
مسجد محمد بك أبو الذهب: معلم معماري يحكي قصة الصعود والخيانة في مصر العثمانية

ساره وائل
يقع جامع ومدرسة وتكية محمد بك أبو الذهب في ميدان الأزهر، المواجه لجامع الأزهر، ويُعد أحد أبرز المساجد التاريخية في القاهرة، تم بناء هذا المعلم الديني في عام 1188 هـ / 1774 م بأمر من الأمير محمد بك أبو الذهب، أحد أبرز الشخصيات في تاريخ مصر العثمانية.
تاريخ البناء والمنشئ:
بدأ الأمير محمد بك أبو الذهب بناء المسجد في عام 1187 هـ / 1773 م، واستكمل في العام التالي، وكان أبو الذهب أحد أعمدة الدولة في ذلك الوقت، وكان تابعًا للسلطان علي بك الكبير، الذي لعب دورًا مهمًا في مصر قبل انفصاله عن الدولة العثمانية.
وتميز محمد بك بلقب "أبو الذهب" بعد أن قام بتوزيع الذهب والهبات على الفقراء في شوارع القاهرة، مما جعل اسمه يرتبط بالكرم.
ورغم خدمته القوية لعلي بك الكبير، فإن محمد بك خانَ سيده بعد تحالفه مع الدولة العثمانية، وتمكن من قتل علي بك الكبير في عام 1188 هـ، ليصبح واليًا على مصر، وتوفي في عام 1189 هـ في مدينة عكا بسوريا، حيث تم نقل جثمانه ودفنه في هذا المسجد الذي أسسه.
الوصف المعماري للمسجد
المسجد مصمم بشكل مستطيل بامتداد 24 × 33 مترًا، ويعتبر من المساجد المعلقة، أي أنه بني على مستوى مرتفع عن سطح الشارع، مع وجود دكاكين أسفل واجهاته، ويتميز المسجد بواجهتين، الأولى تطل على ميدان الأزهر، والثانية تطل على الجامع الأزهر، وكلا المدخلين مزودان بسلالم مزدوجة. يُغطى المسجد بقبة كبيرة تتميز برقبَتها التي تحتوي على 16 ضلعًا، ما يتيح للضوء الدخول من خلال نوافذ الجص والزجاج الملون، مما يخلق تأثيرًا رائعًا من الضوء داخل المسجد.
وزُخرفت القبة بنقوش مذهبة لم يبق منها سوى آثارها، أما المحراب في المسجد فهو مكسو بالرخام الملون، ويقابل المنبر الخشبي المطعم بالصدف، وفي الجدار المقابل للمحراب توجد دكة المبلغ، التي تُستخدم لرفع صوت المؤذن.
الأروقة والمقصورات:
يتكون المسجد من ثلاثة أروقة تحيط بالمستطيل المربع، وتغطيها قباب أصغر على أعمدة رخامية، وفي نهاية الرواق البحري يوجد قبر محمد بك أبو الذهب في مقصورة من النحاس، مزخرفة بالقاشاني المزخرف، كما توجد مقصورة أخرى تحتوي على خزانة للكتب.
مئذنة المسجد:
تعد مئذنة المسجد من أبرز سماته المعمارية الفريدة، تقع في الركن الجنوبي، وهي مئذنة مكونة من ثلاثة طوابق، وتتميز بخمسة رؤوس على شكل زلع، ما يجعلها واحدة من المآذن التركية الفريدة في تصميمها.

التكية والحوض:
ألحق محمد بك أبو الذهب بالمسجد تكية، وهي عبارة عن مكان للزوار والمحتاجين، بالإضافة إلى حوض لسقاية الدواب وسبيلا على الجهة الغربية للمسجد، مما يعكس اهتمامه بتوفير احتياجات العامة.
يجمع المسجد بين العمارة الإسلامية العثمانية والفن المعماري الرائع، بموقعه المميز بين ميدان الأزهر وجامع الأزهر، يظل هذا المعلم الشامخ شاهدًا على تاريخ مصر في فترة العثمانيين، وحافلًا بالذكريات التي لا تنسى.