عاجل
الإثنين 11 ديسمبر 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الاهلي
منهج يوسف وهبي في التمثيل المسرحي (1)

منهج يوسف وهبي في التمثيل المسرحي (1)

جاء الأحد الحار السادس من أغسطس 2023 يومًا نقديًا حافلًا في فعاليات المهرجان القومي للمسرح، وفي محور التأريخ والتراجم سعدت بالمشاركة بورقة بحثية عن الفنان الكبير يوسف وهبي ومنهجه في التمثيل المسرحي، ربما يكون أمرًا استيعاديًا مضيئًا قراءة التاريخ المسرحي بشكل مختلف.



وفي تأمل هذا الفنان الكبير يوسف وهبي مقتربات عديدة.

 

وسيرته الذاتية تعد من أبرز السير الذاتية التي كتبها الفنانون المصريون.

 

وهي بكل هذا الزخم والحكي الشخصي وتجربته المبكرة مع المرأة والإبداع والسفر والترحال، والفن والزواج والمسرح والأموال الكبيرة والإفلاس والإصرار على النجاح، تحمل وهجًا خاصًا من حب الحياة والإيمان بضرورة الإضافة لها عبر الإبداع.

 

ولعل عشت ألف عام هي العنوان الأكثر شهرة وتميزًا في باب السير الذاتية ومنها: 

 

"عشرات السنين عشتها بين مد وجزر.. في قصور فاخرة وفي غرفة على السطح يشاركني فيها الدجاج.. رأسمال ضخم ورثته عن أبي وأضعته ثم استرددته ثم فقدته.. دوامة لا تهدأ.

 

فقر وغنى.. شظف وترف.. ظلام وبهرة أضواء.. قامرت وربحت وخسرت.. انتصرت وانهزمت، لكنني لم أسلم سلاحي ولم أخضع للأقدار ولم أغتر بالثراء ولم أجزع من الإفلاس العلني وملاحقة "الديانة".

 

إعصار وزوابع وحرب أشهرتها على الرجعية والحقد، مغامرات مع الجنس اللطيف تفوق حد الخيال. راغبات في خلق علاقة مع ذوي الشهرة، وفضوليات متعطشات للتذوق والتجربة.

 

فراشات تغريها الأضواء ثم يتساقطن في أتون النار.. لكنني كثيرًا ما كنت ضحية للمغريات.. لفقوا عليَّ القصص..

 

اتهموني بأنني صياد أصطاد الطير الضعيف، نهم في المتعة، حشاش، سكير، عربيد جعلت من المسرح مصيدة سقط فيها العديد من الضحايا.

 

والحقيقة كانت عكس ما لفقوه عني وما ابتكروه لتحطيم سمعتي.

 

أنا لا أدعي أنني كنت قديسًا أو راهبًا أعيش في محراب أو متصوفًا في صومعة، أو معصومًا من الخطأ والشهوات.. لكنني كغيري أيام الشباب والفتوة كنت أستجيب للإغراء والجمال في شيء من النهم.

 

بيد أنني لم أشرب الخمر ولم أتعاط المخدرات ولم أرتكب موبقات سوى حبي السابق للقمار الذي سلبني عشرات الآلاف"( ).

 

وفي تقديري المتواضع أن هذا الحكي والسرد الذي يحمل نوعًا من الاعترافات النادرة في اللسان العربي هو مفتاح لفهم طبيعة الأداء التمثيلي عند يوسف وهبي.

 

إذ إنه يؤدي بطريقة مختلفة تشبه تلك الاعترافات التي سردها عن نفسه، وبعيدًا عن التحقق من مصداقيتها أو كونها تحوي مبالغات أو أحداث لا يمكن العثور على أدلة عليها، إلا أن بعضا منها فيما يرد من زيجات وإفلاس وغني وإنفاق كبير يمكن الاطمئنان إلى حدوثها بشكل واضح إذ إنها تاريخ يعرفه الجميع.

 

مثل زواجه من السيدة عائشة فهمي، ومثل إنفاق ميراثه على إنشاء فرقة رمسيس، وهي الفرقة التي أسسها مع المخرج المصري الكبير عزيز عيد الذي عاش في المسرح نجاحًا كبيرًا ومجدًا منقطع النظير، وفقرًا كبيرًا متوحشًا دفعه إلى بيع ملابسه ليسد رمقه. 

 

وكانت فرقة رمسيس هي الإنقاذ للمسرح الجاد بمعناه الجمالي والمعرفي في مصر عام 1923. والتي قدمت روائع المسرح العالمي والمصري آنذاك.

 

وبعض من أبرز ما قدمته الفرقة كان من تأليف يوسف وهبي مثل مسرحية المجنون 1923 التي أخرجها عزيز عيد، والذي عمل كمدير فني للفرقة.

 

هذه الحقائق التي هي صفحة مضيئة في تاريخ المسرح المصري المعاصر، تتميز بأهمية خاصة لكونها تحمل صفة الاستقلال الكامل عن أي دعم حكومي وبمبادرة من المجتمع الفني المدني المصري بجهده وأفراده اللامعين وبأموال يوسف وهبي.

 

وما بقي لنا من مسرحيات مصورة من تراث مسرح رمسيس عدد محدود، أمكن حفظه عبر إعادة عرضه في أوائل الستينات في اتفاق مع التليفزيون العربي، لتصوير روائع يوسف وهبي.

 

وتلك المسرحيات تبدو كنزًا كبيرًا يمكن من خلاله فهم طريقة ومنهج التمثيل عند يوسف وهبي كممثل مسرحي، ذلك أن بريق السينما قد قدم لنا صورة ذهنية خاصة ربما طغت على عمل يوسف وهبي المسرحي كممثل. إنه حقًا مكسب كبير وإرادة فنية تسببت في حفظ هذا التراث كي نرى يوسف وهبي كممثل في ميدان إبداعه الأول وهو المسرح.

 

فكيف يمكن رؤية هذا المنتج والمؤلف والمخرج الرائد وهو يمثل؟ وكيف يمكن فهم منهجه وأسلوبه في فن التمثيل؟

 

وكي يصبح الأمر دالًا حقًا، فقد تم اختيار مسرحيتين ليوسف وهبي الأولى ذات طابع جاد يمكن وصفها نسبيًا بأنها مأساة مكتملة الأركان وهي من تأليفه وإخراجه وقدمها باللغة العربية الفصحى، وهي مسرحية راسبوتين، والثانية مسرحية ذات طابع خفيف الظل يميل في اتجاه الكوميديا الاجتماعية، وهي من تأليفه وإخراجه أيضًا وقدمها باللهجة العامية المصرية، وهي مسرحية بيومي أفندي.

 

وفيهما يلعب يوسف وهبي دور البطولة ويمكن فهم واستقراء وتحليل منهجه في فن التمثيل المسرحي، وهو ما يمكن تحليله إلى عدة ملاحظات أساسية.

 

أولًا: الاسترخاء الذهني والحرية العضلية: 

يتمتع الفنان الكبير يوسف وهبي بمقدرة واضحة من الاسترخاء الذهني الذي يظهر بوضوح في مسرحية راسبوتين ممزوجًا بمقدرة واضحة على الحرية العضلية. 

 

ويتضح ذلك في مقدرته على التحكم في هدوء الوجه واعتدال الجسد واستخدام الصوت المنخفض القادم من طبقة القرار في اللحظات التي يظهر فيها راسبوتين كأب كنسي مقدر أمام أتباعه، وتحول تلك الحالة المستقيمة للجسد، وذلك النوع من الصوت إلى توتر عضلي تام في مشاهد المعركة بينه وبين قضاته من أعضاء البلاط في مشهد النهاية ومقاومته لهم في تعبير عن سيطرة عضلية تامة ومقدرة على التحكم في جسده كممثل.

 

وفي النوع الكوميدي الاجتماعي بيومي أفندي يظهر هذا التحكم في انحناء الظهر، وبطء الحركة وانبساط الوجه، مع انضباط في ردة الفعل تجاه الشخصيات المحيطة به، وتغير إيقاع حركة الجسد مع الزوجة المتسلطة بشكل يختلف عن انفعاله وغضبه وهو يغير مجرى الأحداث من شخصية الرجل الطيب إلى الرجل السيد ليعتدل جسده، ويستطيل ويتحرك بعنف قوي مؤثر يؤدي إلى إقناع واضح في مقدرته على إحكام السيطرة على الزوجة المتسلطة.

 

وفي ذلك تعبير دال على مقدرة واضحة على الاسترخاء الذهني الذي يمكنه من السيطرة العضلية على الجسد، وتطويعه لرسم ملامح الشخصية الدرامية، والتعبير عن تغير ملامحها من لحظة درامية إلى أخرى.

 

ويقف خلف ذلك دراسة علمية وتدريبات سابقة للتحكم في عملية الاسترخاء الذهني والتحكم في حركة الجسد، وهو أمر لا يمكن للممثل إدراكه واستظهاره بهذا الشكل المنضبط دون وعي به وتدريب على إنجازه، وهي مسألة تتجاوز الموهبة الطبيعية إلى تدريب مكتسب يعبر عن فهم عميق للاسترخاء والسيطرة العقلية. 

 

كما يمكن ملاحظة أن جسده يأتي مطيعًا ومرنًا ومستجيبًا لتيار الإحساس، ومعبرًا عن المكانة الاجتماعية للشخصية فبيومي مصطفى الساعاتي حركته الجسدية تختلف بالتأكيد عن راسبوتين الرهيب.   

 

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز