الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

خليل الذوادي يكتب: وداعًا ابن البحرين الوفي

تعلمنا منك الكثير، عندما تدلهم بنا الخطوب، ونشعر بأننا بحاجة إلى مشورة ورأي سديد، كنت أبا عبد الله نعم صاحب الرأي وجاعل الأمور تسير على سجيتها وتدخل الطمأنينة والسرور إلى أنفسنا، ونخرج من مكتبك أو من منزلك العامر ونحن أكثر ثقة وقدرة على تجاوز سلبيات الزمان.



 

معالي المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، الذي رحل عن دنيانا يوم الخميس 12 مارس 2020م، أحد رجالات مملكة البحرين الذين أسهموا في خدمة وطنهم ومواطنيهم بكل ما أوتي من خبرة وتجربة وعلم وثقافة ودراية وقدرة على اكتساب محبة قلوب الناس، فكان الأب، والأخ والصديق والمسؤول الذي يجد عنده القاصدون كل ما يشفى غليلهم ويطيب خاطرهم؛ فهو الرمز الإنسان في بلادي ممن قل أن يجود بهم الزمان. أحسب أن كل مواطن وكل شقيق وصديق من بلادنا وخليجنا ووطننا العربي له مع أبي عبد الله قصة من الوفاء والمحبة والإخلاص تروى، ولا عجب عندما قرأنا وسمعنا الأحاديث والمقالات والقصائد التي أشادت بمناقب شيخنا العزيز الذي دخل في قلوب وأفئدة الناس بلا استئذان.

 

مثل مملكة البحرين خير تمثيل في كل المواقع الرسمية والأهلية التي شغلها على تعددها وتنوعها، فكان دائمًا فارس الميدان الذي لا يشق له غبار، وعندما يتحدث في شأن من الشؤون الرياضية أو الثقافية أو الإعلامية أو القانونية تجد من يستمع إليه ويحترم رأيه ويأخذ بوجهة نظره، ويثني على جهوده، أتذكر موقفًا إعلاميًا أيام اللجنة الدائمة للإعلام العربي تحت مظلة الجامعة العربية يوم كان وكيلًا لوزارة الإعلام، وترك المشاركين يتحدثون وهو يستمع إليهم بكل جوارحه يحترم كل الأطروحات التي أدلوا بها، لكنه كان على قناعة بأن الأمر ليس كذلك، فما كان منه إلا أن أدلى برأيه الذي احترمه وقدره الجميع، فأصبح القرار هو ما قاله الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، وكان الحاضرون في تعقيبهم: لماذا تركتنا يا شيخ نتجادل وعندك الرأي السديد الذي يوصلنا إلى بر الأمان؟! لكنه هو الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة الذي لا يحجب على أحد رأيه، ويستمع إليه بكل احترام وتقدير، ويشعر وهو الذي يملك ناصية الأخلاق الفاضلة أن من حق صاحب الرأي أن يدلي برأيه، ومن حقنا أن نتفق أو نختلف معه.

 

الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، الإنسان بكل الصفات الجميلة، يشعر بالارتياح التام عندما يزوره الناس، كان مجلسه مفتوحًا للقاصي والداني مهما اختلفت مناصبهم أو انتماءاتهم أو مشاربهم، لم أجد طوال التشرف بعملي تحت إدارته أن باب مكتبه مغلق ولا حتى باب بيته في الرفاع أو في شقته بالقاهرة؛ فقد كان- يرحمه الله- يأنس بالناس ويسعد بأن يشاركوه لقمة العيش عندما كان يزور القاهرة مرتين، الأولى في الصيف والأخرى في الشتاء، كان طوال إقامته يدعونا يوميًا للغداء معه وكل من يزور مصر من البحرينيين والخليجيين، فلطيبته وسمو أخلاقه يشعر المرء بالارتياح والحميمية إلى أحاديثه الممتعة وآرائه السديدة وخفة دمه التي تنسيك الغربة وتدخل السرور إلى النفس المتعبة.

 

كانت فرحته- يرحمه الله- بنيل مملكة البحرين وفريقها الوطني كأس دورة الخليج العربي لكرة القدم غامرة، ورغم ظروفه الصحية إلا أنه استقبل المهنئين وكانت فرحته بهم وفرحهم بتحقيق أمنيته ممزوجة بالسعادة والهناء، وشعر الجميع بأن زيارته واجبة ومشاركته فرح الإنجاز دين ووفاء لهذا الرجل المخلص ابن البحرين البار.

 

المرحوم الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة عشق البحرين تاريخًا وحضارة وثقافة وأدبًا وشعرًا وغناء، كانت أمسياته الشعرية التي يحييها تستقطب الأعداد الغفيرة من المعجبين، وأحاديثه الشائقة في الإذاعة والتليفزيون تجتذب إليه المتابعين، كما كان شغف الشيخ عيسى بالرياضة يعادله حبه للإعداد وتقديم البرامج الثقافية والتراثية وتسجيلات الإذاعة والتليفزيون زاخرة بهذا الفيض من العطاء الأدبي والثقافي.

 

كانت فنون البحرين بكل تنوعها وتشكيلها وتقسيماتها حاضرة في ذهن أبي عبد الله وكان- يرحمه الله- الحريص على تسجيلها وتدوينها قبل أن يجور عليها الزمان، فقد أوفى بوعده وسعى لتسجيلها لتبقى حاضرة في ذاكرة الوطن بكل الشخوص المبدعة.

 

كان المطربون يفتخرون بأن يغنوا من كلماته؛ فالصدق في التعبير وبث المعاني السامية والمفردة البليغة الصادقة، كان الشيخ عيسى يملك هذه الموهبة، فهو من تربى في مدينة المحرق، وعرف أهلها حق المعرفة، واستوعب كل مفردة لغوية وما تعنيه من صور بلاغية مؤثرة وفاعلة؛ فالكلمة عنده نابضة ومفعمة بالحياة اليومية ومعجونة بتجربة حياة عاشها المواطن البحريني بكل جوارحه وأحاسيسه، فعندما تستمع إلى كلماته تعيش الحياة اليومية في البحرين بكل تفاعلها وقيمها الإنسانية الرفيعة.

 

أبو عبد الله قامة كبيرة تعجز الكلمات أن توفيها حقها في ذكر مناقبها وخصالها. في آخر لقاء جمعنا بالراحل العزيز مع إخوة جاءوا من كل مناطق مملكة البحرين، كان يتمنى أن يمد الله في عمره فيتم ترميم المنزل الذي نشأ فيه بالمحرق، وأن يسكن هذا البيت الذي يضم أجمل الذكريات والقيم الإنسانية، وهو يعلم يقينًا أن كل مكان يوجد فيه الشيخ عيسى هو يحمل أجمل الذكريات والقيم الرفيعة، فهو ابن البحرين بمدنها وقراها ومحبته في قلوب الجميع، وقد تقبل الناس في البحرين وخارجها العزاء في رحيله إلى جنات الخلد إن شاء الله.

 

ستبقى بو عبد الله في قلوبنا وإن غاب جسدك فستبقى قيمك وإخلاصك ووفاؤك إلى هذه الأرض والناس نبراسًا وهاديًا لكل من أراد لهذا الوطن وقيادته الرشيدة وشعبه الوفي الخير والأمن والأمان والاستقرار.

 

فإلى جنة الخلد يا أبا عبد الله، نم قرير العين هانئ البال؛ فقد بذلت وأعطيت ووفيت وأنرت الطريق لمن يسير على خطاك.. إنا لله وإنا إليه راجعون.