الأربعاء 1 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

رضا طاهر الفقي يكتب: الشيخ سرجيوس لسعد زغلول: "كم أنت مجنون يا سعد" 

كنت أسير في الطرقات، وأرى أناسًا بملابس سوداء وعليهم عمم سوداء وجوههم باسمة ضاحكة فيعظون الناس بالبسمة واللين، فحلمت أن أكون  مثلهم.



 

 كان أبي قسيسًا وجدي وجد جدي كان قسيسًا، ولهذا كان من الطبيعي أن انخرط في سلك الكهنوت.. وفي المدرسة الإكليريكية بدأ يمارس هوايته في الخطابة والثورة، فهو أول من نظم إضرابًا على المدرسة الإكليريكية في ١٩٠٢ اعتراضًا على الأساليب الكنسية القديمة، ونزلت الكنيسة على رغبته، وحققت  مطالبه  العادلة، وقال رشحت قسيسًا في ملوي، وبدأت أجهر بآرائي، واعتبر بعضهم أن هذه الآراء اجتراء على الكنيسة فاعتزلت خدمة الكنيسة، واشتغلت واعظًا عاديًا، كما كنت أحلم من صغري، وفي عام ١٩١٢ كنت في السودان، وإذا باستدعاء مستر مور مدير الخرطوم قائلًا لي إن الحاكم العام على السودان يطلب إليك أن ترحل عن السودان في خلال أربع وعشرين ساعة. 

فقلت له أنا لست في لندن حتى يأمرني الحاكم العام بمغادرة البلاد، أنا هنا في بلادي، وليرحل إن شاء فرد عليّ المستر مور لا تحرجني ياسرجيوس، وعودت إلى مصر عام ١٩١٥، وظللت أراقب دروس أولادي، ولاسيما أنني بعدت عنهم كثيرًا، وذات يوم وأنا في المنزل فإذا بصياح وصخب وهتاف “سعد سعد يحيا سعد.. الاستقلال الاستقلال، الموت للإنجليز”.. لما سألت عن السبب قيل لي تم اعتقال سعد زغلول ولكن بالضغط الشعبي عاد   من المنفي، وبدأت الاحتفالات  بعودته. 

وأثناء الاحتفال بخروج سعد زغلول في ميدان الأوبرا، كان هناك عشرون ألفًا من الجماهير ينتظرون كلمتي لهم .. فبدأت يحيا الإنجليز، وبهت الجميع فقلت يحيا الإنجليز الذين استطاعوا بظلمهم واستبدادهم وفجورهم أن يجعلوا هذه الكتلة الموحدة المقدسة الملتهبة تجتمع وصفقوا تصفيقًا حارًا يصم الآذان، وبعد ذلك صمت الجميع. 

 

ووقفت أخطب فيهم، وقلت لهم والله إنك لمجنون يا سعد.. وبهت الجميع ولكني استطردت والله إنك لمجنون يا سعد إذ تقوم على دولة عظمى خرجت من حرب عظمى منتصرة وتملك كل شيء.. ولا تملك أنت شيئًا، ثم تنتصر عليها، والله إنك لمجنون يا سعد، وفي نهاية الخطاب قام سعد من مكانه واحتضنني قائلًا.. مجنون والله ياسرجيوس، وبعد ذلك صفق الجميع إلا أن كين بويد، مدير الامن العام، استدعاني وقال أنت عدونا الأكبر وبت في تلك الليلة في ثكنات قصر النيل، وأصبحت نزيل غرفة، جمعت في كل أرجائها كل أنواع البعوض والبق والبراغيث والفئران، وفي الصباح  اقتادني أحدهم  إلى أحد المعتقلات في رفح، وكان يزاملني فيه النقراشي  والقاياني وأبوشادي والخولي، وكثيرون غيرهم هناك عكفت على قراءة القرآن، وعلى دراسة التفسير، كما قرأت الرازي والنسفي والبيضاوي وتفسير الجلالين والملل والنحل، وغيرها من الكتب الدينية الإسلامية حتى أطلق عليه البعض في المعتقل الشيخ سرجيوس.

 سرجيوس خطيب الثورة المصرية، التي اتحد فيها المصريون، كل المصريين، بعيدًا عن العرق والدين ليكونوا بما يسمى الكتلة التاريخية..  إنها ثورة ١٩١٩، إنه سرجيوس سرجيوس، الذي ولد في عام ١٨٨٢ وتوفي في عام ١٩٦.

 

حياة حافلة عاشها سرجيوس، ملهمًا للثورة المصرية، والنضال من أجل القضية المصرية، وهو الذي خطب على منبر الأزهر،  قائلًا عاش الهلال مع الصليب، هو الذي ألهب الحماسة لدى المصريين، بما يملك من فصاحة في القول وقوة في الحجة، وحفر له في الوجدان المصري علامة بارزة.