الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تراتيل السلام (3)

تراتيل السلام (3)

كان محمود عباس «أبومازن» البهائى المذهب هو نجم المرحلة الجديدة. مرحلة سلام الشجعان كما قال ياسر عرفات عند توقيع معاهدة سلام مع رابين  برعاية كلينتون. وهى المعاهدة الأولى ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكل مباشر. لقد جاء دور أبومازن لكى يتسلم راية القيادة. فقد كان بريق ياسر عرفات قد خفُت. وانتهى دوره لتغلق مرحلته لتبدأ القضية طريقها الجديد. مع رجال جُدد.



فى العاصمة النرويجية أوسلو. كانت بداية الطريق. فقد استطاعت النرويج أن تجد لها مكانًا فى الخريطة السياسية العالمية. فهى تبدو دولة محايدة لكل الأطراف.  لكنها حقيقة الأمر تقع تحت حماية المظلة الأمريكية. فقد طورت الدول الصغيرة استراتيجيتها نحو دور فى السياسة العالمية. فقامت النرويج ذات الخمسة ملايين نسمة بتنمية قدرتها فى الاجتذاب بشرعنة سياسات حفظ السلام والمساعدات فى مجال التنمية وفى الوقت ذاته فهى مشارك نشيط وفعال فى حلف الناتو رغم صغر حجمها. فالدول الصغيرة تبحث عن موضع قدم وسط صراع عالمى شرس يستخدم العقول الجبارة لاختراع قوى جديدة للسيطرة على العالم وإفساح طريق لتحقيق مصالح كبرى. فى بيروت كانت الأرض مشتعلة والفوضى العربية فى قمتها. والدولارات النفطية تضخ لجميع الأطراف لتهدئتها.  الكل فى لبنان كان يبحث عن حليف يحميه. وسط ذلك الصراع كان هناك جناح فى منظمة التحرير الفلسطينية يرى أنه يجب التحدث للإسرائيليين مباشرة. هذا التيار كان يمثله محمود عباس «أبومازن». وعندما أوشك الفلسطينيون على مغادرة بيروت لاحتدام الصراع. زادت قوة التيار الذى يمثله أبومازن والذى كان يطالب بإمكانية الاتصال بعناصر إسرائيلية. فى مارس 1977 كانت البداية.

بداية الطريق إلى أوسلو. حيث طرح موضوع اتصالات مع عناصر فى إسرائيل على المجلس الوطني الفلسطينى وكانت تلك أول مرة يناقش فيها مثل هذا الأمر علانية. وبالفعل أصدر المجلس الوطني الفلسطينى قرارًا يوم 12 مارس 1977 دعا فيه إلى اتصالات مع القوى اليهودية بما يتلاءم ومصلحة الشعب الفلسطينى. كان النص على القوى اليهودية قصدًا أريد منه تمرير القرار بحيث يبدو وكأنه اتصال بالقوى اليهودية خارج إسرائيل وبالتحديد فى أوروبا وأمريكا. ولم تكن المعارضة كبيرة ضد ذلك. وبدت المحاولة وكأنها مسعى إلى كسب إعلامى بالدرجة الأولى وارتفعت أصوات معارضة داخل المؤتمر الوطني الفلسطينى تبدى تخوفها من هذه الفكرة. لكن الرد عليها لم يكن صعبًا.

حيث يقول أبومازن فى مذكراته  «طريق أوسلو» قبل أن ينهى رئيس المجلس الحوار ويقفل باب النقاش فى هذا الموضوع طلبت الكلمة لأرد على كل المتحدثين، وقد اكتشفت أنهم على غير علم بالموضوع الذى يتحدثون عنه ولا يعرفون من إسرائيل إلا اسمها ولا يفهمون عنها إلا أنها العدو الذى لا بد أن نستمر فى حربه. ولذلك عملت على أن أستغل نقطة الضعف هذه وأن أتسلل من هذه الثغرة لأعرض أسلوب التعامل مع الأعداء وطرق الوصول إلى الهدف غير مقلل لأهمية البندقية التى هى إحدى وسائلنا للوصول إلى غاياتنا. ووقفت بكل ثقة مرتجلًا حديثًا دام خمسًا وأربعين دقيقة طارحًا كل الأفكار التى رغبت فى نقلها إليهم بأسلوب منظَّم ومسلسل وقرأت فى عيونهم وصمتهم المطبق ما يفيد بأنهم يستمعون لأول مرة إلى نوع من الكلام لم يسمعوه من قبل. أصدر ياسر عرفات أمره لمحمود عباس بالتحرك.

لكن الوقت لم يكن ملائمًا بعد. وكانت هناك تيارات معارضة لهذا الاتصال. معارضة من التيار المتشدد من الفلسطينيين والتيار المتشدد من الإسرائيليين. فتمت عمليات اغتيالات كانت بمثابة رسالة واضحة أن الوقت لم يحن بعد. اغتيالات لرجال الفكرة. حيث جرى اغتيال رؤوف القبيسى مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى باريس واغتيال على ياسين مدير مكتب المنظمة فى الكويت واغتيال سعيد حمامى مدير مكتب المنظمة فى لندن والدكتور عز الدين قلق مدير مكتب المنظمة فى باريس وهى المرة الثانية التى يغتال فيها مدير مكتب المنظمة فى باريس لأن الاتصالات فى باريس كانت أنشط وأسهل. وتم اغتيال إبراهيم عبدالعزيز مدير مكتب المنظمة فى قبرص ونعيم خضر ممثل المنظمة فى بروكسل وماجد أبوشرارة مدير مكتب المنظمة فى روما. 

كان الهدف من تلك الاغتيالات تعطيل الاتصالات (الفلسطينية- الإسرائيلية). فلم تكن إسرائيل قد حققت أغراضها بعد. وكانت القوى الفلسطينية مازالت على عهدها القديم بالتشدد فى القضية. إلى أن ظهر فى القاهرة أواخر عام 1991 قناة اتصال جديدة كانت بدايتها من عند ملحقة دبلوماسية شابة بسفارة النرويج بالقاهرة وكان اختصاصها الإشراف على توجيه مبلغ ستة ملايين دولار من معونة قدمتها حكومة النرويج لدراسة الأوضاع الاجتماعية فى غزة بعد أن تفجرت انتفاضة أطفال الحجارة. كانت الملحقة النرويجية الشابة واسمها مونا جول قد التقت بباحث نرويجى يدعى تيرجى لارسن الذى جاء إلى القاهرة قاصدًا غزة برعاية الأونروا. وقعت قصة غرام بين مونا وتيرجى وساعدته على التنقل ما بين القاهرة وغزة وأكمل هو مسيرته إلى تل أبيب.

 فى مايو 1992 كان لارسن فى إسرائيل والتقى بالدكتور يوسى بيلين أحد الرجال المقربين من شيمون بيريز على مائدة غداء فى مطعم تندوري فى شارع ديزنجوف فى قلب تل أبيب. كان كل شيء جاهزًا. الاثنان كانت لهما مهمة معدة مسبقًا وهى تمهيد اللقاء فى أوسلو. ليتم الاتفاق ملفوفًا بقصة حب. وفى 13 ديسمبر من عام 1993 تم توقيع اتفاقية أوسلو وهى أول اتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل ممثلة بوزير خارجيتها آنذاك شيمون بيريز، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية محمود عباس.

وشكل إعلان المبادئ والرسائل المتبادلة نقطة فارقة فى شكل العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل تلزم منظمة التحرير الفلسطينية على لسان رئيسها ياسر عرفات بحق دولة إسرائيل فى العيش فى سلام وأمن والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، وأن إعلان المبادئ هذا يبدأ حقبة خالية من العنف، وطبقا لذلك فإن منظمة التحرير تدين استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وستقوم بتعديل بنود الميثاق الوطني للتماشى مع هذا التغيير، كما سوف تأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بها ومنع انتهاك هذه الحالة وضبط المنتهكين. 

وقررت حكومة إسرائيل على لسان رئيس وزرائها إسحق رابين أنه فى ضوء التزامات منظمة التحرير الفلسطينية، الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطينى،وبدء المفاوضات معها. ووجه ياسر عرفات رسالة إلى وزير الخارجية النرويجى آنذاك يوهان يورجن هولست يؤكد فيها أنه سيضمن بياناته العلنية موقفًا لمنظمة التحرير تدعو فيه الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الاشتراك فى الخطوات المؤدية إلى تطبيع الحياة ورفض العنف والإرهاب والمساهمة فى السلام والاستقرار والمشاركة بفاعلية فى إعادة البناء والتنمية الاقتصادية والتعاون. 

وينص إعلان المبادئ على إقامة سلطة حكم ذاتى انتقالى فلسطينية (أصبحت تعرف فيما بعد بالسلطة الوطنية الفلسطينية)، ومجلس تشريعى منتخب للشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز السنوات الخمس، للوصول إلى تسوية دائمة بناء على قرارى الأمم المتحدة 242 و338. بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية. ونصت الاتفاقية على أن هذه المفاوضات سوف تغطى القضايا المتبقية بما فيها القدس واللاجئون والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع الجيران. تبع هذه الاتفاقيات المزيد من الاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات مثل اتفاق غزة أريحا وبروتوكول باريس الاقتصادى الذى تم ضمهما إلى معاهدة تالية سميت بـ«أوسلو 2». كما نرى كل شىء معدًا فى الحجرات الغربية الأمريكية ووحدهم من يحددون التوقيت ووحدهم من ينهون القضية فقد بدأ الطريق الفعلى لغلقها. طريق صفقة القرن.