النظافة الشخصية وأساليب الوقاية، والتي كانت لدى البعض درب من دروب الرفاهية تحولت في عدة أيام إلى منهاج حياة.. حتى التفاعل مع الرسائل الإعلامية بشأن الأزمة والوعي بها ارتفع، أصبح لدينا جيل اصطدم بدرس قاس منذ نعومة أظافره، لعله ينشأ على النظام والنظافة والالتزام والتساند الاجتماعي بين الجميع، في ظل أزمة لا تفرق بين الحاكم والمحكوم.. الغني والفقير.. فالكل سواء في مركب النجاة، فإما العبور والخلاص، وإما الفناء.

ولكن ماذا بعد أن يرفع الله عنا هذا الوباء.. وماذا نحن البشر فاعلون.. فهل ننسى الدرس، ومن ثم ننتظر كارثة أخرى أم نتدارس التجربة، ونستفيد بأن الاهتمام بالبحث العلمي هو طريق النجاة الذي قبل أن نسلكه يتحتم المرور على طريقين فرعيين، هما الصحة و التعليم.. "ولكم في كوفيد عبرة يا أولي الألباب".

 

إذا ما قدر لنا النجاة، قريباً، من هذه الأزمة سوف تتوجه أنظار العالم إلى مصر للاستشفاء بشمسها الشافية وللاحتماء بمناعة شعبها العصي على القهر، فتعود الأفواج السياحية بأعداد تليق بتاريخنا التليد، وإن غداً لناظره قريب.

 

من رحمة الله بالشعوب العربية، التي خاضت غمار ما عرف بالربيع العربي أن هذه الجائحة لم تصادفهم إبان حالة الفوضى واللادولة، التي شهدتها هذه الشعوب، وإلا أصبح الوضع كارثياً.

 

كما أنه من دواعي الرحمة بالبشرية أن لدينا وسائل تكنولوجيا الاتصالات، وسبل التواصل الاجتماعي، التي ما لبثت سوى عقدين من الزمان، وإلا كان الوضع أكثر سوءاً إذا ماداهمتنا هذه الجائحة قبل ذلك. 

 

وإذا كنا في مقام استخلاص العبر والدروس من تلك الأزمة فيجب التبصير بأهمية البحث العلمي، وتبني أحدث الأساليب للاهتمام بالصحة والتعليم، وضرورة وجود غطاء اجتماعي للعمالة غير المنتظمة، من خلال إعداد قاعدة بيانات واقعية لحصرهم، وتفعيل وحدات وأقسام لإدارة الكوارث والأزمات بالوزارات والهيئات وحتى بالقطاع الخاص، وتحويل أسلوب عملها المكتبي إلى ميداني، وأخيراً البدء في تدشين المشروع القومي المتكامل للصحة، والذي يقوم على إنشاء مستشفى مركزي مجهز بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية، وله طاقة استيعابية كبيرة، وذلك في كل محافظة من المحافظات المصرية.  

 

استاذ القانون الدستوري