عاجل
الأربعاء 8 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
"أمي".. اللقاء الأخير

"أمي".. اللقاء الأخير

أكتب هذه السطور، وبينما أنا في قمة ضعفي، بعد أنا فارقتني أمي منذ أيام، ربما لا أستطيع أن أحصى أو أجد كلمات لأصف بها مرارة ووجع محنة وفاة "أمي" رحمة الله عليها، فرغم إيماني بقدر الله وأن كل شىء عنده في كتاب، إلا أن لسان حالي يردد "إلى هذا الحد كانت الحياة بهذه القسوة عليّ" برحيل أمي فاجأة بعد عشرة شهور من وفاة والدي!.."اللهم لا راد لقضائك".



 

لا تزال صدمة رحيل "أمي" أبية عن التصديق، فما أنا فيه، أشبه بمن أجرى جراحة خُلع فيها "قلبه" ولا يزال يستفيق من تأثير تخدير هذه الجراحة، مع كل دقيقة يزداد وجعه وألمه.. خصوصا وأن ألم وفاة "والدي" لم يكن قد التأم، وكان وجود أمي رحمة الله عليها، حولنا مصدرًا للتخفيف والتصبير على وجع وفاته.

 

حتى الآن لا يستطيع عقلي أن يصدق أن أمي لم تعد موجودة، كم تمنيت أن يكون كابوسًا، كلما استعدت ما حدث في الأيام الأخيرة، منذ علمي بوفاتها لا أصدق أني قد شيعت جثمان أغلى ما أملك، وكأني لم أكن في كامل وعي هذه الأيام، بل الآن أصبحت أتجنب دخول غرفتها أو أنظر إلى "كرسيها"، كيف أفعل ذلك ولا أراها في مكانها كما اعتدت، لا تستطيع نفسي أن تتحمل هذا الفراق.

 

لا أزال تراودني حالة النكران، وفي نفس الوقت أبحث عن رائحة أمي في كل شىء، حتى أني احتفظت ببعض متعلقاتها لأشم رائحتها فيها كل فترة.. فالآن لا حيلة لي، فقد فقدت الحياة كل معانيها برحيل أمي ومن قبلها والدي، فقدت دعوة أمي، فقدت نظرة الحب والخوف واللهفة والدفا، التي طالما كنت أبحث عنها في كل مرة أزور فيها أمي، لاستمد منها طاقة لا تأتي إلا منها في هذه الحياة، الآن لم يعد هذا موجودًا.  

 

أراد الله أني التقي أمي قبل عدة ساعات من وفاتها، دون مقدمات، ذهبت اليها من باب الاطمئنان عليها وعلى صحتها، كانت جالسة على سريرها وفي فراشها بشكل طبيعي، دون أي مؤشرات لأي عارض أو تدهور صحي، لكن اللافت عند سلامي عليها، شدة برودة يديها، وعندما سألتها عن السبب، قالت بفطرتها المعتادة "شوية برد وهيروحوا لحالهم"، كما كانت دوما مثالا في نكران الذات، تتحامل على نفسها لأجل بيتها أولا.

 

جلست إلى جوارها، ولا أدري أنه اللقاء الأخير، والآن لن أستطيع أن أنسى كل كلماتها في هذا اللقاء، أردت أن أخفف عنها بعض أعباء الحياة وأن كل شىء سيسير حسب ما تريد.. لم أكن أدري أن كلام أمي لي في هذا اللقاء، وصاياها الأخيرة، كانت أول ما أكدت عليه أن يظل البيت "مفتوحًا" بنفس "هيبة الوالد"، تقصد أن يظل مفتوحًا بأخلاقه وخيره، إلى جانب أمور أخرى تخص أولاد أخوتي والبيت.. لم تطمئن قبل أن أذهب إلى شغلى مرة أخرى إلا وأنا أتناول الغداء أمام عينيها، إلى أن جاءت لحظة رحيلي، وقتها رفعت عينيها للسماء وقالت "أنا شفتك كده ارتحت".. كانت هذه آخر كلماتها لي رحمة الله عليها.

 

بعد أن أبلغوني في مساء هذا اليوم بوفاة أمي، لم تحملني قدماي، ولم أصدق، كيف ذلك دون مقدمات، فقد تركتها جالسة منذ عدة ساعات فقط دون أي عرض صحي.. لكن تلك هي الحقيقة المرة فلم تتحمل أمي ألم فراق والدي أكثر من ذلك، أخلصت له حيًا، وبعد وفاته، كنت أعلم كم بكت على رحيل شريك حياتها "أبي"، فلم تفارق الدموع قلبها قبل عينيها، اجتهدت مع أخوتي أن نخفف ذلك عنها، رأيت كم الإخلاص لشريكها حتى بعد وفاته، كانت تتصرف وكأنه حاضر في غرفته، أخلصت في حزنها، ولم تجدِ أي محاولات أو تدخلات طبية لتنسيها، رحمة الله عليهما.  

 

قد يجد البعض أن هذه سطور عن تجربة شخصية قاسية للغاية، هناك من سبقني وأن عاشها، لكنها كلمات عن محنة صعب وصفها بآلاف الكلمات، هي محاولة للاعتراف بحق وفضل "أمي" علينا وإخوتي.. فأمي سيدة عصامية مكافحة، سيرتها لدى جميع من يعرفها أنها من المكافحات في الحياة مع أبي "رحمة الله عليهما"، تحملت مسؤولية بيتها وزوجها وأولادها مبكرًا، أفنت شبابها وصحتها لأجلهم جميعا، دائما ما كانت تعطي دروسًا في نكران الذات، لا أذكر أن كان لأمي طلبا في حياتها، دائما راضية حامدة ربها، كانت فرحتها في إسعاد من حولها، أفنت كل ما تملك لبيتها وأولادها وأحفادها.. كم آثرت على نفسها، كم تحاملت على تعب وصبرت، كم كانت نعم السند لوالدي في مواجهة صعاب كثيرة مرت بها حياتها.

 

في السنوات الأخيرة، وبينما قد ظهرت مظاهر الشيب على وجه أمي، تعرضت لأصعب محنة وهي وفاة اثنين من أولادها، حيث توفي شقيقي الاكبر "محمد"، وبعدها بسنوات أخي الثاني "عبد الله"، تاركين خمسة من الأحفاد، لم يتحمل جسدها هذه المحنة، فأصيبت بأزمة صحية أفقدت نصف جسدها الحركة، ورغم ذلك لم تسالم للمرض، بل واصلت عطاءها بما تبقى لها من قوة، كنت دائما أشعر بالذنب تجاه أمي بعد تعبها، كنت دائما أتساءل: لماذا لم نشعر بتعبها طوال السنوات الماضية؟ كنت أبحث عن أي شىء يجلب لها الراحة ويعوضها على "شقاء" أيامها السابقة.  

 

بعد تخرجي في الجامعة، أراد الله أن يكون مجال عملي في القاهرة، وهو ما يعني أن أعيش "مغتربًا" عن أبي وأمي، كانت لحظات البعد قاسية، حتى اعتدنا على هذا الوضع.. كنت أحصي الأيام حتى يأتي موعد الذهاب "للبلد في الشرقية" حيث رؤية أبي وأمي.. في كل مرة كنت أزور فيها أمي لا أستطيع أن أنظر في عينيها كثيرًا، ليس فقط بسبب دموع الاشتياق أو اللهفة، بل كلما نظرت لها كنت أشعر أني مهما فعلت فأنا مقصر معها، وهناك الكثير يجب فعله لأجلها.

 

دائما كنت ضعيفًا أمام أمي، دائما كانت حاضرة في وجداني، في كل خطوة أخطوها كان لسان حالي "هل هتبسط أمي وأبويا"، كانت لغة تواصل حاضرة في كل وقت، لغة غير منطوقة، لكن تعبر عنها نظرات العيون، ولا يشعر بها إلا من نال من احسانك يا أمي.. في كل محنة أو شدة في حياتي، كان يكفيني أن أذهب لأمي، كان سلاحها العتيد هو "الدعاء المخلص"، وكان هذا هو نعم السند طوال الوقت، لكن هيهات هيهات، الآن.. فقد افتقدت أهم سلاح في حياتي وهو "دعاء أمي".

 

لا أخفيكم، إحساسًا قد لازمني منذ أن وصلني نبأ وفاة أمي، فقد شعرت "بلسعة" برودة في جسدي، تصل أحيانا لحد "الرعشة"، لا تمحيها أي ملابس ثقيلة، أو مهما ثقل غطاء الفراش، وكأن برحيل أمي قد انقطع وصال "الدفا"، الذي لا يُمنح إلا منها.. لا أجد كلمات أعبر بها عن حقيقة ألم ووجع فقدان الأم، فالآن فقدت مصدر حمايتي وقوتي، ازداد خوفي وقلقي، تلك هي الحقيقة المرة التي يجب أن أقبلها.

 

لا أستطيع أن أخفي حجم الارتباك، الذي انتاب أسرة فقدت أهم أعمدة بنائها، (الاب والام)، بل إن كل محاولات التصبير والأزر لا تغني هذا الفقدان، بل لن يعوضه أي اجتهاد أو محاولة للسير على دربهما، تلك هي الحقيقة المرة التي لابد تصديقها.

 

هذه بعض كلمات عن سيرة سيدة عظيمة، عاشت حياتها لتعطي مثالا في "انكار الذات".. دوما كانت تؤخر نفسها في سبيل حاجة من حولها، لدرجة أنها كانت تؤخر علاجها لأجل مصلحة بيتها وأسرتها، نعم هذه حقيقة، كانت تخفي أن علاجها قد انتهى، وتتحامل هي، حتى توفر حاجة أولادها أو أحفادها.. لكن عزائي في مشهد تشييع جثمانها الطاهر، فقد لقت ربها في ليلة الجمعة ناطقة الشهادة، ليشيعها المئات بعد صلاة الجمعة.

 

سأظل مدينا لك يا أمي بكل شيء، لا نملك إلا قول إنا لله وإنا إليه راجعون على رحيلك، ونحسبك من أهل الجنة.

 

وداعًا يا أعز الناس.. سلامًا يا أمي.

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز