
بعد تفاقم أزمة القمامة
بورسعيد ترفع "الراية البيضاء" وتستعين بشركة نظافة خاصة وسط ترقب المواطنين

ايمن عبد الهادي
تشهد محافظة بورسعيد واحدة من أسوأ فتراتها فيما يتعلق بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في ملفي النظافة والإشغالات، حيث أصبحت شوارع المدينة وأرصفتها ممتلئة بأكوام القمامة، مما تسبب في انتشار الروائح الكريهة وإثارة استياء الأهالي. كما تفاقمت أزمة الإشغالات التي انتشرت في مختلف المناطق دون رقابة، ما حول الشوارع إلى مشهد غير حضاري أثار غضب السكان.
منذ توليه المسؤولية، حاول اللواء محب حبشي، محافظ بورسعيد، التصدي لهذه الأزمات من خلال حملات مكثفة، لا سيما في الشوارع التجارية مثل الثلاثيني، حيث قام بجولات ميدانية، وتحدث مع المواطنين، ووعد بإجراءات صارمة، إلا أن النتيجة جاءت عكسية، إذ زادت الإشغالات بشكل واضح، ولم تتمكن الأجهزة التنفيذية من السيطرة عليها أو تقليل انتشارها.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن محافظ بورسعيد خلال أحد المؤتمرات الصحفية اعترافه بصعوبة حل الأزمة بالجهود التنفيذية وحدها، قائلاً: "المدينة بأكملها تعاني من مشكلة القمامة، والحل الوحيد هو التعاقد مع شركة متخصصة"، ليتم الإعلان لاحقًا عن توقيع اتفاقية مع شركة نظافة بريطانية، وسط تساؤلات حول مدى نجاحها في مواجهة هذه التحديات التي عجزت عنها الأجهزة التنفيذية بالمحافظة.
تعاقد جديد.. ولكن ماذا عن التفاصيل؟
أصدرت محافظة بورسعيد بيانًا رسميًا أكدت فيه فشل جميع الحلول السابقة، بما في ذلك الاعتماد على المعدات واللوادر وجهاز الإنقاذ والطوارئ، إلى جانب جهود العمالة والموظفين، ما دفعها للاستعانة بشركة عالمية متخصصة في إدارة المخلفات، على أن تبدأ عملها خلال شهر مارس المقبل، بفترة تشغيل تجريبية مدتها شهران.
إلا أن البيان لم يتضمن تفاصيل عن التكلفة المالية للتعاقد، وآلية تعامل الشركة مع المخلفات القابلة لإعادة التدوير، التي تمثل مصدرًا مهمًا للعوائد الاقتصادية. وقد أثار هذا الأمر تساؤلات بين المواطنين، الذين يتطلعون إلى معرفة مدى عدالة الاتفاقية وضمان عدم إهدار أموال الدولة في تجربة غير مضمونة النتائج.
رأي المواطنين بين الأمل والقلق
رغم التساؤلات المطروحة، استقبل بعض المواطنين هذا القرار بتفاؤل، آملين أن تسهم الشركة الجديدة في إعادة بورسعيد إلى سابق عهدها كمدينة نظيفة خالية من التلوث البصري والبيئي. وتقول مروة أ.، عاملة بأحد المستشفيات الخاصة:
"لا أعرف كيف وصلت بورسعيد إلى هذا الوضع، لقد كانت مدينة نظيفة وجميلة، أما الآن فالقمامة منتشرة في كل مكان، حتى أمام المدارس والمستشفيات والمساجد. نريد حلًا جذريًا بغض النظر عن هوية الشركة، سواء كانت بريطانية أو غيرها، المهم أن نعيش في بيئة نظيفة."
مقترح بديل من المهندس جمال الباشا
في سياق متصل، طرح المهندس جمال الباشا، التنفيذي السابق ورئيس حي الزهور والعرب، مقترحًا بديلًا لحل أزمة القمامة دون الحاجة إلى التعاقد مع شركات خاصة، يتمثل في إعادة هيكلة جهاز الإنقاذ والطوارئ وتحويله إلى جهاز للنظافة والتجميل، بحيث يتولى جميع مهام النظافة في بورسعيد، مع استلام معدات الأحياء ونقل جميع العمالة إليه، باستثناء العاملين في مجلس مدينة بورفؤاد.
وأشار إلى أن نجاح هذه الخطة يتطلب: إصلاح جميع المعدات وصيانتها، وتوفير ثلاث مكانس آلية وثلاث سيارات ري ورش، تعيين مهندس متخصص لإدارة الجهاز وفق بطاقة الوصف الوظيفي، تعزيز فرق الزراعة للقيام بعمليات التقليم والتهذيب، توريد الدهانات اللازمة لطلاء البلدورات وتحسين المشهد العام، والاحتفاظ بالكفاءات الفنية ودعمها بفنيي الصيانة من جراجات الأحياء.
كما شدد على أن تفعيل الجمع المنزلي سيؤدي إلى القضاء على ظاهرة النباشين، موضحًا أن التكلفة المبدئية لهذه الخطة قد تكون مرتفعة، لكنها ستظل أقل بكثير من إسناد مهمة النظافة إلى شركات خاصة، مستشهدًا بتجربة "مصر سيرفس"، التي فشلت في بورسعيد بسبب التعيينات العشوائية والرواتب المبالغ فيها للمشرفين على حساب العمال.
ما القادم؟
مع ترقب بدء عمل الشركة الجديدة، يظل التساؤل المطروح هو: هل ستكون هذه الخطوة بداية لحل جذري لمشكلة النظافة في بورسعيد، أم أنها مجرد تجربة أخرى قد تضاف إلى سجل الإخفاقات؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا التساؤل.