الأربعاء 8 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الزعيم محمد فريد يحاكم طلعت حرب!

الزعيم محمد فريد يحاكم طلعت حرب!

أكثر ما لفت انتباهى فى مذكرات الزعيم «محمد فريد» هو ذلك الهجوم الحاد والشرس الذى وجهه إلى «طلعت حرب»!!



الأغرب أن ذلك الهجوم من «محمد فريد» زعيم الحزب الوطني - بعد مصطفى كامل لم يتعلق ببنك مصر فلم يكن قد ظهر للوجود بعد!!

كان اتهام «محمد فريد» لطلعت حرب أنه كان وراء إغلاق صحف الحزب الوطني تباعا وهى اللواء والعلم!!

أما الاتهام الأخطر لطلعت حرب فهو إنه «من رجال حزب الأمة الذى شكل لخدمة الإنجليز ضد الخديوى ومن رأى هذا الحزب ومبادئه أن مصر غير قادرة على حماية نفسها ومادامت مضطرة للاحتماء بقوة فالأحسن لها أن يكون هذا الحامى هو إنجلترا، وسياساتهم قائمة على التخلص من سيادة الدولة العليا - العثمانية - ومعاداتها بل معاداة كل ما هو تركى بل كل مصرى من أصل تركى وبالتالى للعائلة الخديوية».

ولعلك تندهش أن كل هذه الاتهامات التى وجهها «محمد فريد لطلعت حرب» فى كتابه «مذكراتى بعد الهجرة» التى بدأ فى كتابتها عام 1913 بعد مغادرته لمصر بعام واحد فى مارس سنة 1912.

سوف تزداد دهشتك حين تعلم أن طلعت حرب عندما التحق بمدرسة - كلية - الحقوق أقام صلات وثيقة بكل من «محمد فريد ومصطفى كامل».

وفيما بعد كان طلعت حرب على علاقة وثيقة بأعضاء الحزب الوطني وزعيمه مصطفى كامل، وليس سرا إن طلعت حرب كان عضو مجلس إدارة صحيفة «الجريدة» لسان حال «حزب الأمة» الذى اتهمه «محمد فريد» بالاتهامات السابقة.

والغريب أن المؤرخ الكبير «عبدالرحمن الرافعى» فى كتابه المهم «محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية» (512) صفحة لم يذكر حرفا واحدا من اتهامات «محمد فريد» لطلعت حرب، لكنه فى كتابه «مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية» (512) صفحة يكتب عن «مصطفى كامل وطلعت حرب» فيقول:

كان الفقيد صديقا لطلعت حرب وامتدحه فى لواء (اسم الجريدة) 10 يناير سنة 1900 لمناسبة ظهور كتابه فى تربية المرأة ووصفه بأنه «الكاتب الفاضل» محمد أفندى طلعت حرب، ولما ظهرت كفاءته المالية أثنى عليه فى لواء 10 يوليو سنة 1905 تحت عنوان «مصرى فاضل» ما يأتى:

من الأشياء التى تسر كل مصرى يحب بلاده وأبناءها العاملين ما يكون منها شاهدا على كفاءة المصرى فى الأعمال الجسيمة وتقدير الأوروبيين له حق قدره، حضرة المقدام العامل «محمد طلعت بك حرب» مدير قلم قضايا الدائرة السنية سابقا هو أول مصرى نقدمه اليوم للقراء انتخب مديرا لشركتين عظيمتين هما: شركة العقارات المصرية، وشركة كوم أمبو خلفا لحضرة «عاده بك» مديرهما السابق، وإن من يعلم أن أصحاب هاتين الشركتين ومؤسسيهما هم من كبار الماليين المعدودين، كالمسيو «أرنست كاسل» والمسيو «سوارس» وشركائه لا يرتاب فى أن الثقة بهذا المصرى الجليل عظيمة، كما ولا شك فى أن هاتين الشركتين ستصلان إلى شأن بعيد من الرقى والفلاح بما أوتيه حضرة مديرهما الجديد من سمو الإدراك وسدة الاطلاع فى المسائل المالية، فنهنئ الشركتين به ونسأل العلى القدير أن يهبنا الكثيرين من أمثاله».

ويعلق «عبدالرحمن الرافعى» على تلك السطور بقوله:

«فكأن الفقيد - مصطفى كامل - كان يستشف ما وراء الحجب ويلمح فى الأفق ما كان لطلعت حرب باشا - رحمه الله - من الشأن العظيم فى نهضة مصر الاقتصادية، وأنه سيتولى زعامتها فى ميدان الاقتصاد والمال، فأثنى عليه هذا الثناء المستطاب».

لكن هذه العلاقة الطيبة بينهما سبق أن تدهورت عام 1902 وحسب ما يقول الباحث الأمريكى «إيرك دافيز»:

إن علاقتهما صارت عدائية للغاية بحلول عام 1902 وفى رسالة إلى فؤاد سليم حجازى - صديقه الحميم - من لندن أشار طلعت حرب إلى أنه تعمد ترك غرفته بالفندق الذى كان ينزل به لكى يتحاشى مقابلة «مصطفى كامل» الذى كان يتردد على الفندق لزيارة «حامد خلوصى» الذى كان يرافقه فى سفره!! وعلى حين أن طبيعة الخلاف ليست واضحة، فإن لهجة الرسالة العنيفة ورفض «طلعت حرب» مناشدة «خلوصى» - له بمقابلة «مصطفى كامل» يشيران إلى أنه كان خلافا شديدا».

وبحلول عام 1905 هدأت إلى حد ما الخلافات بين «طلعت حرب» و«مصطفى كامل»، فيما يبدو, حيث كتب الأخير مقالا فى صحيفة اللواء يهنئ فيه «طلعت حرب» لكونه أول مصرى يعين مديرا لاثنتين من أهم الشركات فى مصر.. إلا أنه فى عام 1907 وجه أحمد لطفى السيد «الدعوة لطلعت حرب لكى ينضم إلى حزب الأمة الذى كان قد تشكل حديثا، وبحلول عام 1908 انقطعت نهائيا أى صلات باقية بالحزب الوطني.

وكان عمر سلطان يمتلك قدرا كبيرا من الأسهم فى صحيفة «اللواء» الناطقة بلسان الحزب الوطني وفى مقابل هذه الاستثمارات كانوا قد جعلوا «عمر سلطان» أمين صندوق الحزب، إلا أنه تحت تأثير «طلعت حرب» قطع سلطان كل معوناته المالية عن الحزب سنة 1908، ولا يكشف ذلك فحسب النفوذ السياسى والواسع الذى كان «طلعت حرب» يتمتع به فى ذلك الوقت، بل له أيضا يظهر سيطرته الفعلية على الشؤون المالية لعمر سلطان».

ويضيف إيريك دافنر موضحا.. كان عمر سلطان ابن محمد سلطان باشا الذى كان أقوى أعيان مصر خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، هو أمين صندوق الحزب الوطني، إلا أنه كان هو وأعضاء من العائلة يعملون بنشاط مع حزب الأمة!!

وكوكيل لعمر سلطان كان طلعت حرب مسؤولا عن إدارة أمواله، وكان عمر سلطان مقامرا مدمنا وكثيرا ما كان يبرق إلى طلعت حرب من كازينوهات القمار الأوروبية ليطلب أموالا، وتوبيخ طلعت حرب لعمر سلطان على إنفاقه أمواله بهذا الشكل المستهتر يوضح أنه رغم أن طلعت حرب كان من الناحية النظرية مستخدما لدى «سلطان» إلا أنه كان يتمتع بقدر كبير من النفوذ الخفى والحرية شبه الكاملة التى كان طلعت حرب يتمتع بها فى إدارة حسابات وأراضى مخدومه».

••

والآن إلى مذكرات «محمد فريد» نفسه وما كتبه عن «عمر سلطان» و«طلعت حرب» وبعيدا عن تفاصيل كثيرة لا داعى لها كتب يقول:

«طلعت حرب» هذا من المشتغلين بالمال واختاره «عمر بك سلطان» لأن يكون وكيلا لدائرته لينظم له أعماله المختلفة ويسوى ديونه الباهظة التى يصرفها فى القمار ومع النساء بأوروبا وبمصر بكل تبجح ووقاحة!!

«عمر بك» كان من أصحاب المرحوم «مصطفى باشا كامل»، لكنه لم يساعده بالمال كما أشيع واشترك فى شركة «الاتنبداد» بألف جنيه مثلى، دفع نصفها ولما شكل مصطفى كامل الحزب الوطني انتخبه من ضمن اللجنة الإدارية وعين أمينا لصندوقها ثم استقال من هذه الوظيفة، وأصبح من ضمن مجلس إدارة الجريدة ولكن لجهله من جهة ولإنهاكه فى الملذات وعدم وجود الوقت الكافى لديه أناب عنه وكيله «طلعت حرب» - فكان حربا على الجريدتين، إذ أخذ يحاربهما بكل قواه خدمة لحزبه الذى كان يريد بذلك خدمة سادته الإنجليز! لما كنت فى باريس مع الدكتور صادق بك رمضان فى صيف سنة 1908 تقابلنا مع «عمر بك سلطان» وأخبرنا «بحالة» الاستعداد وأن المبلغ الذى وجدناه باقيا من رأس مال الشركة بعد وفاة مصطفى وهو سبعمائة وكسور جنيه لا يكفى لسير الجريدة، وعد «عمر» بك بأن يصرف من ماله كل ما يلزم لحفظ كيان الاقتدار ولما عدت لمصر قابلت «طلعت حرب» الوكيل وكلمته بهذا الشأن فلم يقبل صرف شيء ولما عاد «عمر بك» أقنعه «حرب» بعدم الصرف لأن الجريدة لا يمكنها الاستمرار على أى حال وبذلك اضطررنا لإلغائها نهائيا من أول سنة 1909.

أما أعمال «طلعت حرب» فى اللواء - الجريدة - فلم تكن نتيجتها بأقل ضررا من نتيجة أعماله المشئومة فى الاقتدار، لما ألفنا شركة «اللواء» كان طلعت حرب معارضا وناصحا لعمر بك بعدم الدخول فيها بهذه الكيفية بل كان يريد أن يضع يده على إدارة اللواء ليسيره فى سياستهم الاحتلالية، وأخيرا تغلبت على عمر وتحصلت منه على التوقيع على عقد الشركة فى غياب «طلعت حرب» فزاد حقده عليّ، ولكنه كان ولم يزل يظهر لى التودد الكاذب نفاقا منه شأن كل جبان.

ثم لما حصلت المشاكل المالية بين «على كامل» - شقيق مصطفى كامل - وأخواته ثار عمر سلطان ضدنا بإيعاذ من الخديوى وساعده على ذلك «طلعت حرب» وكيل أشغاله خدمة لحزب الأمة أى للإنجليز.

بعد ذلك استمر «اللواء» بين الحياة والموت ثم أقفل اللواء نهائيا فى سبتمبر أى أكتوبر سنة 1912 وبذلك انتهت حياة «الألولية» - جمع لواء - الثلاثة وكان لعمر سلطان ووكيله «حرب» وعلى فهمى ورجاله الفضل الأكبر فى ذلك».

انتهى أبرز ما نسبه الزعيم الوطني محمد فريد إلى «طلعت حرب» الذى لم يكن وقتها قد أصبح زعيم ثورة 1919 الاقتصادى، بل كان لايزال فى بداية مشواره الاقتصادى يسير بثقة واجتهاد نحو المجد!!

لكن ما حقيقة ما كتبه «محمد فريد» وهل انتهى الأمر عند هذا الحد!!

وللحكاية بقية