الإثنين 28 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
لماذا لم يمت أحمد زكي؟

لماذا لم يمت أحمد زكي؟

• في أحد مشاهد فيلم (العوامة 70) يتنهد أحمد زكي قائلا :



 

"ليه مش عايزة تفهم إن أفلامي حتعيش، أفلامي حتحرك الناس يوم ورا يوم؟!" وكأنه بذلك يرسم نبوءة للواقع الذي ستشهده مسيرته الفنية خلال الأعوام المتتالية، كيف لا؟ وهو (النمر الأسود) الذي بات نجم كل الأجيال رغم رحيله منذ خمسة عشر عاما.

 

لو شرعنا في تفصيل موهبته لهضمنا حق اسطورة خلَّدت نفسها وباتت عصية على النسيان أو التجاهل! ولكننا سنُبقي على سؤال واحد:

 

لماذا بقي خالداً في ذاكرة الفن والسينما مما جعل الجميع يلهج بالدعاء له كلما مرّ اسمه في ممرات العابرين؟

 

بادئ ذي بدئ فإن الباحث في سيرة زكي يجدها حافلة بالمرارة والألم فقد عاش الفقد واليتم منذ الصغر ورغم ذلك فقد تفوق على كل العقبات سائرا خلف حلمه، ولم يكن يُعطي الفن لرغبته بالوصول إلى المجد بل كان يؤدي لأنه يسعى في رحلة بحث عن ذاته التي يستكشفها عند كل شخصية ومع سلسلة ابداعاته كان متواضعا أمام جمهوره وفنه ضاربا لنا مثلاً في الخُلق والإبداع وحينما كان يسأل عن فرحته بانجازاته كان يبتسم بخجل مرددا "لازلت غير راض عن نفسي!" وهو مايجعلنا في حالة انبهار دائم عما يريده لنستشف أنه متعطش للمزيد من جرعات الإبداع في مختلف الأفلام. 

 

 

لم يتوان أحمد زكي عن خلق الدهشة عند كل دور ولم يتصنع ولو لمرة مشهدا يشي بتضليل المُشاهد بل على العكس! تلقائيته هي من جعلت وجوها عديدة تسكن في ذاكرتنا دون أن يبخس أحدها الاخر، لقد كان يؤدي كل دور بشكل متفرّد مما يجعل المتلقي في حالة تساؤل دائم مع نفسه! هل يُعقل أن (البريء) هو الرجل المهم الذي حطم زوجته؟ وهل (معالي الوزير) سيتنازل (للبيه البواب) عن (البداية) التي سببت له ب(هستيريا)؟. 

 

 

الأكثر تفردا في هذا الأمر أن (البرنس) لم يجعل الماضي يشذبه حيث البدايات الصعبة بل تفوق على نفسه ليعوض في الأداء المذهل الذي خلق كيمياء بينه وبين الكاميرا! ورغم أن الحياة لم تنصفه على الصعيد الشخصي إلا أنه لم ييأس للحاق بالحُلم فقد كان يعيش تفاصيل (الهروب) لينسج لنا أميز الأفلام ، وكل الأمنيات التي اختلجت في صدره جسدها في أبهى أدواره من خلال الابن البار والأب المعطاء، وتلك أبلغ حكمة يقدمها لنا في أن فاقد الشيء قد يعطيه!. 

 

 

لم يكن (الإمبراطور) خلال لقاءاته يتحدث لأجل الحديث نفسه ولم يعلو صوت الأنا في حواراته ولم يسع خلف مقولة "تكلم حتى أراك !" بل كان يصنع أداء خالداً يجعله يتحدث بالنيابة عنه في كل مرة نشاهد فيها إحدى أيقوناته السينمائية، كان يمتلك ثقافة عالية توغلت في روحه النقية بعمق وشهدنا ذلك أثناء ادائه فحتى (مستوى الظهر) أو (طريقة رده على الهاتف) كما ذُكِر عنه كانت تختلف من دور إلى آخر وهو مايجعلنا نُبحر أكثر للغوص في دهاليز شخصيته.

 

 

كان (أبو الدهب) صادقا مع نفسه وهذا التوحد مع ذاته وسبر أغوارها انعكس على أعماله المتنوعة، وحتى تلك الأعمال التي لم يؤد فيها كما يحب هو وليس كما يطلبه الجمهور! كان ناقدا لها في كل صعود لنجاحاته المتوالية، لقد بقي جلادا على ذاته قبل أن يمارس عليه النقاد هذا الدور وهو ماجعله محبوبا مهابا أمام محبيه ومنافسيه.

 

 

ختاما ، أسطر هذا المقال بعد رحلة معرفية قصيرة لهذا الخالد الذي ارتكبت خطيئة بحقه عندما قمت بتهميشه منذ طفولتي وهو يقف على مسرح (مدرسة المشاغبين) و(العيال كبرت) ولازالت أذكر اللحظة التي تناقل فيها خبر وفاته متسائلة "ما المميز فيه حتى يحدث موته كل هذه الضجة؟!! ". 

 

 

لمن لايعرفه هذا هو (سبع الليل) الذي كان (ضد الحكومة) وبقي يقاتل كل المعاناة بضراوة ليحلق حرا (كطائر على الطريق) لايأبه (أرض الخوف) رغم كل (الأقدار الدامية) .

 

كاتبة عُمانية