صدر كتاب "القرآن محاولة لفهم عصري" للدكتور مصطفى محمود، في 1970م، ويعتبر من الأعمال الفكرية التي حاولت تقديم رؤية حديثة لفهم القرآن.
الكتاب يتناول بعض القضايا الدينية بطريقة تتناسب مع العقلية المعاصرة، مصطفى محمود يعتمد على أسلوبه الأدبي ممزوجًا بنزعة فلسفية وصوفية، ليتناول موضوعات مثل الخلق، الجنة والنار، الحلال والحرام، القدر والتخيير، الغيب والساعة.
يتناول الكتاب مجموعة من الموضوعات التي تشغل بال المسلم، حيث يسعى المؤلف إلى إعادة اكتشاف القرآن بعين جديدة، بعيدًا عن التلقين التقليدي.
يدعو الكتاب إلى التفكر والتأمل: "لن تكون متدينًا إلا بالعلم، فالله لا يعبد بالجهل"، يرى مصطفى محمود أن القرآن ليس مجرد نص ديني، بل كتاب حياة يحمل في آياته إعجازًا يتجدد مع كل عصر، وهو ما يحاول توضيحه من خلال قراءته الاجتهادية.
يصف الكاتب تجربة قراءة القرآن: "لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ويرتد فيها طفلاً بكرًا، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن"، هذا الأسلوب يجعل الكتاب جاذبًا للقارئ العام، لكنه في الوقت ذاته أثار جدلاً بسبب ابتعاده عن المنهجية العلمية التقليدية في التفسير.
لاقى الكتاب انتقادات واسعة من الذين رأوا أن مصطفى محمود بصفته طبيبًا وليس عالمًا شرعيًا، قد تجاوز حدوده في تفسير القرآن دون الإلمام الكافي بأصول التفسير وقواعده، فقد اعتبر بعضهم أن اجتهاده في تفسير الآيات كان يفتقر إلى الأدوات المنهجية التي يعتمدها المفسرون، مثل علم الحديث واللغة العربية وأسباب النزول.
وأن الكتاب يعتمد على تأملات فلسفية شخصية أكثر من اعتماده على المصادر الشرعية التقليدية، مما جعله في نظرهم بعيدًا عن التفسير العلمي.
ودافع آخرون عن الكتاب معتبرين أنه محاولة لتقريب القرآن من عقول الشباب والمتسائلين في العصر الحديث، وأن مصطفى محمود لم يقصد تقديم تفسير شامل، بل سعى إلى فتح باب التأمل والتفكير في آيات القرآن، وهو ما يتوافق مع دعوة القرآن نفسه إلى التدبر.
من الأمثلة التي أثارت جدلاً موقف مصطفى محمود من بعض القضايا، مثل قضية التسيير والتخيير، حيث قدم رؤية فلسفية تحاول التوفيق بين حرية الإنسان ومشيئة الله، وقد رأها البعض بعيدة عن الإجماع التقليدي.
لم يعتمد مصطفى محمود في كتابه على مصادر تفسيرية تقليدية مثل تفسير الطبري أو ابن كثير، بل استند بشكل رئيسي إلى آيات القرآن، مع إضافة رؤى شخصية مستمدة من خلفيته العلمية كطبيب، مما أثار تساؤلات حول مدى صلاحيته كمرجع ديني.
كتاب "القرآن محاولة لفهم عصري" عمل يعكس رحلة مصطفى محمود الفكرية من الشك إلى الإيمان، ويظهر اهتمامه بإبراز جمال القرآن وإعجازه.
والكتاب يناسب من يبحث عن منظور جديد لفهم القرآن، لكنه لا يناسب من يريد تفسيرًا تقليدياً، ويبقى الكتاب محاولة من المؤلف في طرح أفكاره وإسهامه في إثراء الحوار الفكري حول القرآن.
ويعتبر الكتاب تجربة فكرية شخصية كتفسير غير تقليدي، ويظل مصطفى محمود من خلال هذا العمل يجمع بين العلم والإيمان في محاولة لفهم الوجود والخالق.



