الإثنين 24 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
من «الشبه» إلى الدولة «القوية»

من «الشبه» إلى الدولة «القوية»

في العلوم السياسية، تُقاس قدرة الدولة الحقيقية، بمدى وفائها بوظائفها، الاستخراجية، والتوزيعية، والدفاعية، والثقافية والقانونية، والرضائية، قياسات علمية قبل أن تكون عاطفية.



 

 

ربما لم يستوعب البعض، تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الخامس من مايو ٢٠١٦، خلال الاحتفال بإعطاء إشارة البدء في حصاد القمح، بمشروع المليون ونصف المليون فدان، عندما قال الرئيس: إن مصر شبه دولة، وستصبح دولة حقيقية قوية.

 

 

يومها تلقف التصريح، المرجفون، بلا وعي، ولا علم، بما يجب أن تكون عليه الدولة، ولا مدلول العبارة، أخرجوها عن سياقها، فالقائد الحقيقي، هو ذلك الذي يمتلك القدرة على التقدير الدقيق للموقف، ويعلم كيف يبني ويعظم القدرات.

 

 

شبه الدولة، أي لديها قصور في أداء وظائفها الحقيقية، وقد أوفى القائد بعهده، وتمكن بالعمل الدؤوب والاستراتيجية المحكمة، التي تستهدف إحداث تنمية شاملة ومستدامة، تحويلها إلى دولة قوية فتية، تؤدي وظائفها الأساسية، بكفاءة عالية.

 

 

الاستخراجية: تعني وظيفة الدولة في استخراج الموارد، والاستثمار الأمثل، لثرواتها، يشمل ذلك المخبوء من الثروات، وعوائد الجمارك، وغيرها من موارد الدولة المتنوعة من كل المجالات.

 

 

وقد أسفر ترسيم الحدود البحرية، عن تعظيم قدرة الدولة الاستخراجية، في قطاع الغاز، كما أدى شق المجرى الملاحي الثاني لقناة السويس، واستثمار محورية، وربط سيناء بالأنفاق، والمشروعات التنموية، في مختلف القطاعات، لمضاعفة موارد الدولة المصرية.

 

 

التوزيعية: وتعني عدالة توزيع ثروة الدولة، وهذا لا يعني توزيع أموال نقدية، بل العمل على عدالة إنفاق الدولة على الخدمات، والتنمية المستدامة والشاملة، لكل ربوع الوطن، بما يحقق العدالة الاجتماعية، والاقتصادية.

 

 

جميعنا يعلم ما كانت الدولة عليه في السابق، من غياب للعدالة، وانتشار للعشوائيات، وفيروس "سي"، وغيرها من المعاناة، نتيجة خلل توزيع إنفاق الدولة على التنمية، خاصة في الأقاليم والمحافظات الحدودية.

 

 

واليوم نرى إنفاق الدولة وتوزيعها للاستثمار والتنمية، بشكل متوازن، شامل لجميع ربوع الوطن، بعدالة، بدأت متوازية بالقضاء على العشوائيات، والمبادرات الصحية، التي قدمت الرعاية لشعب مصر على حد سواء، بينها حملة القضاء على فيروس "سي"، والمسح الشامل، وإطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل، وتوسيع رقعة العمران في كل محافظات مصر من العالمين غربًا، إلى رفح شرقًا، مرورًا بالعاصمة الإدارية الجديدة والمنصورة الجديدة والمنيا الجديدة، وغيرها من المدن، التي تضاعف رقعة المعمور، بما لذلك من آثار تنموية.

 

 

مصر وفق استراتيجية ٢٠٣٠، تسير بخطى ثابتة، واثقة، وأهداف زمنية محددة، تحكمها معايير قياس المتحقق من الأهداف، بحلول ٢٠٣٠ مصر جديدة، ذات اقتصاد تنافسي، ومتوازن ومتنوع، يعتمد على الابتكار والمعرفة، استثمار أمثل لعبقرية المكان والإنسان، لتحقيق جودة حياة المصريين.

 

 

تستهدف الاستراتيجية، أن تكون مصر من أفضل ٣٠ دولة عالميًا، على مستوى حجم الاقتصاد مقاسًا، بالناتج المحلي الإجمالي، التنمية البشرية، ومكافحة الفساد، وجودة الحياة، وتنافسية الأسواق؛ ليكون اقتصاد مصر لاعبًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي، يعظم القيمة المضافة، ويخلق فرص عمل تصل بنصيب الفرد من الناتج المحلي لمصاف الدول المتقدمة.

 

 

التقدم وضع له مقاييس علمية، فالنمو الحقيقي، يستهدف بلوغ نسبة ١٢٪ بحلول ٢٠٣٠، بما يؤدي إلى تصفير نسبة الفقر المدقع، وتراجع نسبة الفقراء وفق مقياس الفقر القومي، من ٢٦.٣٪ إلى ١٥٪، وتراجع البطالة من ١٢.٨٪ إلى ٥٪، وغيرها من الأهداف ذات معايير القياس.

 

 

بينما تأتي الوظيفة الدفاعية، معبرة عن قدرة الدولة في حماية أمنها القومي، وأمن مواطنيها داخليًا، وخارجيًا، وحماية حدودها، والأمن هنا تقليدي، وغير تقليدي، ليشمل الثقافة، والأمن الغذائي، والوقائي، وغيرها من المهددات المعنوية والمادية، واحتكار الدولة لاستخدام السلاح والعنف.

 

 

فدولة تسيطر عليها ميليشيات، أو تحوي تنظيمات مسلحة، دولة فاشلة، ودولة تتخللها تنظيمات متطرفة فكريًا، تبث سمومها، في عقول الشباب شبه دولة، تفقد جزءًا من وظائفها الدفاعية.

 

 

في مصر قبل ٢٠١٣، كانت فاقدة احتكار القوة نسبيًا، فالميليشيات المسلحة، التابعة لتنظيم متطرف فكريًا، كانت تنفث سمومها، قبل إعلان تنظيم الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، ومواجهته أمنيًا وفكريًا.

 

شهد جيش مصر تطورًا كبيرًا، بتنوع مصادر التسليح وتعزيز القدرات العسكرية، والارتقاء بكفاءة المقاتلين، والقدرة التي ظهرت للعالم في المناورات التي نفذها أبطال مصر بالذخيرة الحية، آخرها قادر ٢٠٢٠، ليتقدم جيش مصر، محتلًا مركزًا بين أقوى ١٠ جيوش على مستوى العالم، وفق أحدث تصنيفات موقع "جلوبال فاير باور" المتخصص في تصنيفات جيوش العالم.

 

 

كما شهدت ذراع مصر الطولى نموًا ملحوظًا في القدرة الدفاعية، لتبلغ آخر نقاط الأمن القومي المصري، وثروات مصر البحرية.

 

 

بل أبهرت مصر العالم بقدرتها على حماية مواطنيها في كل أنحاء العالم، والتعامل الاحترافي مع الأزمات، أزمة فيروس "كورونا" نموذجًا، فقد نجحت مؤسسات الدولة المصرية في غضون ساعات في إجلاء المصريين المقيمين في الصين، وإعادتهم إلى وطنهم، مع اتخاذ كل إجراءات الأمن الوقائي، عبر حجر صحي يحول دون انتقال الفيروس.

 

 

وفي الوقت ذاته، نجح أبطال يعملون ليل نهار، خلف ستار، في إنقاذ أرواح الصيادين المصريين الذين احتجزوا في اليمن، وإعادتهم لمصر سالمين.

 

 

ما هذه المؤشرات، إلا جزء من قدرة وقوة الدولة، التي يريدها الرئيس السيسي، ويعمل على تنميتها تنمية مستدامة، بما يؤكد أنه عندما قال: نريد دولة قوية، أو عندما قال: إحنا نبني دولة قوية حقيقية، كان أمامه الهدف، وآليات التنفيذ، ها هي قوة الدولة تتعاظم وتنعكس على قدراتها الظاهرة للعيان، قوة الردع والحماية للأمن القومي، وللأمن الشخصي لأبناء الوطن داخليًا وخارجيًا.

 

 

لتأتي الوظيفة الثقافية، في ظل هجمات الفكر المتطرف عبر روافده المتنوعة، وفي ظل السماوات المفتوحة، والشبكات الإلكترونية العنكبوتية، بات من السهل استهداف الثقافة والمنظومة الفكرية، وهنا تأتي وظيفة الدولة التي تبني حصون الوعي والتنوير، وترسخ ثوابت الثقافة المصرية والقيم والأخلاق، وتدعم الإبداع والتنوير.

 

 

فلا تتعجب من إلحاح الرئيس على أهمية دور الثقافة والإعلام، وضرورة تجديد الخطاب الديني والخطاب الإعلامي، فالرئيس في اعتقادي يضع نصب عينيه تنمية وظيفة الدولة الثقافية، لتسير بالتوازي مع كل وظائفها.

 

 

ختامًا، تبقى وظيفة تعزيز الرضاء المجتمعي، وتلاحم الوحدة، وتداخل خيوط نسيج المجتمع، وهو ما حوّله الرئيس لواقع وعمل على الأرض، من خلال دعم العدالة الاجتماعية ومبادرات رئاسية، وقانون موحد لدور العبادة، واقعًا فعليًا، في العاصمة الإدارية الجديدة ومختلف محافظات مصر.

 

 

كلما تعاظم أداء الدولة وظائفها بكفاءة، ازدادت قوتها ومكانتها، وتلاحم شعبها، وتراجعت قدرة المتآمرين على النيل منها، مصر فعليًا دولة باتت قوية، وبإذن الله تزداد قوة بفضل القيادة السياسية والوعي والإرادة الشعبية.

 

[email protected]