

مودي حكيم
85 عاما صحافة 5
نصف قرن من العطاء!
تناوب على عمادة "كلية الإعلام" في جامعة القاهرة، من كان لهم الفضل في وضع ركائز الدراسات الإعلامية, وهم من قامات البلاد، فهماً، واطلاعاً، وثقافة، وتنوراً. في مقدمتهم سمير حسين، ومختار التهامي، وجيهان رشتي، وفاروق أبو زيد، وعلي عجوة، وماجي الحلواني، وليلي عبد المجيد، وسامي عبد العزيز، وحسن عماد مكاوي، وجيهان يسري، هبة السمري، وهويدا مصطفي، والعد والتعداد لا ينتهي هنا.
تولى الدكتور سمير محمد حسين عمادة الكلية, سنوات ثلاث، ورئاسة القسم 11 عاماً، خلفه في العمادة، والمسؤولية، الدكتور مختار محمد التهامي، وبعد انتهاء مدة توليه العمادة، جدد له سنوات ثلاث أخرى.
كان الدكتور التهامي، رحم الله روحه، واحدا من الرواد، الذين تركوا أثراً عميقاً على طلابهم، فمنهجه، التدريسي متميز ويشار بالبنان إلى الذين تخرجوا على يديه، وتوزعوا على ميادين الإعلام المكتوب والمسموع والمشاهد، فأبلوا، وبرزوا، وطوروا، وتفوقوا، كل في المجال لذي عمل فيه.
ولم يتوقف نشاط الدكتور التهامي على الإدارة والتدريس، فانصرف إلى وضع دراسات حول الرأي الرأى العام، اعتبرها الثقاة من الباحثين، أنها الأولى من نوعها في مصر، والعالم العربي. والعالم العربى.. كما أنه وضع المدماك الأول للمدرسة النقدية فى الإعلام فحلل، مبكرًا آليات استخدام الإعلام، والدعاية فى الحرب النفسانية، والتضليل الإعلامي، وكان أول من نَبَّهَ إلى خطورة هيمنة الدولة وسلطة الرقابة فيها، أو، رجال المال الأعمال، على ما سماه "الفضاء الإعلامي"، وقد اعتمد مدخلاً مهمًا لتعريف الرأي العام، تأثر فيه، بلا شك، بالمدرسة النقدية التي راجت في الغرب، حيث يرى أن الرأي العام في المجتمع هو رأي "الأغلبية الواعية"، وليس "الأغلبية العددية في المجتمع".
إلى ذلك كله، شارك في إرساء وتطوير تقاليد وأعراف العمل الجامعي، وفي وضع نظم العمل بكليات الإعلام، وكانت له الباع الطولى في تطوير، وتحديث بنية التشريعات المصرية التي تنظم حقل الدراسات الإعلامية وعمل أجهزة الإعلام.
فكرمته مصر، عن استحقاق وجدارة، فمنح وسام العلوم والآداب والفنون عام 1988.
بدأ مختار محمد التهامي، الكتابة في مرحلة مبكرة، أثناء الدراسة الجامعية، وقد استهوته الكتابة للأطفال، كان في سن التاسعة عشرة من عمره، عندما نشر ثلاث قصص بين دفتي كتاب عنوانه: "الفارس المسحو"ر، وقعه بإسم "آبيه مختار"، رغبة منه في أن يشعر الطفل القارئ، بأن الكاتب هو مجرد "أخ أكبر" له بروي له "حدوتة" .
في كتابته الذاتية, جمع خبراته، وتصوراته، وتجربته، وفلسفته في الحياة، في كتاب: "الفليسوف الصغير" ضمنه ذكرياته، منذ أن بلغ الحلم، حتى المرحلة الجامعية، بأسلوب صادق، ماتع، مشوق، رتب وعرض فيه أفكاره، وعواطفه، تجاه المرأة، والأسرة، والمجتمع، والدين، والحياة، و... الموت.
خلال مسيرته العلمية، والأكاديمية، والفكرية قدم الدكنور مختار التهامي للمكتبة العربية العديد من الإسهامات المتميزة، من خلال خمسة عشر كتابا ودراسة وبحثا من أهمها "الصحافة والسلام العالمي".
أما حياته الأكاديمية والمهنية, فقد بدأها مدرسًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، ثم في قسم الصحافة في كلية الآداب. وانتقل إلى الصحافة المتخصصة، فعمل مستشاراً في قسم تحرير "المجلة المصرية لبحوث الاتصال"، ثم، "المجلة المصرية لبحوث الرأي العام"، ليترأس بعدها تحرير بعض المجلات الجامعية في كلية الإعلام، وجامعة اليرموك، وجامعة بغداد.
شارك في تأسيس أقسام الإعلام في العديد من الجامعات العربية وفي مقدمتها جامعتا بغداد واليرموك. وأسهم في تأسيس "هيئة خريجي الصحافة" (جامعة القاهرة)، بالاشتراك مع الدكتور عبد اللطيف حمزة، والدكتور خليل صابات بعد وفاة هذا الأخير، تولى الدكتور تهامي رئاسة هيئة الخريجين حتى وفاته.
أشرف على إدارة "مركز بحوث الرأي العام" في جامعة القاهرة, وكان، أيضاً، عضواً في "مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات"، ومقرراً للجنة الدائمة لترقية أساتذة الإعلام في المجلس الأعلى للجامعات، وعضوا في "المجلس العلمي لجهاز قياس الرأي العام"، في "المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية"، ولفترة كان عضوا في "مجلس جامعة القاهرة"، و"المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والعلوم".
وحدث أن أوفد في مهمة علمية لمنظمة "اليونيسكو" لمدة عامين، واختارته تلك المنظمة الدولية، مستشارا لها في مهمة علمية بوزارة الإعلام العمانية. عمل كأستاذ زائر في أربع جامعات عربية: "جامعة أم درمان الإسلامية"، و"جامعة بغداد"، و"جامعة اليرموك"، و"جامعة قطر".
شارك، وخطط، وأشرف، على العشرات من المؤتمرات والدورات التدريبية التي نظمتها "اليونيسكو"، وكان ممثل مصر في اجتماعات "المجلس الحكومي الدولي للبرنامج الدولي لتنمية الاتصال" في العاصمة الفرنسية باريس.
عندما شرعت في الكتابة عن محمد مختار التهامي، عندما شرعت في الكتابة عنه، لم أجد أبلغ من كلمة كتبها تلميذه الدكتور محمد شومان، عميد كلية الإعلام في الجامعة البريطانية عن رحيل أستاذه، ونشرتها "جريدة اليوم السابع يوم السبت الموافق التاسع من ديسمبر سنة 2017 تحت عنوان "أستاذي مختار التهامي"، ها هنا بعض ما جاء فيها:
"هربت من نفسى قرابة الأسبوعين حتى لا أكتب عن أستاذي مختار التهامي الذي أشرف عليّ في إعداد رسالتي للدكتوراه، واقتربت منه إنسانيًا وعلميًا، وتعلمت منه الكثير، لكن بعض الأصدقاء عاتبونى وطلبوا مني أن أكتب، وها أنا أكتب، ولكن ليعذرني هؤلاء الأصدقاء، وأسرة الفقيد عن أي بؤس أو تقصير فيما كتبته، فمن الصعب أن أكتب عن حياته وخصاله أو مسيرته المهنية في التدريس والبحث العلمي، فالراحل كان عالمًا جادًا ومخلصًا لوطنه وعلمه وعروبته بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد وتحديات، وبالتالي زهد في مُتع الحياة أو البحث عن السلطة والمال، أو الظهور الإعلامي. وهب حياته وعلمه لخدمة الوطن والدعوة للعدالة الاجتماعية والسلام العالمي، فكان أقرب إلى الفكر الاشتراكي الملتزم بقيم الوطنية والإسلام، وكان أحد دعاة التعايش بين الشعوب والحضارات، وضد خطابات الكراهية والحروب في العالم. وكانت هذه القيم والمثل العليا تحركه وتؤطر كتاباته منذ كتابه الأول".
لم يكن الدكتور محمد شومان وحده أحد ثمار الغرس الطيب، فقد أشرف الدكتور التهامي على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه على مدى زمني يقارب النصف قرن، أعدها طلاب من العديد من الدول العربية شملت العراق، والسعودية، والأردن، والإمارات، كما اتسعت هذه الرسائل والبحوث لتشمل دراسات عن الصحافة، والتليفزيون، والإذاعة، ووكالات الأنباء، والسينما، والعلاقات العامة، والرأي العام.
من تلامذة التهامي الذين حصلوا على الدكتوراه بترتيب الحصول على هذه الدرجة من 1972 حتى عام 1997 الدكاترة: محمد السيد محمد، فاروق أبو زيد، ماجي الحلواني، منى الحديدي، جرجس زكريا، وجيه سمعان، راجية قنديل، نجوى الفوال، حازم عبد العظيم، صلاح عبد اللطيف، غازي زين عوض الله، فرج الشناوي، عبد الله النويس، صباح ياسين، سعيد عبده نجيده، محمد شومان، آمال المتولي، كمال قابيل، إبراهيم عبد اللطيف ، جمال عبد العظيم، سلام عبده.
خمسة وثمانون عاماً مرت منذ شارك الرواد من أساتذة الإعلام في تدريس الصحافة وخلق جيل من الصحفيين سنكمل الحديث عنهم.